الاقتصاد المصري والقربة المثقوبة

 

في ضوء استمرار تراجع الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي أمس الأربعاء، رغم تصريح وزير المالية ومستشار محافظ البنك المركزي السابق، قبل أقل من أسبوعين أنه لن يحدث تخفيض جديد في قيمة الجنيه، وتصريح البنك المركزي الثلاثاء الماضي أن الاحتياطيات من النقد الأجنبي قد زادت بنحو 471 مليون دولار خلال شهر ديسمبر/كانون اول، ليفاجئ الجمهور بخفض جديد بسعر الصرف باليوم التالي مباشرة..

لتزداد حيرة الجمهور ما بين التصريحات الحكومية بسداد 2.5 مليار دولار ديوناً أجنبية خلال شهري نوفمبر/تشرين ثان وديسمبر/كانون أول، وبين خفض البنوك المصرية حدود الائتمان المسموح به للمصريين بالخارج إلى مائة دولار شهريا، في حين تذكر أن الاحتياطي من النقد الاجنبي قد بلغ 34 مليار دولار بنهاية العام الماضي.

ويتساءل الكثيرون عن تصريحات المسؤولين المصريين بشأن تميز الاقتصاد المصري بأنه اقتصاد متنوع، يجمع ما بين موارد الصادرات السلعية والصادرات الخدمية من سياحة، ودخل لقناة السويس الذي حقق طفرة غير مسبوقة تاريخيا بالعام الماضي، وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي المباشر، وأنه يتميز على اقتصادات أخرى ذات مورد واحد، مثل الدول المعتمدة على الصادرات البترولية وحدها.

إذن لماذا هذا التدهور المستمر وغير المسبوق في سعر صرف العملة الوطنية، منذ مارس /أاذار الماضي وحتى الآن؟ وأين تصريحات المسؤولين قبل عامين بأن الجنيه المصري قد حقق أفضل أداء بالعالم، وأن الاقتصاد قد انفرد بتحقيق نمو خلال أزمة كورونا بين دول المنطقة، بعكس تحقيق غالب اقتصادات العالم انكماشا خلال أزمة كورونا.

                       69 % تراجع للجنيه بأقل من عام

ويظل السؤال الرئيسي أين ذهبت موارد النقد الأجنبي التي أعلن عنها البنك المركزي خلال العام المالي الأخير 2022/2023، من إيرادات صادرات سلعية بلغت 44 مليار دولار وتحويلات عاملين بالخارج بلغت 32 مليار دولار، وإيرادات سياحية بلغت حوالي 11 مليار دولار، وصافي استثمار أجنبي مباشر بلغ 9 مليارات دولار، إلى جانب دخل قناة السويس ومتحصلات الخدمات الأخرى المتعددة من نقل وخدمات مالية وصحية واتصالات وتشييد وبناء غيرها.

والإجابة ببساطة أن الإدارة المصرية قد أفرطت خلال السنوات الماضية في الاقتراض الخارجي، لتنفيذ مشروعات أسمتها بالقومية لم تستشر أيًا من جهات التخطيط أو الاقتصاد في جدواها، ولأن غالب تلك المشروعات القومية تتجه للبنية الأساسية، فإنها لا تدر عائدا بالدولار يكفي لسداد أقساطها وفوائدها، فلجأت الدولة للمزيد من الاقتراض لسداد تلك الأقساط.

وهنا تداخل سداد أقساط وفوائد القروض الخارجية مع نفقات الاحتياجات الأساسية للاقتصاد، من واردات سلعية ضرورية للصناعة وللاستهلاك السكاني، واحتياجات دورية لدفع فوائد الاستثمارات الأجنبية الموجودة بالبلاد، ومدفوعات السياحة المصرية الخارج من البلاد، ومصروفات حكومية خارجية وغيرها من الخدمات الخارجية من اتصالات وخدمات مالية وتأمينية ونقل وغيرها.

والنتيجة عدم كفاية جميع الموارد السابق ذكرها من تصدير وسياحة واستثمار وتحويلات وقناة وغيرها، عن الوفاء بالاحتياجات الدولارية لتغطية المدفوعات المطلوبة، ومن الطبيعي أن يضغط ذلك على سعر صرف العملة المحلية، فتقل قيمتها أمام العملات الاجنبية كما حدث بفقد الجنيه المصري نسبة 69% من قيمته أمام الدولار، منذ العشرين من مارس/أذار الماضي وحتى الرابع من الشهر الحالي.

                            تحذير مسؤول سابق كان إنذارا كافيا

وهو ما شبهه البعض بقربة -وهي وعاء جلدي لنقل المياه بالأحياء المصرية القديمة- مثقوبة، كلما وضعت بها قدرا من المياه انساب على الأرض قبل الوصول إلى مكان توصيل المياه، وهكذا تسببت المشروعات القومية في استنزاف قدر كبير من موارد النقد الأجنبي خلال السنوات الماضية، وكلما جاءت موارد جديدة سواء من الموارد الطبيعية من تصدير وتحويلات واستثمار وغيرها، بالإضافة إلى القروض الجديدة، تسربت أيضا لتلك المشروعات غير المُدرة لعوائد دولارية.

