هل يلغي أردوغان التزام بلاده بمعاهدة لوزان؟

أردوغان

مع بدء أولى أيام العام الجديد، عاد الحديث داخل تركيا مجددًا عن معاهدة لوزان، حيث تبادل المسؤولون الأتراك تصريحات عدة ترجح في مجملها احتمال فتح هذا الملف بقوة خلال المرحلة المقبلة، حيث أكدوا أن الاتفاقية تحتاج إلى إعادة نظر في العديد من بنودها، بعد بلوغها المائة العام، استنفدت خلالهم الهدف الأساس الذي أنشئت من أجله، فالعالم شهد خلال القرن المنصرم الكثير من التغييرات السياسة والجغرافية، واختلاف موازين القوى.

وإمعانًا في تأكيد موقف تركيا الساعي إلى تعديل بنود لوزان مهما كانت العراقيل التي يمكن أن تواجهها في سبيل تحقيق هذا الهدف، أعلن وزير الداخلية سليمان صويلو أن بلاده دولة ذات سيادة، ولها الحق في توقيع الاتفاقيات التي تريدها والخروج من تلك التي لا تريدها، بينما جاءت تصريحات رئيس البرلمان مصطفى شنطوب أكثر وضوحًا، حين أشار إلى إمكانية انسحاب بلاده من اتفاقية مونترو، ووقف التعامل بالبنود الخاصة بسير العمل في المضايق والممرات البحرية، ملمحًا إلى أنه وفق نصوص الدستور فإنه يحق للرئيس إعلان الانسحاب من مونترو ومن غيرها من الاتفاقيات الدولية الأخرى التي يرى أنها تعيق تركيا، أو تقف ضد مصالحها.

أردوغان يرى أن لوزان لم تكن نصرًا

لا شك أن تصريحات الرئيس أردوغان خلال الفترة الماضية كانت أبلغ دقة، وأصدق تعبيرًا عن موقف تركيا في القرن الحادي والعشرين من معاهدة لوزان، والتي حملت في طياتها الكثير من الرسائل لمختلف القوى الفاعلة على الساحة الدولية، حيث أكد أن تطبيق هذه الاتفاقية لم يتم بشكل عادل، وأن الكثير من بنودها يحتاج إلى توضيح معناه.

متهمًا اليونان بعدم الالتزام بالبنود التي تتعلق بحقوق الأقلية المسلمة في تراقيا الغربية، الذين لم يتم السماح لهم باختيار مفتيهم الديني، وهو ما تنص عليه بنود الاتفاقية. معتبرًا أن لوزان في مجملها لم تكن نصرًا عظيمًا كما يحاول بعضهم تصويرها، خصوصًا وأن تركيا اضطرت إلى التخلي عن كثير من حقوقها الجغرافية والسياسية والاقتصادية رضوخًا لمطالب الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وذلك في رده على من يطالبون بضرورة تقييم بنود المعاهدة وما أفضت إليه وفق الظروف والملابسات التي كانت سائدة وقت توقيعها، من أجل فهم الأسباب والدوافع التي تقف وراء ما قدمه مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه من تنازلات، وما تم الحصول عليه مقابل ذلك.

اختلاف الرؤى بين الإسلاميين والعلمانيين بشأن لوزان

وحتى يمكن فهم أسباب الخلاف في الرؤى بين الإسلاميين والعلمانيين فيما يخص لوزان الموقعة في منتصف يوليو 1923، يجب النظر في حجم التنازلات الجغرافية والسياسية التي تم إجبار تركيا على قبولها والخضوع لها، حيث تم بموجبها فرض شروط مجحفة، جعلت الكثير من الأتراك يرون أنها بما تضمنته من بنود مثلت عقابًا أشد عنفًا وقسوة من العقاب الذي تم فرضه على ألمانيا بموجب معاهدة فرساي، التي تم توقيعها في وقت سابق من العام نفسه، وهو الأمر الذي دفع الدولة العثمانية إلى التنازل عن الأراضي جميعها التي كانت خاضعة لسلطتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إنهاء الخلافة وإعلان الجمهورية العلمانية

فبموجب لوزان تم إنهاء دولة الخلافة الإسلامية، وحلول الجمهورية التركية العلمانية محلها، كما تمت مصادرة جميع ثروات الإمبراطورية العثمانية، ونفي السلطان عبد المجيد الثاني وعائلته خارج أراضي الدولة الجديدة، كما تم انتزاع الجنسية التركية منهم، وحرمانهم من دخول أراضي الجمهورية التركية أو الدفن فيها.

