قصة (في ظلال القرآن) والتطورات التي مر بها

سيد قطب

 

 

لم يكن الشهيد سيد قطب -رحمه الله- معروفًا بالدراسات الإسلامية والقرآنية، حتى عام 1939م، بل كان معروفًا بالدراسات الأدبية والنقدية، وكذلك السياسية، لكنه بدأ يبرز للقراء باهتمامه بالدراسات القرآنية بمقالين مهمين كتبهما في مجلة (المقتطف) سنة 1939م، عن (التصوير الفني في القرآن)، ثم أتبعهما بكتاب كامل عن الموضوع، يحمل العنوان نفسه، أصدره سنة 1944م.

سيد يدرّس التفسير وعلوم القرآن في دار العلوم:

ومن المعلومات المجهولة لكثيرين ممن يدرسون سيد قطب، أنه في مطلع الخمسينيات قام بتدريس مادة علوم القرآن والتفسير، في كلية دار العلوم، بطلب من عميد الكلية، وذلك أن العميد كان محبًا للشيخ حسن البنا، ورأى أن يدخل نجله سيف الإسلام دار العلوم على خطى والده، وتساهل في الشروط التي كانت تشترط في المتقدمين للدراسة في دار العلوم، وذلك عندما فتح الباب للتقدم إلى دار العلوم لطلبة مدارس وزارة المعارف.

لكن العميد لاحظ شيئًا لافتًا للنظر، وهو عدم تضلع سيف الإسلام وقتها من المواد الشرعية بالمستوى نفسه للطلبة القادمين من الأزهر، كما لاحظ أيضًا ضعفًا في عدد من الطلبة المتقدمين الذين أتوا من خارج الأزهر، ووجد نفسه في حرج من الأمر، يريد أن يظل مستوى طلبة دار العلوم قويًا في الجانبين اللغوي والشرعي، فتفتق ذهنه عن فكرة مهمة، وهي أن يجلب لهم شخصًا ممن يجمع بين الأمرين، الجانب اللغوي والقرآني، فجلب لهم سيد قطب ليدرس لهم مادة علوم القرآن والتفسير، كمواد تمهيدية خارج الدراسة.

فطلب منه تدريس مقدمات تهيئ هؤلاء الطلبة للولوج لدراسة العلوم الشرعية في دار العلوم، وقد كان في هذه الدفعة: الشاعر فاروق شوشة، والأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا، والدكتور عبد العظيم الديب، والدكتور جابر قميحة، وقد حدثني عن هذا كله وتفاصيله أستاذنا عبد العظيم الديب، وأستاذنا جابر قميحة، الذي كان زميلًا لسيف الإسلام في دار العلوم، وقد كان كلٌ منهما يدرس في كليتين معًا، فسيف درس في دار العلوم والحقوق معًا، وكذلك جابر قميحة درس في دار العلوم والآداب، وحصلا على “ليسانسين” من الكليتين، وقد كان هذا النظام متاحًا في فترة زمنية في مصر.

قصة الظلال ومراحل كتابته:

لقد تولدت عند سيد قطب رغبة كبيرة بعد كتابه: (التصوير الفني في القرآن) في كتابة كتب عن القرآن، وقد انقدحت عنده نظرية التصوير الفني، واتضحت معالمها لديه، فلم يبق إلا تطبيقها، ولكن على القرآن الكريم كله، وليس موضوعًا معينًا، وقد كتب (مشاهد القيامة في القرآن)، ثم بعد ذلك طلب منه الأستاذ سعيد رمضان رئيس تحرير مؤسس مجلة (المسلمون) التي صدرت في سبتمبر سنة 1951م، وقد طلب من سيد كتابة مقال شهري، وفضّل أن يكون موضوعًا مسلسلًا، فكتب مقالين بعنوان: (في التاريخ فكرة ومنهاج)، وهي رسالة صدرت فيما بعد بالعنوان نفسه، وأعلن سيد وقتها عن مشروع كتابة التاريخ الإسلامي، مع مجموعة من العلماء الكبار آنذاك، منهم: د. عبد الحميد يونس، ود. محمد النجار، والشيخ محمد صادق عرجون، ود. محمد يوسف موسى، وسيد قطب.

