لماذا يثير هروب جيل “الجنرال زي” فزع المسؤولين في الصين؟!

خريجون من جيل الجنرالات يقفون أمام لجنة امتحانات للوظيفة العامة بمدينة نانجينغ (مجلة jin)

 

يشتاق الصينيون إلى السفر خارج البلاد، بعد فترة انقطاع عن العالم استمرت 3 سنوات من التطبيق الصارم لسياسة “صفر كوفيد” التي فرضها الرئيس شي جين بينغ على الجميع، دون أن تسفر عن شيء. فوجئ الصينيون بوضع الدول المفضلة لإيوائهم قيودا على دخولهم، خوفا من نقل العدوى التي تفشت بينهم بسرعة، مما دفع الآلاف منهم إلى تسجيل طلبات لجوء. وقّع أكثر من 10 آلاف صيني طلب لجوء إلى كندا والولايات المتحدة، خلال الأيام الماضية، وفقا لوكالة أنباء بلومبرغ.

ظاهرة اللجوء السياسي تمثل مشكلة كبرى للحزب الشيوعي الحاكم، تسيء إلى سمعته، بينما يفاخر بتحقيق الرخاء والرفاهية للجميع، وتستنزف مليارات الدولارات التي ينفقها على أجيال تذهب للتعلم بالخارج، ولا ترغب في العودة، وإذا رجعت بضغط من الحكومة أو الأسر، فإنها تهرب من جديد.

الهروب الكبير

سجلت جريدة (South China Morning Post) في تحقيق استقصائي، لجوء 600 ألف صيني للخارج منذ عام 2012، منهم 100 ألف لاجئ عام 2020، بعد انتشار وباء كوفيد-19. تأتي الولايات المتحدة الأكثر استقبالا للاجئي الصين، ثم سنغافورة وأستراليا وكندا.

نشرت قناة (Fox News) الأمريكية تقريرا عن تزايد طلب الصينيين السفر خلال شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول الماضيين، بمعدلات غير مسبوقة. رصدت القناة بحث 60 مليون صيني عن معلومات بشأن السفر للخارج أسبوعيا، خلال تلك الفترة. زاد عدد الباحثين إلى 80 مليونا في يوم واحد، على موقع (We Chat) مع عودة انتشار الوباء نهاية العام. يفر الغالبية من الشباب الحاصلين على تعليم راق أو العمالة الماهرة، تجاه الولايات المتحدة وأستراليا، بينما الأغنياء يتجهون إلى العيش في كندا وسنغافورة، هربا من الوباء وطلبا للحرية والتعليم والبيئة الأفضل لأبنائهم.

سجلت وكالة بلومبرغ طلب رجال أعمال الهجرة واصطحاب أموالهم التي تُقدَّر بنحو 48 مليار دولار، بما اعتبرته ثاني أعلى ثروات تُهرب من دولة إلى الخارج، بعد هروب مليارديرات روسيا، منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية.

المتمرد الصغير

لم تتوقف طلبات الشباب عند متظاهرين يريدون الابتعاد عن مواجهة سلطة غاشمة، فشلت في إدارة أزمة، وحرمت الجميع من الحياة الطبيعية، والآن تُحمّل المواطنين المسؤولية عن تفشي الوباء، بل يطالبون بفتح الأسواق والحدود، لإنقاذ الاقتصاد المتدهور، وهروب المستثمرين. عندما تعرف أن أغلب الراغبين في الهجرة، هم من جيل مواليد القرن الحادي والعشرين، وحديثي التخرج، تدرك حجم الدهشة التي تنتاب من زار الصين مرارا، وخبر التطور الهائل فيها.

يُطلَق على مواليد عام 2000 وما بعده، جيل “الجنرال زي الصيني” Gen-Z Chinese، الذين بلغوا سن الزواج القانوني، وبدأ بعضهم دخول سوق العمل منذ عام 2019، ومن أكمل تعليمه، تخرّج عام 2022.

رأيت كثيرا من الصينيين يحسدون هذا الجيل، بوصفه أكثر حظا، لحصوله على تعليم جيد في عهد “الرخاء والرفاهية” الذي صنعه آباء يفتخرون بتحمل المشقة، وتذوقوا مرارة العيش أثناء مسيرتهم للقضاء على الفقر ورفع دخولهم، وتوفير المال اللازم لأبنائهم لحمايتهم من أي ضغوط.

