هل اقتربت نهاية السوق السوداء المصرية للدولار؟

السؤال الرئيسي: هل وصل سعر الصرف إلى نهاية المطاف؟

تتسارع خطوات الحكومة المصرية والبنك المركزي لتنفيذ مطالب صندوق النقد الدولي، المرتبطة بالقرض الأخير الذي وافق على منحه لمصر مؤخرا بقيمة 3 مليارات دولار، على تسعة أقساط بقيمة 347 مليون دولار لكل منها خلال 46 شهرا تم استلام قسط واحد منها، وهي الشروط التي تم الكشف عنها بشكل أكثر تفصيلا يوم الثلاثاء الماضي.

وكان منها ما أعلنه مجلس الوزراء مؤخرا من تأجيل تنفيذ المشروعات القومية التي تعتمد على مكون دولاري ولم يتم البدء فيها، ومن قبل إلغاء مبادرة تمويل الصناعة والزارعة والمقاولات التي كان يقوم بها البنك المركزي بسعر فائدة مخفض، ورفع سعر الفائدة من قبل البنك المركزي أكثر من مرة، ومنها ما يتوقع تنفيذه خلال الأيام المقبلة بزيادة جديدة لسعر المشتقات البترولية، وتعديلات في ضريبة الدخل على الأفراد بإيجاد شريحة جديدة بنسبة 27.5%، وتعديلات في ضريبتي الدمغة والقيمة المضافة.

لكن أبرز القرارات التي تم تنفيذها هو المرونة في سعر الصرف، بتوالي خفض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي منذ السابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول، وحتى كتابة هذه السطور في الحادي عشر من يناير/ كانون الثاني الحالي، حيث انخفض سعر صرف الجنيه أمام الدولار خلال الأيام المنقضية من العام الجديد بنسبة 20%، منها نسبة 7% في اليوم الحادي عشر من الشهر، وهو اليوم الذي شهد صعود سعر صرف الدولار إلى 32.20 جنيها ثم تراجعه إلى 29.70 جنيها بنهاية تعاملات اليوم.

 89 % تراجُع الجنيه في أقل من عام

وقد أثار اقتراب السعر الرسمي من سعر السوق السوداء العديد من التساؤلات عن هذا الوضع، وعن أسباب تراجع السعر من أكثر من 32 جنيها إلى أقل من 30 جنيها، وهل يعني ذلك أن هذا هو السعر العادل للدولار؟ ورغم تلك التساؤلات فلم يخرج أحد من المسؤولين للرد على تساؤلات الجمهور حول مصير العملة الوطنية، التي تراجع سعرها أمام الدولار بنسبة 89% منذ العشرين من مارس/ آذار الماضي وحتى الحادي عشر من الشهر الحالي.

بل إنه من الغريب أن الصحف القومية لا تتناول تحركات أسعار الدولار، بحيث أن من يكتفي بقراءتها لن يعرف أن هناك سوقا سوداء للدولار منذ فبراير/ شباط الماضي وحتى الآن، وهو أمر لا يقتصر على أسعار الدولار بل يمتد عدم المتابعة إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق.

ويظل السؤال الرئيسي هل وصل سعر الصرف إلى نهاية المطاف؟ والإجابة أن الأمر ما زال مبكرا لاستقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وما زال سعر نهاية التعامل في اليوم الحادي عشر من الشهر الحالي، أقل من سعر العقود الآجلة لسعر صرف الجنيه لمدة الاثني عشر شهرا المقبلة الذي بلغ 35.4 جنيها للدولار، ومن تقدير بنك أتش إس بي سي الذي يتراوح بين 30 و35 جنيها للدولار أي بمتوسط 32.5 جنيها، وتقدير بنك غولدمان ساكس الذي يتراوح بين 33 و35 جنيها، وتقدير بنك باريبا البالغ 37 جنيها للدولار خلال الربع الأول من العام الحالي.

وبالنسبة للسؤال عن أسباب تراجع السعر من 32.2 جنيها إلى 29.7 جنيها، ففي ظل جو عدم الشفافية تتعدد التفسيرات بين من يرى أنه كان مقصودا لإدخال أموال أجانب لشراء أدوات الدين الحكومي المصري بالسعر المرتفع للصرف البالغ 32 جنيها، بحيث يجمعون بين ميزة الفائدة المرتفعة لأدوات الدين التي تخطت عشرين بالمائة حاليا، وبين استفادتهم من تراجع سعر الصرف.

وهناك تفسير آخر يتحدث عن تدخل البنك المركزي بائعًا للدولار لمساندة الجنيه، لكن هذا التفسير يصطدم بالتزام المركزي بالحفاظ على ما لديه من احتياطيات من العملات الأجنبية حسب تعليمات صندوق النقد، لكنه يتسق مع تصريح مديرة صندوق النقد بالقاهرة قبل يومين بأن المركزي سيتدخل في أوقات التذبذب الحاد في سعر الصرف، وفي نفس السياق ذكر آخرون أن البنوك الحكومية دخلت بائعةً للدولار عند سعر 32 جنيها، مستفيدة من اقتراض بنك الأهلي وبنك مصر 705 ملايين دولار مؤخرا.

