الشعراوي الذي عرفت.. قصة اللقاء الوحيد!

فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي

 

لقاء وحيد جمعني بشكل مباشر مع الشيخ الشعراوي رحمه الله، بخلاف لقاءات عامة لم تُتَح لي فرصة الحديث معه، كان ذاك اللقاء بدعوة منه لنا -مجموعة من الصحفيين العاملين بجريدة (النور) الإسلامية أواخر الثمانينيات- في أحد مطاعم القاهرة، وفيه جرى حوار دافئ مع الشيخ، حيث كانت كلماته لنا محفزة على مزيد من العطاء، والاعتزاز بمهمتنا التي رآها الرجل مزيجا بين العمل الدعوي والعمل الصحفي، وأننا نسير على خطى الأنبياء والمصلحين، وما أعظمها من كلمات شنفت أذاننا ونحن في مستهل الطريق.

لا أزعم أنني من دراويش الشيخ رحمه الله، وإن حرصت على الاستماع لخواطره الإيمانية الأسبوعية مع أفراد أسرتي، كما أعدت قراءة مواقف له انتقدتها من قبل في فورة شبابي، وفورة معارضتي للرئيس السادات ولرجاله وكان منهم الشيخ الشعراوي، وزيرا للأوقاف من 1976-1978، كنت مثل غيري من شباب التيار الإسلامي في ذلك الوقت نأخذ عليه دعمه للرئيس السادات، حتى أننا كنا نتندر على مقولة له لا أعلم الآن مصدرها، وهي أن “السادات لا يُسأل عما يفعل”، ومقولة أخرى عن كون زوجته السيدة جيهان هي القدوة لبنات مصر ونسائها.

تحالف مع السادات

لم أقف على مصدر يوثق هاتين المقولتين، ولكنني تفهمت لاحقا سر دعمه للسادات الذي رفع شعار العلم والإيمان، بعد سيطرة الأفكار الاشتراكية والعلمانية فترة طويلة خلال الستينيات وحتى منتصف السبعينيات حيث كان اليسار هو الصوت الأعلى في الجامعات المصرية، وفي الأوساط العمالية أيضا. لقد وجد الشعراوي نفسه في حلف ضرورة مع السادات لمواجهة المد اليساري، وإن كان لكل منهما مبرره الخاص في ذلك، فالسادات يخشى على حكمه في الحد الأدنى، والشعراوي يخشى على الدعوة الإسلامية من هذا المد الشيوعي. وفي إطار ذلك الحلف، وظف السادات الشعراوي وغيره مثل مصطفى محمود والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) وخالد محمد خالد ومحمد الغزالي، والجماعات الإسلامية، والإخوان المسلمين، وهو الذي دفع الشعراوي لتفسير القرآن تفسيرا مبسطا، مستغلا إمكانياته الشرعية واللغوية والحركية إلخ، كما أنه طلب من الدكتور مصطفى محمود أن يقدم برنامج (العلم والإيمان)، وفتح صحيفة الأهرام وغيرها من الصحف لكبار الدعاة والمثقفين الإسلاميين في ذلك الوقت مثل بنت الشاطئ والغزالي وخالد محمد خالد إلخ، كما أن هؤلاء جميعا -أشخاصا وجماعات- وظفوا موقف السادات المعادي للشيوعية، والذي رفع شعار العلم والإيمان لنشر القيم والمظاهر الإسلامية في المجتمع في ما عُرف بموجة الصحوة الإسلامية منذ السبعينيات وتحديدا عقب انتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973، حيث شارك عدد كبير من الدعاة الكبار -ومنهم الشعراوي نفسه والغزالي والبهي الخولي وغيرهم- في لقاءات التعبئة الإيمانية في جبهات القتال، وهو ما عدّه الكثيرون أحد الأسباب الرئيسية للانتصار في تلك الحرب، وللشيخ الشعراوي مقولة في أحد تلك اللقاءات، إذ قال للمقاتلين “أنا ومهنتي وأنتم ومهنتكم نلتقي في أننا جميعا جنود الحق، أنا بالحرف وأنتم بالسيف، وأنا بالكتاب وأنتم بالكتائب، وأنا باللسان وأنتم بالسنان”.

