ثقافة الجوع.. أرجل الدجاج على الطريقة الصينية!

يمزح الصينيون عادة بقولهم “نحن شعب نأكل كل ما يطير وما يزحف وما يمشي على أربع” ومن النادر أن ترى في سماء الصين بأسرها طائرًا

الكاتب في مطعم مجلس نواب الشعب الصيني أثناء زيارة لوفد برلماني مصري برئاسة د. أحمد فتحي سرور

 

لاقت دعوة خبراء معهد التغذية بالقاهرة إلى تناول أرجل الدجاج -باعتبارها وجبة صحية مشبعة بالبروتين والجيلاتين- غضبا واسعا أحالها إلى ساحة جدال سياسي بين المصريين. اعتبر البعض الدعوة وراءها جهات، تدفع الناس إلى التماهي مع حالة الفقر والغلاء التي أحلت بالمجتمع. أقحم المؤيدون شعب الصين في معركتهم الكلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، حين قالوا إن “أرجل الدجاج” من وجباته الشعبية.

جاءت الكلمات على صفحات شخصيات عامة، يُفترض معرفتها بثقافات الشعوب، بينما ما ذكروه على طريقة “لا تقربوا الصلاة” يسيء إلى شعب عريق دون أن يدروا.

سماء بلا طيور

يمزح الصينيون عادة بقولهم “نحن شعب نأكل كل ما يطير وما يزحف وما يمشي على أربع”، ومن النادر أن ترى في سماء الصين بأسرها طائرا. ورغم انتشار بحيرات في الحدائق العامة، تؤوي البط والأسماك الملونة، فهي تحت الرقابة الأمنية على مدار الساعة. سخرية الصينين من واقعهم تأتي على نهج الحكمة العربية “شر البلية ما يُضحك”. فالصين دولة إمبراطورية عريقة من قبل الميلاد، وعلى مدى التاريخ، ظلت موحدة، على معظم مساحتها الحالية، إلا في سنوات الاضطراب السياسي المعدودة، التي شهدت خلالها حروبا ومجاعات، أودت بحياة ملايين البشر.

عكست الروح الإمبراطورية شخصيتها على الجميع، فهناك طبقية حاكمة للدولة والأقاليم وتراتبية اجتماعية بالمدن والريف، في العهد الإمبراطوري -يعشق الشيوعيون أحياءها ولو سرا- خلقت تراثا ثقافيا يشمل كل أمور الحياة. دفعت هذه الروح كل طبقة إلى التميز في الوظائف والتعليم والعمارة والملبس والطعام. يرى الغريب الصين بعين ضيقة، أو من بُعد عبر ثقافات شفهية أو قراءة أوراق ممزقة، فيصبح كالأعمى الذي يتحسس فيلا فلا يستطيع أن يحدد هيئته، ويهلل عندما يدرك أن له ذيلا!

الطعام المقدس

يقدس الصينيون الطعام، ففي حضرته تُدبّر لقاءات الأصدقاء والعرس، وعلى موائده تُبرم صفقات العمل، وخلاله تجري المؤامرات والدسائس. لذلك يطول السمر أمام الموائد عادة، من ساعتين إلى 3 ساعات. يختلف إكرام الضيف باختلاف المدينة والعادات والتقاليد. فأهل بيجين يكرمونه بالمكرونة المصنوعة بالمنزل، فإذا بات الضيف، تناول وجبة من “الجياوتسى” تعبيرا عن حبهم لإكرامه.

ويختلف حجم المأدبة باختلاف الإقليم، فأصغر مائدة في بيجين تتكون من 8 أطباق باردة و8 ساخنة. تتعدد المآدب، وأهمها حاليا، عرض الزواج وجلسة الاتفاق لتحديد المهر والزفاف وأول عودة للعروس إلى بيت والديها. تزيد الأطباق في مناطق أخرى إلى 4 أضعاف رقم 8 رمز التفاؤل الشعبي.

المطبخ الصيني به 5 أنواع مختلفة من الأطباق، تتطلب احتواءها على المالح والمر والحامض والحار والحلو. لدى الصينيين فلسفة خاصة في الأكل تقول “كل مذاق له علاقة بفصول السنة، ويجب أن تبقى متناغمة معها”. يقدس الصينيون 5 عناصر، الخشب والنار والمعدن والماء والأرض، و5 ألوان، الأزرق والأصفر والأحمر والأبيض والأسود، ولهذا فإن العناصر والألوان والمذاق يجب أن تكون جميعها متفقة مع مواسم السنة. يُستخدم فول الصويا المعد على شكل معجون “التوفو” بكثافة، وكذلك أنواع “الفطر” ذات القيمة الغذائية العالية.

