الإسلام والقيادة الأصيلة: كيف يمكن تأهيل قيادات المستقبل؟!

عندما اشتدت الأزمات في أوربا، ولاح في الأفق خطر انهيار مشروع التنوير الأوربي بكل ما اشتمل عليه من أسس فكرية؛ عاد المفكرون الأوربيون إلى الحضارة الإغريقية يبحثون فيها عن حلول تنقذ أوربا والحضارة الغربية كلها.

وكان أهم ما توصلوا إليه أن هناك حاجة إلى تأهيل قيادات جديدة تتميز بالأصالة. فماذا يعني ذلك؟!

عثر المفكرون الأوربيون على مفهوم الأصالة في الحضارة الإغريقية باعتباره أهم مؤهلات القيادة التي تستحق ثقة الجمهور، والتي يمكن أن تقدم رؤية تقوم على مبادئ وقيم وأخلاقيات.

شعاع ضوء من التاريخ

كانت نظرية الأصالة أهم ما توصل إليه علماء القيادة في العصر الحديث، لكن السؤال الذي يجب أن يبحث العلماء عن إجابة جديدة عنه؛ هو هل الحضارة الغربية تستطيع أن تطور نظرية القيادة الأصيلة، وتستخدمها لتأهيل قيادات المستقبل؟!

بعد أن قدمت دراسات نقدية لنظريات القيادة، وعملت على تطوير نظريات جديدة، وتحويلها إلى أساس علمي لتأهيل قيادات المستقبل، واجتهدت في تطوير نظريات جديدة، توقفت طويلا أمام نظرية “القيادة الأصيلة”؛ فهذه النظرية شعاع ضوء قادم من التاريخ، يمكن أن نهتدي به ونحن نبحث عن أفكار مبتكرة لبناء المستقبل.

إنقاذ أوربا.. لماذا؟!

بالرغم من مواقفي المبدئية التي عبرت عنها طوال تاريخي والتي تقوم على العداء لكل أشكال الاستعمار، وأن أوربا ساهمت في نهب خيرات الشعوب وثرواتها، وبناء المدن الجميلة بالأموال المنهوبة من أفريقيا وآسيا، وأن الاستعمار الأوربي ارتكب الكثير من الجرائم خاصة في الجزائر وتشاد ومالي، وفي كل دول أفريقيا وآسيا، وأن الشعوب يجب أن تكافح لمحاسبة أوربا على جرائمها؛ فإنني -رغم ذلك كله- أقدم كل جهدي وأبحاثي لتطوير نظرية القيادة الأصيلة لإنقاذ أوربا وحماية البشرية كلها من الانهيار.

من أهم الأسس التي تقوم عليها هذه النظرية أن القائد يجب أن يمتلك رؤية جديدة يعمل لتحقيقها، وإقناع الجماهير بها.

لكنني أضيف إلى ذلك أن هذه الرؤية يجب أن تقوم على منظومة مبادئ وقيم وأخلاقيات؛ فالقائد الأصيل لا يبتكر من فراغ.. وبالرغم من أهمية الخيال في إنتاج الرؤية الجديدة؛ فإن خيال القائد يجب أن يستوعب تجربة تاريخية وحضارية طويلة، وأن يكون له مرجعية ينتج رؤيته في ضوئها، ومصدر أصيل للمبادئ والقيم.

وهنا نصل إلى الإضافة العلمية التي أقدمها لهذه النظرية، والتي تقوم على أن أصالة المصدر هي الدليل والبرهان على أصالة الرؤية، وأن ثبات القائد وتمسكه بالمبادئ التي استلهمها من هذا المصدر الأصيل هو أهم دليل على أصالة القائد.. وكلما قدم القائد التضحيات دفاعا عن هذه المبادئ؛ برهن بذلك على أصالته، وليس هناك قائد أصيل بدون مبادئ يعتبرها أساس كفاحه، ويضحي من أجلها، ويرى أنها صالحة لإنقاذ البشرية، وتحقيق أهداف عظيمة.

دور الإسلام في تأهيل قيادات أصيلة

ومن هنا ننطلق لتطوير تلك النظرية، فالإسلام يمكن أن يقدم اسهامه الحضاري في بناء المستقبل بإعداد قيادات أصيلة وتأهيلها.. ومن المؤكد أن أهم مصدر للمبادئ والقيم والأخلاقيات هو القرآن الكريم، وتجربة الرسول صلى الله عليه وسلم في إعداد 120 ألفا من القيادات التي تمكنت من تحرير البشرية من ظلم الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وبناء أعظم حضارة عرفها التاريخ.