ناشط في المجال العام

يعرف الناس الشعراوي داعية وعالما فقط، وأنه كان جزءا من السلطة، ولا يعرف الكثيرون انه بدأ حياته ناشطا في العمل العام، حيث تشكل وعيه خلال ثورة 1919 التي عايش بنفسه بعض مشاهدها، كما ترأس اتحاد طلاب معهد الزقازيق الثانوي الأزهري، وكان له خلال تلك الفترة دور كبير في تشكيل لجنة مشتركة للطلبة والعمال قادت ثورة 1935، ونجحت في استعادة العمل بدستور 1923، وفُصل وتعرّض للملاحقة الأمنية بسبب ذلك، وفي أحداث كوبري عباس الأولى عام 1935، منعت السلطات الأمنية حفل تأبين للضحايا، فنظم الشعراوي الحفل في قريته وخطب فيه متحديا تلك السلطات.

كان الرجل من تلاميذ الزعيم الوطني سعد زغلول، وكان يذهب مع والده إلى سعد في بيته أثناء زياراته لمسقط رأسه في قرية مسجد وصيف المجاورة لقرية الشعراوي “دقادوس”، ومما سجله من طرائف تلك الزيارات أن سعدا رفض الانتقال بسيارة خلال زيارته، وركب عوضا عن ذلك حمارا، ولكنه سقط من فوق الحمار فتعرض لكسور سارع خبراء “التجبير” من أهل قرية دقادوس إلى علاجها قبل وصول الأطباء، ويُذكر أن أحد الشعراء في ذلك الزمن اهتم كثيرا بذلك الحمار الذي أسقط الزعيم فكتب فيه شعرا، ومنه “حمار الزعيم زعيم الحمير.. على عرش ملك الحمير أمير / أقام الحمير له حفلة.. وأعطوه قفة من شعير”.

بين الوفد والإخوان

انضم الشعراوي مبكرا إلى حزب الوفد، حيث كانت أسرته وفدية، كما انضم لبعض الوقت إلى جماعة الإخوان قبل أن يغادرها، ثم أصبح مستقلا معتزا بانتمائه الأزهري فقط، وبحكم ذاك التكوين كان رافضا للمد اليساري في مصر في فترة الستينيات، وهيمنة الاتحاد السوفيتي على القرار المصري، ولذا فإنه برر سجدة الشكر بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967 بأنه لم يكن يريد انتصار الشيوعية (بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التبرير)، ولكنه سجد شكرا لله بعد نصر أكتوبر 1973 لأنه كان نصرا مصريا خالصا بعد طرد السوفييت من مصر قبل الحرب، وظل بعد ذلك قريبا من السادات، حيث كان أول ظهوره على التلفزيون المصري بعد الحرب مباشرة، ثم شغل مناصب عدة انتهت بتولي وزارة الأوقاف التي استقال منها بمحض إرادته عام 1978 بسبب رفضه قانون الأحوال الشخصية، ورغبته في التفرغ للعمل الدعوي.

يحلو للبعض الإشارة إلى دعاة بعينهم بوصفهم رموزا للصحوة الإسلامية في السبعينيات، وليس من بينهم الشعراوي، وهذا ما يجافي الواقع تماما، إذ كان للشيخ دور كبير في تلك الصحوة، ربما كان الاختلاف بينه وبين غيره من الدعاة أنه استثمر موقعه الوظيفي من داخل السلطة بينما كان باقي الدعاة خارج السلطة، أو على هامشها. لقد لعب الرجل في ملعب واسع لم ينافسه فيه غالبية الدعاة، وهو الطبقات الشعبية التي اقترب منها كثيرا، بلغته وتعبيراته وزيه وحركاته إلخ، بينما ركز الدعاة الآخرون على الطبقة الوسطى والقطاعات الطلابية والمهنية.

الحملة العلمانية الحالية على الشعراوي ليست الأولى من نوعها، فقد كان الشيخ هدفا لحملات كثيرة من قبل خرج منها جميعا منتصرا، وهو ما ينطبق على الحملة الحالية أيضا التي انقلبت على رؤوس منظميها والمشاركين فيها، ولعلنا بهذا المقال نكون قد أسهمنا مع غيرنا في تحويل هذه المعركة من حملة ضد الشيخ إلى حملة لتعريف الأجيال الجديدة به وبعلمه وفضله، رحمه الله رحمة واسعة.

المصدر : الجزيرة مباشر