في العام الجديد اصنع شموسك ولا تنتظرها

موكب السنة الجديدة في لندن (رويترز)

في كل عام جديد تتأرجح المشاعر بين “انتظار” عام جميل يمتلئ بالخير والنور والفرح، والخوف من عام يأتي بما نكره..

نستطيع صناعة “شموسنا” الخاصة التي تنير لنا العام والأعوام القادمة كلها، وتمنحنا ما “نحتاجه” من الدفء، وتجعلنا أقوى “وأقل” احتياجًا للشموس الخارجية أو للدفء القادم من الآخرين..

لنفز بذلك، ولنبدأ العام بالابتسام لأنفسنا والامتنان “بصدق”، فما زلنا نتنفس الحياة وأمامنا فرص “نحترمها” لتحسين تفاصيل حياتنا كلها بتدرج وبلطف مع النفس، وبلا تعجل للنتائج حتى لا نؤذي أنفسنا ونلقي بها في “بئر” الإحباط إذا تأخر ما نرغب فيه..

ننتبه لحماية النفس من التفاؤل الزائد كتوقع شموس ساطعة ورائعة دائمًا، وهذا غير واقعي فيحبط نفسه عند الخفوت “الطبيعي” للشمس، ونحذر من التشاؤم “كتفسير” غياب الشمس المؤقت بسيادة الظلام للأبد، فيتسبب بتعثر خطواته وضياع أيامه وأعوامه في تعاسة “يصنعها” بيديه.

نحذر من الاعتماد على شموس الآخرين بالبحث عمن يشجعنا، ليضع خطة للعام الجديد وتناسى أن لكل إنسان أحلامه ورغباته وقدراته تمامًا كذوقه الخاص في الملابس والطعام، فلا نفرض أحلامنا على أحد ولا نسمح لأحد بذلك..

يسمح بعضهم للبرودة وأحيانًا للصقيع بالسريان في عمره، وينتظر “فتات” شموس الآخرين ليعيش بها، فيقبل بعلاقات فاترة للهرب من الوحدة بينما في الوحدة مكاسب هائلة كتنمية القدرات والتعرف “الحقيقي” إلى الذات بعيدًا عما يلقيه الآخرون من شوائب العلاقات في قلوبنا وعقولنا..

دفء واعتزاز

نؤكد ما لم يحترم كل منا شموسه الخاصة ويحتضنها ليمنح نفسه الدفء أولًا، وليكون أفضل صديق لنفسه والداعم “الوحيد” لها، فلن ينعم بالدفء الحقيقي “وسيعاني” من الشعور بالبرودة دومًا ولو أحاط به الكثيرون، فلا دفء من دون الشموس الداخلية واعتزاز الإنسان بنفسه بلا مبالغة بالطبع وتفهم عيوبه لتغييرها “برحمة” بالنفس، ولا يخون نفسه ويبررها بدعوى أن الجميع لديه عيوب وهذا حق يُراد به باطل، فجميعنا لا نقبل أن تناول طعامًا سيئًا بدعوى وجود من يأكله، فلماذا نحرم أنفسنا من الانتباه لعيوبنا “ومنعها” من السيطرة على قراراتنا وعلى علاقاتنا لنزيد مكاسبنا ونقلل خسائرنا ولنجعله من “أهم” أهدافنا بخطة العام الجديد؟

تؤذي الشمس الشديدة من يقع تحت وطأتها، وقد يُصاب بضربة الشمس، وكذلك الحماس الزائد يضر من يتنفسه، فيجعله “يركض” طوال الوقت لتنفيذ خطة العام الجديد، وقد يفكر بها حتى أثناء نومه، “ويحرم” نفسه من استراحة المحارب من وقت لآخر..