أجيال وراء أجيال

يطلق الصينيون على كل جيل اسما أو صفة جامعة، فهناك جيل الثورة، الذي انقضى مع وفاة الرئيس السابق زيمين مؤخرا، ومن بعده جيل الأمراء، من أبناء قادة الثورة، الذين يديرون الدولة حاليا، وعلى رأسهم شي جين بينغ، وكبار معاونيه، ممن تجاوزوا 65 عاما. أوجدت سياسة الطفل الواحد الصارمة، عام 1979، جيل “الإمبراطور الصغير” الذي لا عمّ له ولا خال، ونشأ مدللا من الآباء والأجداد، والآن يتحمل كل منهم إعالة 6 أفراد داخل الأسرة، هم الأب والأم والجدتان والجدان.

ظهر جيل الألفية (Millennium) للمولودين من 1993 إلى 1998، واستفادوا من وفرة العمل بالحكومة والشركات الكبرى، وقبلوا شروطه القاسية، التي تدفعهم إلى العمل من الثامنة صباحا حتى السابعة مساء، وتمتد إلى منتصف الليل في أغلب الأحيان، وكثير منهم يموتون بالسكتة القلبية داخل العمل.

تمرد جيل Gen-Z، خاصة القادمين من أسر ميسورة، على نظام “العمل بالسخرة” الذي ينتهي بوفاة البعض في مكاتبهم، ويصبح جُل هَمّ الأحياء منهم طلب “996”، وهو رقم إسعافات الطوارئ، التي تأتي لإنقاذ حياة من يسقطه العمل الشاق. يبحث جيل الألفية “المطيعون” عن تصحيح مكان العمل، بينما الجنرالات يتعاركون لتغيير بيئة الأعمال. يحتج الجنرالات على وسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق معاركهم من أجل التغيير، وعندما كتبوا “Post-00s Generation” على موقع (ووي تشات) ليرفضوا العمل بعد السابعة مساء، وأن يكون التأخير في العمل بأجر إضافي، ودعوتهم إلى أن تكون الوظيفة من أجل تحقيق الذات وليس الموت في عمل بالسخرة إلى ما بعد منتصف الليل، اتهمهم المسؤولون والمديرون والكبار بالوقاحة “في طلب العدالة”.

وداعا للسخرة

غرد الجنرالات بمطالبهم، فحصل “هاشتاج” على 12 مليون مشاهدة. مع ارتفاع معدلات البطالة من 12% إلى 18% بين الشباب من 18 إلى 26 عاما، وفقا لمكتب الإحصاء الوطني، خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2021 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2022، وتراجع الطلب على التشغيل، انقسم جيل الجنرالات إلى شقين، الأول يبحث عن العمل بوظائف حكومية، ليس من السهل توافرها في ظل تراجع كبير للنمو وخسائر قطاعي التكنولوجيا والعقارات التي تعتمد عليها الأقاليم في تمويل الوظائف. توجه الثاني المتمرد إلى العمل الخاص. يعتمد 90% منهم على تمويل مشروعاتهم من الأسرة والأقرباء، رافعين شعار “عندما تكون الظروف معاكسة فلن نجبَر على قبولها، فما نملكه من مهنية وقدرات سيمكننا من تحدي ثقافة العمل غير العادلة، وترك الوظائف، للبحث عن مهن غير تقليدية، بعيدا عن دوام كامل مميت”.

سجلت منصة “الجنرال زي” 830 مليون مشاهدة عام 2021، ويعدّها البعض وراء انتشار فن الاحتجاج على السلطة، التي أجبرتها على إلغاء سياسة “صفر كوفيد”. ورغم تأكيد الجنرالات أنهم لا يريدون الانقلاب على السلطة، لأنها وراء تعليمهم الجيد، فإن النظام يخشاهم ويترصدهم، بعد أن زادت طوابير تضم الآلاف منهم أمام السفارات الأجنبية، لملء استمارات طلب الهجرة واللجوء، دون أن يعوا أن تمردهم على السلطة الطاغية والسخرة، منحهم تذكرة عبور إلى الحرية.

المصدر : الجزيرة مباشر