هل يحيل الإلكتروني “الكتاب الورقي” على التقاعد؟!

أجاثا كريستي

القراءة، هذا الفعل التنويري الجليل الذي ترتقي به الأمم، الوسيط الناقل لكل ما هو نافع للبشرية، و”اقرأ” تلك الكلمة الأولى، والتكليف الأول الذي شرع به جبريل على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما أن الحضارات القديمة كلها قد نقلت إلينا، عبر القراءة، وارتبط تطور الفعل “اقرأ” بتطور المادة المكتوب عليها.

لقد بدأها الإنسان القديم، بنقش أشكال ورموز على الحجر، والخشب، وعظام الحيوانات وجلودها، إلى أن اكتشف المصريون القدماء ورق البردي، الذي كان ينمو بوفرة في دلتا مصر، فاعتمدوا عليه بشكلٍ كبير في الكتابة، بجانب وسائط أخرى دونوا عليها مثل جدران المعابد، والأهرامات، وغيرها، فسجلوا الكثير للتعريف بحضارتهم، وثقافتهم، وعلومهم.

يعود الفضل العظيم في اكتشاف لغات مصر القديمة، مثل الهيروغليفية، والديموطيقية إلى فك رموز حجر رشيد على يد العالم الفرنسي شامبليون، إبان الحملة الفرنسية على مصر.

وبمرور الزمن، تطورت تلك الأشياء، وتحسنت تقنيات صناعة الورق، حتى صار الذاكرة الأساسية المتاحة لتثبيت الأفكار والمعلومات والأقوال على شكل أحرف وكلمات.

اختراع الورق

تنسب أغلب المصادر التاريخية اختراع الورق إلى رجل صيني يدعي (تساي لون)، كان يعمل موظفًا في البلاط الإمبراطوري الصيني عام 105 ميلادية، إذ صنع الورق باستخدام قصاصات من القماش المستعمل، ولحاء الأشجار، وشباك الصيد، ولأجل هذا الاختراع، لقي من التقدير والثناء من الإمبراطور الشيء الكثير.

من دون الورق، كان تطور الثقافة والمعلومات، ونشرها، والحفاظ عليها، خاصة مع مرور الزمن، سيمسي أكثر صعوبة.

وهكذا، انتشر الورق في أنحاء الإمبراطورية الصينية جميعها، التي حافظت على أسرار صناعته لقرون عديدة، حتى وصل إلى اليابان في القرن السادس الميلادي عن طريق راهب بوذي حمله من كوريا التي كانت مقاطعة صينيّة في ذلك الوقت إلى اليابان.

سرعان ما تعلم اليابانيون تقنيات صناعة الورق، وبدؤوا في استخدام هذه الصناعة، وانتقل إلى العرب عندما دخلوا سمرقند في القرن الثامن الميلادي.

باتت صناعة الورق مزدهرة عربيًا، وذات حظوة وذيوع في أواخر القرن الثامن الميلادي، وتم تأسيس أول مصنع للورق في بغداد عام 178هـ/794م.

ثم انتقل سر صناعة الورق من الشرق إلى الغرب عبر العرب، الذين أحضروا معهم سر صناعة الورق في القرن الحادي عشر.

وهكذا، صار الورق والكتابة عليه جزءًا مهمًا من تاريخ الإنسان وأهميته في الحياة الثقافية والاقتصادية والصناعية.

وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين وما تبعها من مظاهر للعولمة، واكتشافات رقمية حديثة، ولجوء العالم بأسره إلى سياسة التحول الرقمي، نتج صراع واضح، بين الصناعات التقليدية ومنها صناعة الكتب المطبوعة، وصناعة الكتب الرقمية، ومما أشعل ذلك الصراع مؤخرًا لصالح المواد الرقمية، تعرّضت صناعة الكتب المطبوعة لموجات عالية من ارتفاع أسعار المواد الأولية اللازمة لصناعة الكتب المطبوعة، وكلفة شحنها، إذ إن معظمها يكون مستوردًا ناهيك من ارتفاع أسعار العملات الأجنبية التي تسدد بها أثمان هذه المواد.

عالم التكنولوجيا الرقمية

أحدث دخول التكنولوجيا الرقمية، ووجود الكتب على شبكات الإنترنت منافسة شديدة مع الكتب المطبوعة، إذ أن تكلفة إنتاج الأولى هي الأقل، وتداولها أسهل، وتحمل ميزات لا توجد في الكتاب المطبوع، فيمكن لقارئ الكتاب الرقمي التحكم في حجم الخط، وفي الألوان والإضاءة وبما يناسبه، بالإضافة إلى مميزاته الفائقة في عمليات البحث، وسرعتها، وإمكانية التعرف إلى معنى كثير من الكلمات الغريبة، إذا كانت موجودة في النص المقروء، كما أن الكتب الرقمية لا تحتاج الى المساحات، والمستودعات، والتخزين بمتطلباته الضرورية لجودة الورقة المطبوعة.

ولنا أن نتساءل: إذا كانت الكتب الإلكترونية مميزة إلى هذه الدرجة، فلماذا لا يزال الكثيرون متمسكين بالكتاب المطبوع الذي لم يحل على التقاعد؟!

لا يزال للكتاب الورقي مكانة خاصة في قلوب الكثيرين، وخاصة هؤلاء الذين اعتادوا الذهاب إلى المكتبات، والتجوال بين أرفف الكتب، والتنقل بين الأقسام المختلفة، وقراءة ملخص العمل المكتوب على ظهر الكتاب. نعم ما زلنا نمتع نظرنا برؤية مكتبة منزلية تزخر بمجلداتها القيمة، التي توارثتها الأسرة عبر الأجيال، جمال التجليد والطباعة، روعة العناوين المكتوبة بخطوط منمقة مذهبة، تحكي قصة التاريخ العريق لفن الخط الجميل، وربما بعضهم يجادل بأن هذا متوافر في الكتب الرقمية أيضًا.

ولكن، بالنظر إلى أرقام المبيعات للكتاب الورقي يبدو لنا أن الكتاب الرقمي لن يستطيع إخراج الكتاب الورقي من المنافسة، وربما يكون هناك بعض التعادل بين الطرفين، فلذلك اللون عشاقه الذين لا يمكنهم التخلي عنه بسهولة، خاصة بالنسبة للقراء متوسطي العمر، والذين شبوا على قراءة الكتاب والمجلات الورقية، مهما ارتفعت مبيعات الكتاب الرقمي، وزادت مزاياه.

جيل تربى على القراءة، وأحب الورق، كان يخفي رسائل غرامه الساذجة، ويضع أول زهرة تلقاها من محب بين طياته.

تنام فتيات أجيال الأمس وبين أحضانها رواية رومانسية لإحسان عبد القدوس، تحلم بفارس أحلامها الذي سوف يجيء على حصان أبيض يومًا ما!!

ويميل الفتى لروايات أجاثا كريستي، والدكتور نبيل فاروق، ليكون يومًا رجل المستحيل كأدهم صبري، مثل ذلك الجيل لا يتخلى عن ذكرياته بسهولة، مع كل الاحترام للأجيال الجديدة، وما تستخدمه من تطبيقات حديثة، لكنها أيضًا لن تسعفهم عند انقطاع الكهرباء، أو مسح لبيانات دون قصد، أو نفاد شاحن الجهاز، وتبقى متعة الكتاب الورقي أبد الدهر من وجهة نظري، كشخص ينام في أمان وبجواره خير جليس وصديق، وهو “الكتاب الورقي”.

المصدر : الجزيرة مباشر