محبّ الدّين الخطيب السّلفيّ الذي برع في زراعة المؤسّسات وصناعة الإعلام

محب الدين الخطيب

في الثلاثين من ديسمبر/ كانون الأوّل حلت ذكرى وفاة الأستاذ محبّ الدّين الخطيب الذي يمثّلُ نموذجًا مختلفًا من رجالات التّاريخ الإسلاميّ المعاصر؛ فهو الدّمشقيّ ابن حيّ القيمريّة الذي ينتسب لعائلة “الخطيب” التي أخذت اسمها هذا بسبب تعاقب رجالاتها على الخطابة في جامع بني أميّة بدمشق، وهو ابن الشّيخ “أبو الفتح الخطيب” الذي كان أمينًا لدار الكتب الظاهريّة التي تعدّ قِبلةَ الباحثين عن كتب التراث الإسلاميّ في بلاد الشّام.

وهو السلفيّ الذي ينتمي إلى مدرسة السلفيّة الدمشقيّة التي تعدّ امتدادًا للسلفيّة الإصلاحيّة التي أسّسها الشّيخ محمد عبده وكان أبرز روّادها الشّيخ محمد رشيد رضا، فكان محبّ الدين الابن الرّوحيّ للشّيخ طاهر الجزائري الذي يعدّ الأب الفعليّ للسلفيّة الدمشقيّة التي اشتهرت نسبتها إلى جمال الدّين القاسمي. وقد أخذ الشّيخ محب الدين عن القاسمي أيضًا بتوجيهٍ من الشّيخ طاهر، وقال محبّ الدين عن الشّيخ الجزائري: “مِن هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي”.

والحديث عن محبّ الدّين الخطيب ذو شجون كثيرة؛ غير أنّني أقصر حديثي هنا على نقطتين تميّز بهما عن عموم علماء عصره، وهما حضور عقليّة زراعة المؤسّسات في كلّ مكان يزوره، على خلاف السّائد في الحالة العلميّة الشرعيّة إلى حدّ كبير. هذه الحالة التي ترتكز على شخص العالم أو الدّاعية وتدور حوله، وحضور العقليّة المؤسّسيّة في الزمن الذي كان يعيش فيه محبّ الدين الخطيب، يدلّان على عقلٍ سبق عصرَه، وكذلك العقل الشرعيّ المهتمّ بصناعة الإعلام بأشكاله المختلفة، ممّا يجعله من أكثر الشّخصيّات إحداثًا للتّأثير الأفقيّ في حقبةٍ بالغة الحرج من تاريخ الأمّة الإسلاميّة.

جمعيّة النّهضة العربيّة

عندما انتقل محب الدين الخطيب إلى الآسِتانة عاصمة الدّولة العثمانيّة ليلتحق بكليّتي الآداب والحقوق معًا، راعَه حال الطلّاب العرب في إسطنبول وغرقهم في الرطانة التركيّة مع جهلهم بالعربيّة حديثًا وكتابةً؛ فبادر وهو لا يزال في بداية مرحلة التعليم الجامعيّ إلى تأسيس “جمعيّة النّهضة العربيّة”، واختارَ أحد مقاهي إسطنبول ليكون مقرًّا لاجتماع دوريّ يدعى له الشباب العربي في إسطنبول فيقرؤون فيها الجرائد العربيّة. وعندما ضاقت الضّابطيّة التركيّة بهم ذرعًا، اضطر لترك الآستانة والعودة إلى دمشق حتى تهدأ الأمور فأتاه كتاب من صاحبه عارف الشّهابي ألّا يفكر في العودة فقد غدا مطلوبًا وملاحقًا بسبب هذه الجمعيّة.