وتنازلت تركيا الجديدة عن جميع حقوقها في كل من مصر والسودان، كما تخلت عن سيادتها عليهما إلى جانب ليبيا والعراق وبلاد الشام وجزيرة قبرص، ووافقت على تحديد الجغرافيا السياسية للجمهورية الوليدة، وترسيم حدودها مع كل من بلغاريا واليونان، وهو الترسيم الذي فقدت بموجبه العديد من الجزر المتاخمة لحدودها البحرية، بينما تم اعتبار مضيق البسفور ممرًا مائيًا دوليًا لا يحق لتركيا تحصيل آية رسوم مالية على عبور السفن من خلاله، كما حددت طريقة استخدام المضايق البحرية التركية في أوقات السلم وفي الحروب.

ورغم هذه التنازلات كلها والخسائر يرى العلمانيون واليساريون أن لوزان أمنت لتركيا دولة ذات سيادة على أراضيها، واعترافًا دوليًا باستقلالها، وتحديد حدودها، وضمان حماية الأقليات المسلمة داخل اليونان، مقابل حماية الأقليات المسيحية الأرثوذكسية اليونانية داخل أراضيها.

تعديل لوزان ومصالح تركيا الاقتصادية والسيادية

ومع بزوغ فجر تركيا الجديدة، واستعادتها للكثير من مواطن قوتها السياسية والاقتصادية أصبح من المؤكد أن القيادة السياسية التركية لن تقبل استمرار الرضوخ لبنود معاهدة أقل ما يقال عنها أنها مجحفة خصوصًا ما يتعلق منها بترسيم الحدود البحرية مع اليونان، والتي أهدرت الكثير من الأراضي التركية، بمنحها العديد من الجزر التي تقع ضمن المياه الإقليمية التركية، كجزيرة كاستيلوريزو التي تبعد عن الساحل التركي 2 كيلومتر، بينما تبعد عن الساحل اليوناني 500 كيلومتر، إذ تقوض هذه الجزيرة الصغيرة التي تبلغ مساحتها 11 كيلومترًا ويقطنها 500 نسمة فقط، حدود تركيا في البحر المتوسط، وتقف عائقًا حقيقيًا أمام رغبة أنقرة في التنقيب عن الغاز والبترول، والحصول على حقوقها في ثروات شرق المتوسط، وذلك لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها.

إلى جانب المعاناة التي يعيشها المسلمون الأتراك في تراقيا الغربية، والمعاملة السيئة التي يشكون منها باستمرار نتيجة سياسة التضييق عليهم التي تتبعها الحكومة اليونانية في مخالفة واضحة وصريحة لأحد بنود لوزان.

اليونان تتأهب لمواجهة تركيا عسكريًا

اليونان وفي إطار خشيتها من قيام تركيا بإعلان انسحابها من معاهدة لوزان، أو على الأقل المطالبة رسميًا بتغيير عدد من بنودها سعت إلى استغلال التحركات التركية الأخيرة الخاصة بعمليات البحث والتنقيب في البحر المتوسط وأمام سواحل شمال قبرص التركية، إذ سارعت البحرية اليونانية بنشر بوارج عدة لها في بحر إيجه، معلنة حالة التأهب والاستنفار العسكري ردًا على التحركات التركية الهادفة إلى استكشاف موارد الطاقة قرب إحدى الجزر اليونانية في منطقة تؤكد تركيا إنها تقع ضمن نطاق جرفها القاري.

وحقيقة الأمر أن اليونان تتأهب لأية احتمالات قد تهدد جغرافيتها أو تنتقص من سيادتها في حال أصرت تركيا على تعديل بنود معاهدة لوزان، الأمر الذي يزيد من احتمالات إمكانية حدوث مناوشات تركية–يونانية، خصوصًا وأن تصريحات الرئيس أردوغان تصب في مجملها باتجاه التصعيد إذا دعت الحاجة لذلك، مؤكدًا استعداد بلاده لاستعراض القوة في البحر المتوسط، وهو التصريح الذي اعتبرته اليونان تهديدًا صريحًا لها.

التحركات العسكرية اليونانية التي تأتي بدعم مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، تعني أننا أمام فصل جديد من فصول الصراع السياسي والعسكري بين الدولتين الجارتين، صراع ينذر باندلاع بؤرة توتر جديد في المنطقة التي تعاني من أزمات متعددة وخلافات لا حصر لها.

المصدر : الجزيرة مباشر