وهي ضرورية جدًا ليس لالتقاط الأنفاس وتجديد الطاقات فقط كما يتراءى للذهن وهذا صحيح، ولكن الأهم أنها تفيد في المراجعة وتقييم ما فعلناه، وهل نسير في الاتجاه الصحيح لتحويل خطتنا إلى نور لطيف ينير أعمارنا أم نبتعد عنها “ونصعب” على أنفسنا العودة للمسار الصحيح؟ كمن ينوي الذهاب لمدينة ما وينطلق بأقصى سرعة في الطريق، ولا يتنبه للعلامات التي “تؤكد” له أنه على الطريق الصحيح ليفاجأ في نهاية الأمر بوصوله لمدينة أخرى، وقد يخدع نفسه بأنها “أفضل” من التي رغب بالتوجه إليها أو يتكبد عناء الرجوع والبدء من جديد، وما أغناه عن ذلك لو توقف من آن لآخر “ليتأكد” من صحة الطريق، وأنه لا يوجد طريق أفضل وأسهل للسير فيه “ليوفر” بعض الجهد على نفسه..

لا للتعطيل وللإجبار

في استراحة المحارب لا بد من “الطبطبة” بحب واحترام على النفس واحتضانها باعتزاز لسعي صاحبها ليكون أفضل، وليساعد نفسه في تخطي ظلمات الحياة بأنواعها النفسية وبالعلاقات مع النفس ومع الآخرين والعملية والمادية والصحية، وليكن شعاره في ذلك: “لو انطفأت كل الشموس فشموسي ذاتية وتنبع من داخلي ولن أسمح لها أبدًا بالانطفاء”، وقد تخفت قليلًا أو حتى تغيب كأي شمس في الكون، لكنها ستعود أقوى وأجمل وتنير عمري وسأنهض بحياتي دومًا، وإلا فالبديل هو الانتحار ببطء “ولن” أقترب منه ولو بالتفكير ولن أمنحه ثانية من عمري..

يعطل بعضهم ظهور شموسه الخاصة بالتفكير يما حدث له من أمور سيئة وأحيانًا صدمات وخسائر مؤلمة بالعام الماضي، وأحيانًا بالأعوام السابقة، وكأنه “يعاقب” نفسه بيديه، فلا يكتفي بمعاناته عند تعرضه لها رغمًا عنه، ويستعيد تألمه “بكامل” إرادته وكأنه لم يحصل على نصيب كافٍ منها، والأذكى طردها “وركلها” بعيدًا بقدميه كما يتخلص من حجر يمنع تقدمه بالسير.

يشعر بعضهم عند استمتاعه بشموسه “والبدء” في صنع عام جديد يرضيه بالرغبة “العارمة” في تشجيع وتحريض وأحيانًا الإلحاح “لإجبار” من يحبهم ليصنعوا شموسهم، ونحترم الرغبة في مساعدة الآخرين، وندعو لها دومًا “بشرط” أن نجيد قراءة ردود أفعالهم عندما نتكلم معهم، ونسارع “بالانسحاب” عندما لا نجد ترحيبًا جيدًا، فمن حق الجميع أن يديروا أعمارهم كما يريدون، وعندئذ فلنكتفِ بالإشارات “اللطيفة” المكثفة والسريعة جدًا من وقت لآخر، ولا نقولها بصيغة الأوامر مثل: يجب أن تفعل ذلك، أو كفى استهتارًا، وافعل كذا وكذا، فهذا أسلوب “منفر” ويأتي بنتائج عكسية ويفسد العلاقات بأنواعها، ونفضل القول ما رأيك في فعل كذا؟ فكر وإن “وجدته” مناسبًا فافعله لتسعد نفسك؟ ولا نضيف كلمة أخرى، ونغير موضوع الحديث حتى لا يشعر بالإجبار فيتضايق، وقد يختار العناد.

يحجب بعضهم الشمس عن نفسه بالتفكير في صعوبات تنفيذ خططه للعام الجديد، والصواب “تقسيمها” لمراحل مع المرونة بتنفيذها، ومكافأة النفس عند أي تقدم ليكون “وقوده” للمزيد، وأن يتنفس دومًا الامتنان، فهو النور الذي لا ينطفئ أبدًا ويواصل بعزيمة أقوى.

ننبه لخطأ السماح للآخرين بحجب الشموس الخاصة عند “اختيار” الاستماع لكلامهم المحبط، ومحاولاتهم زرع اليأس بأعمارنا بقصد أو بلا تعمد، ونوصي بعدم جدالهم فالأسهل جذبنا للأسفل، ودورنا احتضان شموسنا ورعايتها، والسماح لها بالانتشار بأعمارنا وتولي قيادتها دائمًا وأبدًا.

المصدر : الجزيرة مباشر