أطباق إمبراطورية

تتنوع المواد الأولية بتنوع أساليب الطهي، منها “الكانتونيزي” للمأكولات الطازجة والطبيعية التي تُطبخ قبل تقديمها بقليل من التوابل والأسماك والرخويات.

تعود نكهات “شيو شو” إلى منطقة “جوانغدونغ”، وتُستخدم الصلصات الحارة في تحسين المذاق مع مربى اليوسفي والسرطان المدخن ومعجون الفول الأخضر للسمك. يُعَد البط والإوز من الأكلات المفضلة في مطبخ “شيو شو”، ويُقدَّم الإوز المغطى بصلصة الثوم والخل.

يمتاز مطبخ “شانغانيز” أو شنغهاي بحلاوة المذاق، وتقديم خضراوات محفوظة ومخللات ولحوم مملحة والبيض بالزنجبيل، ودجاج “بيغر” وهو طبق أسطوري مغطى بأوراق اللوتس ومقلي بالفرن. ومن أشهر أطباقه السرطان والبط والدجاج المخمر وثعبان البحر المطبوخ والسمك الأصفر، والزلابية والخبز والنودلز من الأرز.

يشتهر مطبخ بيجين أو “بيكنغ” بنكهاته القوية المفعمة بالجذور والخضروات الفلفل والثوم والزنجبيل والكراث والكزبرة، مع الزلابية والخبز والنودلز. يكفي طبق البط البكيني المقرمش 6 أفراد على الأقل، ويغطى بصلصة الصويا قبل تحميره ويوضع الجلد في فطائر محلاة رقيقة مصنوعة من البصل الأخضر وصلصة الخوخ. نكهات أطباق سيشوان ويونان حارة وقوية، تغطى بالفلفل الأحمر والثوم ومعجون الفول المهروس على شكل بودرة السمك مع حساء النودلز والحمام المهروس مع مرق اللحم، وشوربة الحمص المملحة.

زمن الجوع

يحمل العرب عادة بعض الأطعمة معهم عند ذهابهم إلى الصين، خوفا من الجوع، دون أن يدركوا الغنى المميز لحياة برجوازية متخفية في ثوب البروليتاريا، لم تسحقها سنوات القحط التي أحيطت بها، خاصة في العصر الحديث. شهدت الصين مجاعة قتلت ما يتراوح من 30 إلى 50 مليون مواطن، عندما قاد الزعيم ماو تسي دونغ “الوثبة الكبرى” بين عامي 1958 و1961. خدعت السلطة الشعب واحترفت قيادات الحزب الشيوعي الكذب، حول معدلات الإنتاج الصناعي والزراعي التي تدهورت، بعد تأميم الأموال والمزارع والمصانع.

ظهرت النتائج المخجلة على الناس عندما لم يجدوا ما يأكلونه. التهموا الفئران والحشرات، بعدما قضوا على كل الحيوانات والزواحف. زاد الكرب بعد موجة الثورة الثقافية (1966- 1976) التي عطلت الجامعات ودفعت المواطنين إلى العمل بمصانع رديئة، وأهملت الزراعة، فتراجعت قدرة العائلات على تدبير الطعام. كان طبيعيا أن يكون لأرجل الدجاج قيمة، في وقت أصبحت تحية الناس حتى مطلع القرن، عندما يتقابلون Shi Shi “هل أكلت؟ هل تناولت العشاء وأكلت وجبتين؟!”.

وجبات العار

كان مستحيلا في دولة الاستبداد أن تتناول أكثر من وجبة مشبعة يوميا، لذلك يحرص القادة على تذكير الناس بهذه الحالة، منذ شددوا قبضتهم مع إغلاق كوفيد-19 وتراجع الاقتصاد، في الوقت ذاته يدعون الأجانب والقادة إلى موائد فاخرة، ليأكلوا بآنية وملاعق من ذهب. تبالغ العائلات في تغذية أطفالها، حتى زادت السمنة بينهم وتحولت إلى مرض مزمن لدى أغلبية الجيل الجديد. إنهم يتذكرون أكل أرجل الدجاج والحشرات بعار ومرارة، ويأنفون ممن يقبل عليها بالأسواق الشعبية، كما يأنف بعضنا من تناول الفسيخ و” الكرشة” وحواشي البهائم. يخشى الصينيون ثقافة الجوع، فلماذا نفرح بما أُكرِه عليه الآخرون؟!

أكبر مطعم صيني متخصص في البط البكيني (كاميرا الكاتب)
المصدر : الجزيرة مباشر