هذه القيادات تمكنت من نشر المعرفة، وتعليم الناس وتحريرهم من العبودية لغير الله، وتحقيق العدل، وحماية الكرامة الإنسانية.

ودراسة تلك التجربة هي الأساس لتطوير نظرية القيادة الأصيلة، وتأهيل قادة يمكن أن يقودوا شعوبهم في المستقبل لبناء عالم جديد.

بالرغم من أهمية الحضارة الإغريقية التي عاد إليها المفكرون الأوربيون؛ فإنها لن تمكنهم من تطوير نظرية القيادة الأصيلة، لكن الحضارة الإسلامية يمكن أن تفتح آفاقا جديدة لتأهيل قيادات تتميز بالأصالة المعرفية القائمة على المبادئ والأخلاق والقيم، يمكن أن تضحي من أجل إعلاء تلك المبادئ.

سمات القائد الأصيل

إن من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في القائد الأصيل قدرته على تقديم التضحيات من أجل مبادئه؛ فمن يجود بنفسه دفاعا عن هذه المبادئ يستحق الاحترام والثقة، ويمكن أن يجذب الشعوب التي عانت طويلا من حكم الباحثين عن المال والنفوذ والشهرة والسيطرة وأبهة الملك والمظاهر وإشباع شهواتهم الخاصة.

إن أهم دليل على أصالة القائد هو أن تكون المبادئ التي يؤمن بها أعز عليه من حياته. وتلك كانت أهم سمات القادة الذين علمهم رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأهلهم لتحرير البشرية، وكسب عقول الناس وقلوبهم بالمعرفة، وإقامة الحضارة الإسلامية العظيمة.

لذلك فإن تطوير نظرية القيادة الأصيلة يمكن أن يشكل أساسا لبناء المستقبل، عن طريق إعداد قيادات تقدم رؤية تقوم على مبادئ أصيلة، فأصالة الرجال تتجلى في التزامهم بمبادئهم وتضحياتهم من أجل الدفاع عنها.

ولكن هل الإسلام ما زال قادرا على تقديم نماذج لتلك القيادة؟! ربما يكون من أهم تجليات التجارب والمحن التي مرت بها الأمة الإسلامية؛ أنه ظهر لها بوضوح أن هناك الكثير من الرجال الذين تمسكوا بمبادئهم -المستمدة من الإسلام- بثبات وقوة وعقل وضمير وحكمة، ودافعو عن المبادئ، وضحوا من أجلها.

هناك الكثير من الرجال الذين برهنوا على أن المبادئ أغلى من الحياة والمال والولد، ولعل أهم إنجازات هؤلاء الرجال أنهم أعادوا إلى الشعوب الثقة في نفسها، وفي قدرتها على الثبات والصمود والإصرار والمقاومة والدفاع عن الحقوق، وتقديم التضحيات من أجل تحقيق أهداف عظيمة.

لبناء المستقبل

والرؤية التي تقدمها القيادات الأصيلة تقوم على الكفاح لتحقيق الاستقلال الشامل، والاكتفاء الذاتي، واستخدام الثروة البشرية لاستثمار موارد الدولة، وإعادة الثقة للشعوب في قدرتها على التغيير وبناء المستقبل.

تبدو الرؤية صعبة لكنها ليست مستحيلة، ويجب أن تدرك الشعوب أن تكلفة الخضوع للاستبداد والاستعمار أكبر كثيرا من تكلفة الكفاح لتحقيق الاستقلال الشامل بقيادة أصيلة تمتلك الرؤية، وتدافع عن المبادئ، وتحمي حرية الأوطان والمواطنين وكرامتهم.

والقائد الأصيل هو الذي يعمل لتحقيق التغيير بالمعرفة، وباستثمار الخبرة التاريخية، ويتميز بالقوة في الدفاع عن المبادئ والتضحية من أجلها بحياته.

وإذا كانت أوربا تحتاج إلى تلك النظرية لإنقاذها؛ فشعوب أفريقيا وآسيا أكثر حاجة إلى قيادات أصيلة تقرأ التجربة التاريخية الإسلامية بعمق لتبني عالما جديدا أكثر عدلا.

المصدر : الجزيرة مباشر