رفاقي الوحدة والمنفى وشوق الريح

علي الحجار

 

 

ما تغربيناش وتقولي قدر

ما تتوهيناش في مواني سفر

ما تضيعيناش في دموع وفراق

ها تجيبي منين زينا عشاق

في قلوبنا حصاد

في عنينا مطر

عام جديد ذهب من سنوات الحياة التي نمضيها بحثًا عن أمل جديد نملأ به قلوبًا غادرت أماكن البهجة والأحلام الكبرى كانت تملأ فضاءات وطن كبير بحجم الأرض وأشواقًا بجحم الضوء في آخر المدى، وقلوبًا لا تزال تعيش في كل ركن في أزقته وحاراته الضيقة والفسيحة.

عام جديد يبدأ ولا تزال أوجاع عربة ممتدة تسكن تلك القلوب الحائرة في سيرها وسعيها نحو المستقبل، تتوه في الأقدام أيامًا وشهورًا وتهتدي ساعات إلى الطريق، لا أدري أي خطوات ذهبت بي إلى عام بعيد بعدًا يقارب المسافات بيني وبين الوطن وأحلامه، وجدتني أدندن بكلمات كتبها الشاعر المصري جمال بخيت وغنّاها رفيق أيام الشباب والأحلام الكبرى والبسيطة علي الحجار، كنت دائمًا ما أقول له في جلساتنا “إن مشوار أغانيك هو شريط سينمائي لحياتي” أما الثالث في الكلمات فكان الملحن فاروق الشرنوبي، وفاروق أحد أهم ملحني جيل الثمانينيات والتسعينيات، ويذكرنا دائمًا بالكبار من الملحنين فالشرنوبي هو خلطة فريدة من سيد درويش، سيد مكاوي، وعذوبة بليغ حمدي ومحمد فوزي، ولم أجد في إنسانية الشرنوبي في المجال الموسيقي من جيله سوى فاروق الشرنوبي، كان هذا الإنتاج للثلاثي هو ألبوم صدر في عام 1991 بعنوان لم الشمل.

لم الشمل أمسية غنائية

كان عام 1990 عامًا كارثيًا على الأمة العربية، بينما نخطو بخطوات مترددة خارج أسوار جامعة القاهرة بعد نهاية دراستنا في العام السابق، كانت بعض الملامح العربية قد تكونت فيه وأنشأت كيانات عدة عربية وحدوية الخليج، وأقيم مجلس التعاون العربي ضم مصر والعراق واليمن والأردن واليمن، تفاءل بعضهم بخطوة على الطريق، جاءنا العام التالي بالغزو العراقي للكويت، وكان بداية الكارثة التي ذهبت بنا إلى غربتنا الآنية والتي لا ندري لها نهاية، غربة طالت كل أبناء الوطن العربي من شماله إلى جنوبه، وغادر المحبون الحالمون أوطانهم إلى بلاد غريبة.

دعوة إلى أمسية غنائية في قصر ثقافة الغوري بوسط القاهرة المملوكية في شهر رمضان كانت بعنوان لم الشمل للثلاثي بخيت والحجار والشرنوبي، وفي السهرة كان الكثير من الأصدقاء الذين صار الحجار مطربهم الأول وخاصة بعد ألبومه السابق (أنا كنت عيدك)، وهو الألبوم الذي وصل بالحجار إلى قمة الغناء العربي، قدم فيه الحجار 9 أغنيات لأشهر الشعراء والملحنين في جيل شباب هذا الجيل، وأصبحت أغنية (لما الشتا يدق البيبان) لإبراهيم عبد الفتاح وألحان أحمد الحجار هي أغنية الموسم والمواسم التي تلته، ولجمال بخيت كانت أغنية (أنا كنت عيدك)، وللراحل حسن رياض (من غير ما تتكلمي)، وأغنية (انكسر جوانا شيء) لبهاء الدين محمد، وغيرهم من الشعراء، وشارك في الألحان الشرنوبي وأحمد الحجار وياسر عبد الرحمن، وجمال عطية، وفاجأنا الثلاثي الحجار وبخيت والشرنوبي بألبوم جديد تمامًا في ليلة رمضانية في العام الذي كان بداية المأساة العربية.

لم الشمل الدوحة ها ترجع

وامسك فأس المغرب وازرع

خضرة تونس لازم تجمع

طمي سودانك على صحاريك

هذا التناقض بين ما حلّ بالوطن في ذاك العام البعيد وأحلام الفرسان والمؤمنين بالحلم الكبير هو دائمًا ما يجعل بعضهم يطلق عليها أحلام الشعراء، لقد نقل بخيت الواقع إلى منطقة جديدة في هذه الأمسية التي انتقدها الكثيرون للحجار، ولكنه صبر على الانتقاد، وتحمل إنتاج الألبوم في العام الذي تلاه، وقد شارك العديد من المطربين والملحنين في الغناء معه في هذا الألبوم منهم أبناء الحجار الثلاثة أحمد وعلي ورأفت، والممثل الشاب في ذلك الوقت طارق لطفي.