جمعيّة الشّورى العثمانيّة

بعد وقت يسير من عودته إلى دمشق لاحت له فرصة عمل في اليمن في ميناء الحديدة؛ وحرص على المرور بالقاهرة قبل وصوله إلى اليمن ليلتقي الشّيخ رشيد رضا الذي حدّثه عن تأسيس “جمعيّة الشّورى العثمانيّة”، وهي جمعيّة سياسيّة تهدف إلى الضّغط على الحكومة العثمانيّة لتفعيل الحياة النيابيّة في البلاد ولتغدو الحكومة حكومة عدلٍ وشورى، فاتفقا على أن يقوم الشيخ محب الدين بإنشاء فرع لها في اليمن، وهذا ما كان فعلًا، فأنشأ محب الدّين في اليمن جمعيتين الأولى فكريّة نهضويّة وهي “جمعيّة النّهضة العربيّة” والثّانية سياسيّة وهي “جمعيّة الشّورى العثمانيّة”، وعن هاتين الجمعيتين يقول محب الدين: “تعرفت بطائفةٍ من الموظّفين والضبّاط والأتراك والعرب، وبأعيان الحُديدة الذين فيهم قابليّة لمحبة التقدّم والنّهوض والإصلاح؛ فمن كان منهم عربيًّا نزاعًا إلى الخير؛ صار عضوًا في جمعية النّهضة العربية، ومن كان من الضبّاط والموظفين ينزع إلى الحرية والإصلاح؛ صار في جمعية الشورى العثمانية”.

ولقد وقع محب الدين الخطيب في شرَك “جمعية الاتحاد والترقّي” كالعديد من العلماء والدّعاة الذين لم يستبينوا حقيقة الجمعيّة عند نشأتِها، ودورها في هدم أركان الدولة العثمانيّة؛ فأعلن انضواء “جمعيّة الشورى العثمانيّة” في اليمن تحت لافتة الاتحاد والترقّي؛ ممّا أحدث خلافًا بينه وبين الشّيخ رشيد رضا الذي كان رافضًا للفكرة، وسرعان ما تكشفت الحقيقة لمحب الدين الخطيب فدخل في مواجهة مع الاتحاد والترقي بعد عودته إلى دمشق ليفرّ منها مجدّدًا بعد الملاحقة الأمنيّة ويستقرّ به المقام في القاهرة.

جمعيّات وأحزاب معارضة للسّلطة العثمانيّة

أسهم محبّ الدّين الخطيب مع عدد من الشّباب السوريين بالقاهرة في تأسيس “الحزب العثماني للّامركزية الإدارية”، وقد أسفرت الانتخابات عن اختياره مساعدًا للسّكرتير العام للحزب، في حين كان الشيخ رشيد رضا عضوًا تنفيذيًّا.

لم يشبع الانضمام إلى حزب اللّامركزيّة طموحات محبّ الدّين الخطيب فانضمّ إلى “جمعيّة العربيّة الفتاة”، وهي جمعيّة سريّة تمّ اختيارُه فيها بمنصب معتمد الجمعيّة، وفي إحدى أسفار محبّ الدين الخطيب إلى الكويت ألقت السّلطات الإنجليزية القبض عليه وأودعته في سجن “العشار” في البصرة بسبب ميوله الإسلاميّة كما تفيد بعض التقارير الاستخبارية البريطانيّة.

ثم أطلق سراحه فغادر فورًا إلى القاهرة ونجا من عقوبة الإعدام التي أصدرها عليه جمال باشا السّفاح، ضمن من صدرت عليهم أحكام الإعدام في دمشق وبيروت عام 1916م.

وهنا لا بدّ من بيان أنّ موقف محب الدين في كفاحه السياسيّ المعارض لم يكن بهدف الانفصال عن الدولة العثمانيّة آنذاك، فهو يبيّن ذلك إذ يقول: “إني أقرّ بكلّ صدق، بأنّي أنا وجميع من استعنت بهم، وتعاونت معهم من رجالات العرب وشبابهم، لم يخطر على بالنا الانفصال عن الدّولة العثمانيّة”.

جمعية الشبّان المسلمين

من أبرز الجمعيّات في العالم العربيّ في بدايات القرن الماضي “جمعيّة الشبان المسلمين” التي تأسست عام 1927م، ولقد كان محبّ الدين الخطيب صاحبَ فكرة تأسيسها، وعندما تأسست تولى منصب أمين السرّ فيها.

لقد كان محبّ الدّين الخطيب حريصًا على بذر المؤسسات وزراعتها والعمل على إنمائها في كلّ مدينة يصل إليها، وكان صاحب مبادرةٍ وتقدُّمٍ للصفوف، وقد قال فيه العلامة القرضاوي: “محبّ الدين الخطيب انتقل في دنيا الكفاح الإسلامي ما بين دمشق وبيروت وتركيا والقاهرة واليمن ومكة المكرمة، انتقال المكافح الذي يقف في مقدمة الصفوف”.

 

المصدر : الجزيرة مباشر