بعد جدل فيلم “أميرة”.. ما “النطف المهرّبة” وكيف ينجب الأسرى عبرها بضمانات شرعية وقانونية؟

بلغ إجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين الذين نجحوا في الإنجاب عن طريق نطف مهربة 71 أسيرًا (موافع التواصل)

أعاد الجدل المُثار بشأن فيلم “أميرة” -الذي يتناول قضية تهريب نطف للأسرى الفلسطينيين من داخل السجون الإسرائيلية- تسليط الضوء على هذه القضية.

ويتضمّن الفيلم قصة خيالية بطلتها فتاة اسمها أميرة، وُلِدت عبر نطفة مهرّبة لوالدها القابع في سجن إسرائيلي، لتُفاجأ في فترة لاحقة أن هذه النطفة تعود لضابط إسرائيلي قال الفيلم إنه مسؤول عن التهريب من داخل السجن، وبدّل العيّنة قبل تسليمها إلى العائلة.

وأثار الفيلم انتقادًا كبيرًا وحالة استياء واسعة، إذ عدّته فصائل وهيئات ومؤسّسات فلسطينية مَعنيّة بشؤون الأسرى “يُشكّك في نَسَب أبناء الأسرى الذين أُنجِبوا عبر نطف مهرّبة”.

كما أبدت زوجات أسرى أنجبن عبر نطف مهرّبة الاستياء من الفيلم، وعبّرن عن فخرهن بالتجربة، والاستعداد لتكرارها مجّددًا.

الفكرة والحاجة

تتمثّل فكرة الإنجاب عن بُعد، في تهريب نطف لأسرى من داخل السجون الإسرائيلية، وتلقيح زوجاتهم بها لإنجاب الأطفال.

وبرزت الفكرة ابتداءً، لدى المتزوّجين من الأسرى المحكومين بالمؤبّد ومدى الحياة، في مسعى لتحدّي الواقع الذي فرضه الاعتقال بافتراض الحرمان الأبدي من اللقاء الشرعي بالأهل، وحقّ الإنجاب.

لكنّ الفكرة المبتكرة اصطدمت بمحاذير واعتبارات دينية ومجتمعية، إذ كانت غريبة في المجتمع الفلسطيني المحافظ، بأن تحمل الزوجة وتضع مولودًا بينما يقبع زوجها خلف القضبان منذ سنوات.

ومع تفهّم المجتمع للظروف الاستثنائية التي يعيشها الأسرى وعائلاتهم، خاصّة أصحاب المحكوميات الطويلة، تمّ كسر الحواجز المجتمعية، وتشكّل رأي عام شعبي مُساند لهذه العملية ومُحتضن لها.

أوّل تجربة ناجحة

وفي 14 أغسطس/آب 2012، سُجّلت أوّل حالة ناجحة لولادة طفل من نطف مهرّبة للأسير عمّار الزِبِن من مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلّة، والمعتقل منذ يناير/كانون الثاني 1998، ويقضي أحكامًا بالسجن المؤبّد 26 مرّة إضافة إلى 25 عامَا بتهمة تنفيذ عمليات خلّفت قتلى إسرائيليين.

وأنجب الزِبِن طفله مهند (9 سنوات حاليًّا)، ثمّ أعاد الكرّة بعد عامين بالطريقة ذاتها، لينجب طفله الثاني صلاح الدين (7 سنوات حاليًّا)، بينما كان لديه قبل الاعتقال ابنتان، إحداهما وُلِدت بعد اعتقاله بثلاثة أشهر.

ولاقت العملية لاحقًا استحسانًا مجتمعيًّا وشعبيًّا، وعدّها الفلسطينيون فصلًا جديدًا من النضال والتحدّي للاحتلال الإسرائيلي وسياساته، كما أُسنِدت بفتوى شرعية لم تخلُ من اشتراطات مُعيّنة لإباحتها.