   خفض السعر رسالة مؤقتة للمضاربين

وهناك من قال إن هناك دولارات توفرت للبنكين الحكوميين من قيام البعض بتحويل ما لديهم من دولارات إلى جنيهات، تمهيدا لشراء شهادات الادخار التي يبلغ سعر الفائدة عليها 25%، مما وفر للبنكين دولارات تم استخدامها للتدخل بسوق الإنتربانك الدولاري لخفض السعر من 32 جنيها إلى أقل من 30 جنيها.

أيًّا كان مصدر الدولارات التي تم عرضها للبيع لإنزال السعر من أكثر من 32 جنيها إلى أقل من 30 جنيها، فقد كان الهدف توصيل رسالة إلى المضاربين بأن السعر المتداول لدى محلات الذهب الذي يدور حول 33 جنيها غير حقيقي، ولكن هل تنجح تلك الرسالة في أداء مفعولها؟ والإجابة أنه من غير المعقول أن يحدث الأثر المطلوب من تعاملات يوم واحد أو حتى عدة أيام، فالسوق تحتاج إلى براهين متعددة على توافر رصيد دولاري لدى البنوك خلال الشهور المقبلة حتى يمكن الوصول إلى سعر التوازن.

ويرتبط بذلك السؤال عن قرب انتهاء السوق السوداء نتيجة اقتراب السعر الرسمي من سعرها، والإجابة مرتبطة أيضا بالبراهين المطلوبة على توافر الدولارات لدى الجهاز المصرفي للدفاع عن سعر الصرف، التي لا تزال غير موجودة حاليا.

وذلك في ضوء معرفة السوق بلوغ العجز الدولاري بالجهاز المصرفي حتى نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي 22 مليار دولار، موزعة بين 8.5 مليارات دولار كانت عجزا بالبنك المركزي أي بعد احتساب ما لديه من احتياطيات من العملات الأجنبية، وعجز بلغ 13.5 مليار دولار بالبنوك الدولارية.

الأمر الثاني هو عدم إنجاز البنوك مهمة تمويل السلع المكدسة بالموانئ منذ فبراير/ شباط الماضي، التي لم يفرَج إلا عن نصفها حتى الآن، رغم تكرار الوعود الرئاسية ووعود رئيس الوزراء والوزراء بحل المشكلة، وحتى بعد حل تلك المشكلة المتوقع أن يكون قبيل شهر رمضان، يصبح تمويل البنوك للواردات الجديدة هو البرهان العملي على توافر الدولار لدى البنوك، وهي الواردات التي بلغ متوسطها الشهري خلال الشهور العشرة الأولى من العام الماضي حسب جهاز الإحصاء 8 مليارات دولار.

   49 مليار تكلفة الدين في عام واحد

كذلك القيام بسداد أقساط وفوائد الدين الخارجي التي ذكرت بيانات صندوق النقد قبل يومين، بلوغها خلال العام المالي الحالي 2022/ 2023 نحو 48.911 مليار دولار، موزعة بين 20.683 مليار دولار للقروض المتوسطة والطويلة الأجل، و28.228 مليار دولار للقروض القصير الأجل.

ويلي ذلك رفع القيود عن السحب النقدي لأصحاب الكروت الائتمانية بالخارج، وتدبير البنوك لاحتياجات المسافرين إلى الخارج من العملات الأجنبية، وهي أمور ستحتاج إلى بضعة أشهر في ظل استمرار نقص موارد العملات الأجنبية، في ضوء توجه جانب من تحويلات العمالة المصرية بالخارج إلى السوق السوداء، وتأثر الصناعة المصرية وبالتالي حصيلة صادراتها بنقص المواد الخام ومستلزمات الإنتاج.

كما أن استمرار خفض سعر صرف الجنيه أمام الدولار سيدفع حائزي الدولار، الذين كانوا ينوون تحويله إلى الجنيه لشراء شهادات الادخار ذات الفائدة البالغة 25%، لإعادة حساباتهم وسيتجهون إلى الاحتفاظ بالدولار الأكثر ربحا في زيادة قيمته، ويدعم ذلك ظهور بيانات التضخم لشهر ديسمبر/ كانون الأول من قبل البنك المركزي البالغة 24.4%، وهي النسبة التي يتوقع ارتفاعها في الأشهر المقبلة عن ذلك، مما يعني محدودية العائد الحقيقي من تلك الشهادات، بل إنه من المتوقع تحوله إلى عائد سالب في الأشهر المقبلة.

وهنا نذكر قول المصرفي الراحل علي نجم محافظ البنك المركزي المصري الأسبق “إذا توجهت إلى شباك أحد فروع البنوك تطلب شراء دولار، وطلب منك الموظف أي طلب، ولو مجرد الاطلاع على البطاقة الشخصية أو السؤال عن الغرض من شراء الدولار، فاعرف أن هناك مشكلة نقص في العملة بالسوق” فما بالنا بأنه رغم اكتفاء فروع البنوك وشركات الصرافة حاليا ومنذ فترة طويلة بشراء الدولار بدل بيعه، فإن بائع الدولار ولو مائة دولار لشركة صرافة يتم تصوير بطاقته والتعامل معه بارتياب وتوجس.

المصدر : الجزيرة مباشر