طالبان التي أذلت الأمريكان.. لماذا تتشدد وتمنع تعليم النساء؟

مسيرة وحشد دعما لحقوق المرأة الأفغانية في لندن

توالت ضربات حركة “طالبان” الحاكمة في أفغانستان، على رأس المرأة الأفغانية.. قامت مؤخرا، في خشونة وقسوة بطرد الطالبات الجامعيات من قاعات الدرس والمحاضرات، وإغلاق الجامعات الحكومية والخاصة ومدارس التعليم الثانوي في وجوه الفتيات، وقررت قصر تعليم البنات على المرحلة الابتدائية فقط. “الحركة” منعت أيضا خروج النساء للعمل، سواء بالمؤسسات الحكومية أو الخاصة، أو في منظمات الإغاثة الإنسانية الأممية العاملة في أفغانستان، التي تستعين بالنساء على مساعدة الملايين من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 38 مليون نسمة، يشكل النساء أقل من نصفهم، وهي من البلاد الأشد فقرا، ومعاناةً من البطالة حسب البنك الدولي.

شيخ الجامع الأزهر.. وهيئة كبار العلماء السعودية

وزير التعليم الأفغاني، دافع عن قرار حرمان الأفغانيات من التعليم، بأنه يهدف لتجنب الاختلاط بين الذكور والإناث، وأن هناك اعتقادا بانتهاك بعض المُقررات الدراسية لمبادئ الإسلام، وهو ما أثار استنكارا دوليا، كما دعا الكثير من الدول الإسلامية الحركة إلى التراجع عن قرارها. الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أصدر بيانًا رسميًّا مؤكدا أن هذا القرار صادم للضمائر، ومُتناقض مع “الشريعة الإسلامية”، التي توجب طلب العلم على الرجال والنساء، وهو المعنى ذاته الذي أكدته هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، في بيان لها، داعيةً حكومة طالبان إلى تمكين المرأة الأفغانية من حق التعلم. إذا كانت الشريعة الإسلامية، لا تقر هذا الحظر لتعليم المرأة، حسب الأزهر الشريف، وكبار علماء السعودية، فما هي دوافع طالبان لهذا المسلك؟ ولماذا هذا التشدد مع النساء تشويها لصورة الإسلام؟

طالبان، بهذا الموقف المتعنت ضد المرأة الأفغانية، تقترب كثيرا من ممارسات السلفية الجهادية المتشددة، والجماعات الأكثر رادكالية في أوساطنا العربية والإسلامية. هذا فضلا عن كونه عديم الصلة بما هو معروف عن طباع وتقاليد قبائل “البشتون”، التي تنتمي إليها “طالبان” عرقيا، فهذه القبائل وأعرافها الضاربة بجذورها في القدم، لم تمنع المرأة داخلها من القيام بأدوار وصلت في كثير من المحطات إلى القيادة.

طالبان.. ووعودها للأفغانيات

بهذا المنع والتقييد، تراجعت طالبان عن تعهداتها ووعودها باحترام حقوق المرأة، والسماح لها بالدراسة والعمل، وذلك عندما عادت إلى حكم أفغانستان (أغسطس/ آب العام الماضي 2021م)، عقب انسحاب القوات الأمريكية والأجنبية. إذ كانت الحركة قد صادرت هذا الحق من المرأة، عندما حكمت أفغانستان منذ عام 1996م، وحتى سقوطها مع الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001م، على خلفية امتناعها عن تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن (1957 – 2011م)، للولايات المتحدة الأمريكية، لاتهامه هو وتنظيمه، بتفجير برجي مركز التجارة العالمي المكون من 110 طوابق (11 سبتمبر/أيلول عام 2001م).