عم بطاطا بيمشي في حاله  علشان رزقه ورزق عياله

غصبّن عنه يقف يتكتّف

بس بكيفه يفك حباله

عم بطاطا لذيذ ومعسل عمره ما طاطا لغير الله

لما الدنيا بتأسى يمثل

إنه خلاص سلّم لقضاه

اختزال المشهد في ألبوم

استطاع جمال بخيت في الكلمات التي كتبها عن ألحان المصري في هذه الأمسية (الألبوم) أن يختزل مشوارًا طويلًا من التراث الشعبي والحكمة الشعبية للإنسان المصري البسيط، وقد اقتربت كلمات الأمسية كثيرًا من هذا التراث القديم في تعامله مع الكلمات، حتى أنك تظن في بعضها أنها كلمات لأغنيات تراثية.

في أغنية عم بطاطا تصوير للمصري البسيط، هذا الذي يعيش حياته على هامش الأحداث الكبرى، سماه بخيت عم بطاطا، والبطاطا هذه الثمرة المصرية السهلة الهضم، هكذا يظن كل الحكام، المواطن الذي يستبيح الحاكم كل حقوقه ويهضمها بسهولة كما يهضم البطاطا، لكن طغيان الحاكم وتصوره أنه فقط من يملك الحكمة والرؤية يجعله غافلًا عن حكمة المصري البسيط، الذي لم ينحنِ إلا لله، وعندما تقسو عليه الحياة يمثل أنه سلم للقضاء، وهو يدرك أنه ليس القضاء وإنما الطغيان والغرور الكاذب لمن يحكمه، عم بطاطا الذي ما أن ينهض ويخطو خطوة حتى تنقلب الموازين فيعبر سيناء ويغير المخططات ليصل إلى عكا فلسطين والقدس.

صحافة وأحزاب واستثمار

طلعت أنش نزلت أنش

لقيت الغش بمليون وش

فتحت وداني سمعت أغاني قفلت الراديو وكان بيوش

طلعت أضج من الجرانين كلامها يعج عسل وطحين

وطبعه أمينه وطبعه آمين ويوم ما قالت لي الصدق تغش

قراءة المستقبل

هل كان يتصور جمال بخيت وهو يصف حال الإعلام في مصر في تلك الأعوام البعيدة أنه يقرأ المستقبل، من الإذاعة التي تحولت في أذنيه إلى ضجيج؟ هل تصور مثلًا أن إذاعة القرآن الكريم ستحتلها الإعلانات؟ أم يتصور حال الأغاني مع حمو بيكا، وغيره من مغني أيامنا هذه، حتى صارت أغاني هذا الزمن بالنسبة لما نسمعه الآن حلمًا بعيدًا، أما الجرانين التي ينتقدها الشاعر فقد أصبحت بلا وجود وبلا قراء، هذا العسل والطحين الذي انتقده بخيت أصبح الآن سطورًا سواء لا تحمل إلا الأوهام، صارت الجرائد والبرامج والإذاعات للذين يجيدون التطبيل فقط.

في أغنيته (طلعت أنش) وصف بخيت حال الأحزاب المصرية التي تغني بصوت كاذب على أعضائها وجمهورها، ونوابها الذين يصرخون في المجالس، وما أن تظهر لهم مصالح حتى يختبئون خلفها، أما الاستثماريون فقد أطلق عليهم الهباشين الذين تعلو بيوتهم أما بيوت المصريين فمصيرها عدم العلو أو الهدم بحجج واهية.

ولا يمكننا أن أختم تلك الإشارة إلى الألبوم الذي ضم 9 أغنيات دون التنويه عن أغنية فلسطينية التي ضمها الألبوم، وكانت فلسطين حاضرة في مقاطع أغاني لم الشمل، وعم بطاطا، ولكن الثلاثي أصروا على وجود أغنية خاصة لفلسطين، وهي أغنية فلسطيني، وقد كانت تعبيرًا عن الفلسطيني عام 1990 وما قبله، فصارت تعبيرًا عنا جميعًا في أيامنا هذه.

رفاقي.. الوحدة والمنفي وشوق الريح

مهاجر من وطن ضايع لقلب جريح

بتهزمني انكساراتي وبأرفع أعلى راياتي

حياتي في زمن آتى.. يا أرض النور تحوطيني فلسطيني

المصدر : الجزيرة مباشر