الرأي الشرعي

ومرّت الفتوى الشرعية لإجازة هذه العملية بمراحل عدّة، حيث اقتصرت في البداية على زوجات الأسرى اللاتي دُخِل بهن، ثم أُجيزت لمَن لم يُدخَل بهن.

واستندت الفتوى إلى الخشية من عدم قدرة الأسرى على الإنجاب بعد الإفراج عنهم بسبب تقدّمهم وزوجاتهم في العمر، وأولئك المحكومين بالمؤبّد ومدى الحياة، ويُخشى أن ينقطع نسلهم.

وفي أكتوبر/تشرين الأوّل 2019، أفتى رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، بأنه “لا مانع شرعًا من إجراء عملية التلقيح للزوجة، سواء كانت مدخولًا بها أم لا”.

واشترط الشيخ صبري لذلك توافر شروط مُجتمعة في عملية التلقيح، وهي:

  • وثيقة عقد الزواج بين الزوجين.
  • موافقة الزوجة على إجراء عملية التلقيح.
  • أن يكون الحيوان المنوي من الزوج.
  • أن تكون البويضة الأنثوية من زوجته فقط.
  • إجراء العملية في مركز طبي معروف ومرخّص لإجراء هذا النوع من العمليات.
  • حضور شاهدَيْن، أحدهما من طرف الزوج، والآخر من طرف الزوجة.
  • حضور أحد المحامين الثقات للتوثيق.
  • إشهار العملية عبر وسائل الإعلام، أو أي وسيلة أخرى.

وسائل التهريب

عادة ما يُخفي ذوو الأسرى والمؤسّسات المَعنيّة أساليب تهريب النطف ووسائلها من داخل السجون، تخوّفًا من إجراءات إسرائيلية محتملة لمنع تكرار العملية مع آخرين.

ورغم ذلك، أوضح مختصّون في شؤون الأسرى أن عمليات تهريب النطف تتمّ بوجه عام عبر زيارات ذوي الأسرى لأبنائهم، وبالتزام تام بالضوابط الشرعية والإجراءات الطبية الكاملة.

وما إن يُعلَن عن نجاح عملية تلقيح بنطف مُهربة، حتى تتخذ إدارة السجون الإسرائيلية -بحسب المختصّين- إجراءات انتقامية من صاحب النطفة المهرّبة داخل السجن.

وفور نجاح تهريب النطفة، تُرسَل إلى مركز طبي مختص لإجراء الفحوص اللازمة، وتُحقن داخل البويضة المجهّزة سلفًا من زوجة الأسير.

بيانات

وتعتقل إسرائيل في سجونها نحو 4600 فلسطيني، 544 منهم يقضون أحكامًا بالسجن المؤبّد لمرّة واحدة أو أكثر، وفق مؤسّسات مختصّة بشؤون الأسرى.

وبلغ إجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين الذين نجحوا في الإنجاب عن طريق نطف مهرّبة 71 أسيرًا، 53 منهم من الضفة الغربية و11 من قطاع غزة بجانب 6 أسرى من القدس المحتلة، وواحد من فلسطينيي الداخل (المناطق العربية داخل إسرائيل)، وفق رياض الأشقر المختصّ بشؤون الأسرى.

وقال الأشقر إن الأسرى المذكورين أنجبوا 102 من الأطفال، بينهم عدد من التوائم.

وكشف أن عددًا آخر من الأسرى ينتظرون إنجاب أطفالهم عبر نطف مهرّبة خلال الشهور المقبلة بعد نجاح عمليات التلقيح، دون مزيد من التفاصيل.

وأضاف أن الإعلان عن عمليات التهريب، لا يتمّ إلا بعد نجاح عملية التلقيح، تحسّبًا لإجراءات أمنية وعقابية من السلطات الإسرائيلية بحق الأسرى.

وأشار إلى فشل العديد من حالات تهريب نطف للأسرى لأسباب عديدة، تبقى طي الكتمان للاعتبارات ذاتها.

المصدر : الأناضول