إلغاء فعلي للمرأة الأفغانية.. وتعليم البنات عند الشاعر حافظ إبراهيم

بعيدا عن الشريعة، وأسانيد طالبان الواهية، فإن حظر التعليم والعمل للأفغانيات، هو بمثابة إلغاء فعلي لـ”المرأة الأفغانية”، واعتبارها غير موجودة، اللَّهُمَّ إلا أن تكون مجرد آلة زوجية للجنس والتناسل، وتعطيل للانتفاع بـ”نصف المجتمع”، وهو ما يعني المزيد من تخلف المجتمع الأفغاني الذي يكاد يعيش خارج العصر. للشاعر المصري الشهير حافظ إبراهيم (1872- 1932م) قصيدة بعنوان “العلم والأخلاق”، كنا ندرسها في سنوات التعليم الأولى، يقول في أبيات منها:

من لي بتربيـة البنـات فإنهـا * في الشرق علة ذلـك الإخفـاق

الأم مـدرسـة إذا أعـددتـهـا * أعددت شعبـا طيـب الأعـراق

المعنى المُراد أن تربية البنات تربية جيدة هي عماد النهضة، والتعليم هو الأداة المثلى للتربية، فالمرأة هي “الأم” التي تتولى تنشئة الصغار في سنيهم الأولى. “الشاعر” صاحب هذه الأبيات، لم يذهب بعيدا عن نتاج الدراسات التربوية والعلمية اللاحقة، التي تُعلي من شأن تعليم المرأة، لما له من فوائد جمة، فهو أهم وسيلة للحراك والترقي الاجتماعي. ذلك أن المرأة المتعلمة أقدر على التعاطي إيجابيا مع المجتمع، وانتزاع حقوقها، والحفاظ على صحتها، وعلى التربية الجيدة والتثقيف لأطفالها (رجال المستقبل)، وإكسابهم العادات الصحية السليمة والقيم والأخلاق المحمودة، وترغيبهم في التعلم والمعرفة، بما يجعل الفرد بدوره قوة مضافة، منتجا، فَعالًا في تنمية وتقدم بلاده.

 الحاجات النفسية للنساء.. والحرمان من التعليم

أبحاث ودراسات علوم النفس والاجتماع، تخبرنا بأن لكل فرد منا “حاجات مادية” مثل المأكل والمشرب والملبس والمسكن والزواج وما شابه ذلك، ولكن هذه الحاجات على أهميتها في استمرار الحياة، فإن إشباعها لا يكفي لسلامة الفرد (رجلا أو امرأة)؛ فهناك “الحاجات النفسية” مثل حاجة الإنسان إلى الشعور بالأمن والطمأنينة على حياته ومعيشته وعمله، و”التوافق” مع الجماعة والناس من حوله، فكيف تتوافق المرأة مع مجتمع، وهي منبوذة منه؟ كذلك الحاجة لتحقيق الذات والتقدير من الآخرين، حين يحقق الفرد نجاحا وظيفيا، أو تعليميا، أو عمليا حياتيا، أو إجادة تربية الأبناء، وهكذا.

هنا خطورة في قرارات طالبان، فهي تغلق أمام الأفغانيات فرص تحسين الحياة لهن ولأسرهن، والخروج من مستنقع الجهل والفقر المدقع الذي تغرق فيه ملايين الأفغان (نساءً ورجالًا)، بما يحول دون إشباع الحاجات المادية للمرأة وأسرتها. كما أن هذه القرارات تمثل قهرا واحتقارا للنساء وإجحافا بحقوقهن واستعبادا ونبذا لهن، وكلها أمور تُنتج نساء مشوهات نفسيا، يعانين الاكتئاب، و”قلة الحيلة”، بما يعدم إمكانية إشباع الحاجات النفسية لهن، ويدفع بعضهن إلى اليأس من الحياة وربما الانتحار، لكون هذه الحاجات (المادية والنفسية ضرورة حياتية).

لا يمكن إنكار دور طالبان في إذلال المُحتل الأمريكي وحلفائه، وجهادها لتحرير أفغانستان من هذا الاحتلال. لكنها بحرمان النساء من حقهن في التعليم والعمل، تمارس إذلالا على نصف سكان البلاد تقريبا، وهو ما ينعكس سلبا على أفغانستان، ويشوه صورة الإسلام.

المصدر : الجزيرة مباشر