وهو ما حذر منه محافظ البنك المركزي الأسبق هشام رامز عام 2015، عندما صرح بأن التفريعة السابعة لقناة السويس والتي أسماها النظام قناة السويس الجديدة كانت سببا في نقص الدولار، حين أصر الجنرال على اتمامها خلال عام واحد، إذ اضطرت الدولة إلى تأجير معظم الكراكات بالعالم بأسعار أعلى رغم انخفاض التجارة العالمية وقتها، حتى أن عائدات القناة قد تراجعت خلال العامين التاليين لافتتاح التفريعة عما كانت قبل إنشائها، ودفع الرجل الثمن بدفعه للاستقالة من منصبه قبل انتهاء فترته بعام كامل، ولو تم التنبه إلى مغزى هذا التحذير حينذاك ما انزلق الجنيه المصري إلى تلك الأوضاع المتدهورة حاليا.

والغريب أن بعض أنصار النظام الحاكم قد طالبوا بوقف تلك المشروعات القومية لفترة حتى تمر أزمة نقص العملات الاجنبية الحادة، لكن النظام رفض تلك الدعوات مبررا بأن تلك المشروعات تقوم بتشغيل خمسة ملايين من المصريين، وهو عدد لم تثبت صحته من خلال البيانات الصادرة عن جهاز الإحصاء الرسمي، وأكد مسؤولون وعلى رأسهم الجنرال في أكثر من مناسبة -كان آخرها قبل أسبوع- على الاستمرار بالمشروعات القومية.

ورغم فضيحة المئة دولار المتاحة للمصريين بالخارج شهريا، والتي أوصلت رسالة سلبية إلى البنوك بدول العالم عن النقص الشديد بالعملات الأجنبية بمصر، مما يدفع البنوك الأجنبية لتشديد شروطها خلال التعامل مع المستوردين المصريين أو البنوك المصرية، أو حتى الجهات الحكومية المصرية خلال عمليات التجارة الخارجية.

                          المشروعات القومية سبب رئيسي لأزمة الدولار

والمؤكد أن النظام في ورطة حيث يعتبر تلك المشروعات القومية، هي الأساس الذي يعتمد عليه في دعايته الإعلامية، لتغطية إخفاقه في تحسين مستوى معيشة المصريين خلال سنوات وجوده، إلى جانب تأخر إتمام تلك المشروعات عن التوقيتات التي حددها، فالعاصمة الإدارية التي وعد النظام بافتتاحها في يونيو/حزيران 2020، ثم أجل الموعد لمدة عام واحد، لم يستطع الوفاء بالموعد الجديد رغم مرور أكثر من عامين ونصف، نظرا للمبالغة في صور الإنفاق غير المسبوق والمفتقد للتخطيط، ففي جانب المواصلات الخاصة بالعاصمة الإدارية تم افتتاح مطار خاص منذ سنوات! وتم الاتفاق مع عدة شركات على تسيير خطوط أتوبيسات ما بين المدينة ومعظم أنحاء القاهرة، إلى جانب تشغيل قطار كهربائي جديد إلى العاصمة الجديدة لم يحقق أي تشغيل اقتصادي، ولم يكف كل ذلك حيث أضيف له خط مونوريل جاري إنشاؤه لربط العاصمة الإدارية بوسط القاهرة وكل ذلك في مدينة لم يسكنها أحد بعد.

ولهذا يحاول النظام حاليا التغطية على ذلك بالنقل الجبري لموظفي الجهات الحكومية إلى العاصمة الادارية، رغم أن هؤلاء الموظفين سيقيمون بمدينة بدر أي خارج العاصمة الإدارية، إلى جانب عقد جلسات مجلس الوزراء بالعاصمة الإدارية، وكذلك عقد بعض المؤتمرات والاحتفالات مثل المؤتمر الاقتصادي الأخير بها وبعض الأعياد الكنسية.

وهكذا فان إيقاف هذا الإنفاق غير المحدد أفقه، يعد أمرا حيويا لسد الثقب بقربة الإنفاق الدولارى، سواء بالعاصمة الإدارية أو بغيرها من المشروعات أو المشروعات الأخرى التي لم يتم عرض أي منها على معهد التخطيط القومي أو نقابة المهندسين أو جمعية المهندسين، بل إنه لا ترد بيانات تفصيلية عنها بالخطة القومية التي تصدر بقانون عبر البرلمان عن المشروعات الجارية بالبلاد، حتى يقل جانب الإنفاق الدولاري مركزا على الاحتياجات الحيوية للاقتصاد والسكان، ليتناسب مع الموارد الدولارية المعتادة من العملات الأجنبية، وحينذاك يمكن أن يبدأ استقرار قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأخرى.

المصدر : الجزيرة مباشر