المرحلة الأولى للظلال:

ثم تجددت لدى سيد رغبة في تطبيق نظريته على تفسير القرآن، وقد نشر سبع مقالات في المجلة، بدأ بتفسير سورة الفاتحة، ثم كتب تفسيرًا لأرباع عدة من سورة البقرة، من أول السورة إلى قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} البقرة: 103، ثم أعلن عن توقفه عن نشر المقالات حول التفسير، فكتب هذه الفقرة في هامش آخر مقال: “بهذا الدرس ينتهي ما قدر له أن ينشر من هذه السلسلة في (المسلمون) ذلك أن (في ظلال القرآن) ستنشر مستقلة في ثلاثين جزءًا على التتابع، تظهر كل حلقة على رأس كل شهرين ابتداء من شهر سبتمبر القادم -إن شاء الله- تنشرها دار (إحياء الكتب العربية) لعيسى الحلبي وشركاه، أما المسلمون فتأخذ في نشر بحث آخر تحت عنوان: (نحو مجتمع إسلامي) بعون الله”.

وهو ما تم فعلًا، ووفى به، وفي يناير سنة 1954م كان قد أصدر ستة عشر جزءًا من الظلال، ثم سجن سيد قطب في أزمة عبد الناصر مع الإخوان الأولى، وتم توقيفه ثلاثة أشهر، فيما عرف تاريخيًا باسم: أزمة مارس، وأصدر وهو في السجن الجزئين: السابع عشر، والثامن عشر، وقد فصل في ذلك المرحوم الدكتور صلاح الخالدي في كتابه: (مدخل إلى في ظلال القرآن).

مرحلة السجن:

وجاءت أحداث 1954م بما حملت من صدام بين الإخوان وعبد الناصر، والتي انتهت بالزج بالإخوان في السجون، وعلى رأسهم سيد، وظل فترة لا يكتب في السجن، لما مورس وقتها من تعذيب له وللمعتقلين، ثم لما هدأت الأوضاع عاد سيد لتكملة مشروعه (في ظلال القرآن)، وأنهى الظلال على طريقته القديمة، حتى وصل للجزء السابع والعشرين، ثم بدا له بعد ذلك أن يعيد فيه النظر، وبدا له رأي آخر وتوجه آخر غير ما كان عليه في الظلال في طبعاته الأولى، والتي لم يكن يتعرض فيها لمسائل فقهية، ولا كلامية، كما كتب في مقدمة الظلال الأولى، فبدأ يتعرض في هذه الطبعة إلى تفاصيل أخرى، وقضايا أخرى لم يكن يطرحها من قبل.

ثم عدل في الأجزاء الثلاثة الأخيرة: (قد سمع، وتبارك، وعم)، والعشرة الأجزاء الأولى من البقرة حتى التوبة -هذا هو المشهور لدى الباحثين-، ولكن الحقيقة إن سيد قطب قد عدل وأضاف أفكاره في حوالي (21) جزءًا، يدرك ذلك من يقارن الطبعة الأولى بالطبعات التالية لها، فقد زاد قطب في الأجزاء الثلاثة الأخيرة، والأجزاء الأولى من الأول وحتى السابع عشر، ولكنه لم يضف شيئًا على بقية الأجزاء، فكما صدرت الطبعة الأولى من هذه الأجزاء بقيت كما هي.

وقد كانت طبعات الظلال لا يكتب عليها تاريخ طبع، إلا في مقدمة الجزء الأول، وعلى غلاف الجزء الرابع، فقد كتب عليه سنة الطبع، سنة: 1961م، وهذا يعني أن سيد بدأ الرحلة الجديدة من الظلال سنة 1959م، فقد بدأ منهجه الجديد في الظلال في هذه الفترة، وبدأ يعيد النظر في الأجزاء الأولى من الظلال التي خرجت من قبل، وبدأ يكتب على الطبعات الجديدة هذه العبارة: (الطبعة الثانية.. مزيدة ومنقحة).

هذا ملخص سريع للمراحل التي مر بها كتاب (في ظلال القرآن) لسيد قطب، وهو ما يوضح أنه مر بمرحلتين، مرحلة خارج السجن، وأخرى داخله، ومرحلة السجن مرحلتان أخريان، مرحلة تكملة ما بدأه بمنهجه القديم، ثم مرحلة الزيادة على ما كتبه من قبل في السجن، وهناك اختلاف بين المرحلتين من حيث الأفكار والمنهج والطريقة وحجم الكتاب، فهل كان سبب هذا التغير في فكر سيد السجن والتعذيب؟ أم أسباب أخرى؟ وهو ما يحتاج لنقاش علمي في مقال آخر.

المصدر : الجزيرة مباشر