“سمع هس”.. عندما تصبح الوطنية نوعا من الطنطنة!

 

الكل صار يطنطن باسم الوطن، امتلأت الشاشات بمن يحسبون الوطن كلمة تتردد ثلاث مرات بين كل فقرات برامجهم الإعلامية، لا يعرفون عن الوطن سوى ما يضاف إلى حساباتهم البنكية كل عام، هؤلاء الذين لا يعرفون من الوطن إلا أغنياءه من أصحاب القنوات والمليارات والمهرجانات والحفلات الصاخبة.

صار التغني والتغزل باسم الوطن مجرد “تويتة” على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تعد أغنية الوطن “أبكي أنزف أموت.. وتعيشي يا ضحكة مصر”، تلك التي كانت أنشودة المصريين في حرب الاستنزاف، لم نعد نروي عن “السواقي اللي ما نامت ليلة من كام ألف عام” في قصيدة عبد الفتاح مصطفى (طوف وشوف)، لم نعد نغني “للفلاح أبو خير وجمايل، والواعظ حافظ القرآن”.

تلك هي الفكرة الرئيسية التي قدمها السيناريست ماهر عواد والمخرج شريف عرفة في رابع أفلامهما السينمائية معا (سمع هس) وآخر تجربة للثنائي الذي بدأ مبشرا بسينما تجريبية وغنائية استعراضية.

أنا وطني وبطنطن

غندور المتغندر مُغنٍّ مصري يعتمد على شارل لاعب البيانولا في التجوال بين الأحياء الشعبية، ليلتقط له ألحانا مغمورة، فيضع غندور كلمات جديدة على الألحان ويغنيها، يلتقط شارل أغنية لملحن شاب يغنيها في أفراح وملاهي الإسكندرية:

“أنا حمّص حمّص يا حلاوة.. آخر عفرتة كلّي شقاوة

وبقدّم نفسي وحلاوة.. زوججتي ونوجة وحلاوة”

يسرق غندور اللحن الشعبي، ويحوله عبر شاعر مغمور إلى أغنية وطنية، ثم يقدمها إلى جمهوره في القاعات الفخمة والحفلات الكبرى، ويقوم التلفزيون والإذاعة بتقديمها بين فقرات برامجهما لإثبات الوطنية.

قبل الحفل الأول للأغنية لا ينسى شريف عرفة أن يشعرنا أن كل شيء مزيف من خلال المكياج الصارخ للمغني وحركاته التي يستعد بها لتقديم الأغنية، وكذلك في عدد الذين يقومون بعمليات التجميل له، ويبدأ المغني في الغناء:

“أنا وطني بنشد وبطنطن.. واتباهي بمجدك يا وطنطن

على كل الأوطان متسلطن.. رجالتك طول عمرها رجالة”

وهنا يبدأ شريف عرفة بتقديم الأغنية في شكل (فيديو كليب) لكنه يقدم مشاهد لا تعكس كلمات الأغنية بقدر ما تدلل على مدى زيف الأغنية وزيف الحال العام المعبّر عنه.

الوطن الذي يتغنى المغني بتحويله الرمل الأصفر إلى خضرة، رجاله يجلسون على المقاهي يتناولون الشيشة ويلعبون الطاولة، هكذا فالأغنية مزيفة كما المقدمات البرامجية المزيفة، والتويتات المزيفة، تعكس واقعا مزيفا لا يوجد إلا في خيال مطرب سارق الأغنية ولحنها.

أحلام تنتهي بكابوس

يبدأ حمّص وحلاوة بعد اكتشاف سرقة أغنية عمرهما بمحاولة إثبات حقهما في اللحن، يحاولون تجميع كل الأدلة على هذه الملكية من خلال صاحب الشادر، مالك الملهى الليلي الذي كانا يؤديان الأغنية فيه، صاحب شركة إنتاج (الكاسيت) الذي سجله لهما، لكن غندور بنفوذه يستطيع محاصرة كل هؤلاء وشراء ذممهم، حتى البرنامج التلفزيوني الذي سجل لهما الأغنية تصل إليه يد المطرب الذائع الصيت.

يذهب حمّص وحلاوة إلى غندور بعد دعوتهما إلى التفاهم، ويبدأ غندور بإغرائهم بالمال، فيكتب حمّص تنازلا عن اللحن له، بعد إقناعهما أنهما معه يكسبان أكثر وأن السماء ستمطر أموالا عليهما. وفي استعراض رائع كتبه الشاعر بهاء جاهين من ألحان الموسيقار الفريد مودي الإمام الذي قدّم موسيقى ثلاثة من الأفلام الأربعة لعواد وعرفة، والاستعراض صممه عاطف عوض.

“ده كلام ما يخش العقل.. بس انا فرحانة بشكل

الحقني الحقني يا حمّص.. جثتي من الفرحة بترقص

أنا برضه رجلي بترفس.. كعبي بيدور على نفسه

لكن عقلي مدربك”

هكذا يغرق حمّص (ممدوح عبد العليم) وحلاوة (ليلى علوي) في الأحلام، ليستيقظا في اليوم التالي على شاطئ بحر الإسكندرية بعد أن سرق غندور ورجاله الشيك كما سرق اللحن.

محكمة هزلية وشراء الشهود والمحامي

وفي مشهد هزلي كان ينتمي إلى عالم (الفانتازيا) عام إنتاج الفيلم 1991، يصور عرفة مشهد المحكمة التي صارت كلها محكمة غندور، بعد أن استطاع شارل الذي استيقظ ضميره استرداد التنازل والشيك، يقوم حمّص بتقديمه للمحامي -محامٍ لا يجد عملا له- ويشتري غندور المحامي والشهود جميعا سواء بالنفوذ أو الأموال.

وينفجر حمّص وحلاوة في الجميع بعد أن أخفى المحامي التنازل والشيك عن المحكمة وشهد الجميع زورا، ليبقي للثنائي المسروق جهدهما وعمرهما الحلم بعام 2000 حيث سيصبحان من المشاهير.

لكن عرفة وعواد يؤكدان أن هذا حلم في ظل وجود الجهل والفقر والاستغلال المتمثل في رجل الأعمال ومن يتبعه، وفقراء الحارة، والشحاذين الذين يصنعون عاهات وهمية يخدعون بها زبائنهم من الطيبين، فقد هلت سنة 2000 ومضى بعدها عشرون عاما ولا يزال الوضع كما هو، ما زال هناك من يحتالون على الفقراء بالأحلام والأوهام بالانتظار أعواما بعيدة ليحققوا أحلامهم التي لن تتحقق إلا بالقضاء على الفقر والمرض.

أخيرا

أربعة أفلام قدمها ماهر عواد من سبعة هي كل إنتاجه السينمائي مع شريف عرفة، هي (الأقزام قادمون) أول لقاء بين عرفة خريج معهد السينما 1982، وماهر عواد خريج المعهد نفسه عام 1983، ثم (الدرجة الثالثة) و(يا مهلبية يا)، وأخيرا (سمع هس) الذي أنتجه الثنائي مع بطل الفيلم ممدوح عبد العليم.

ما عدا فيلم (الدرجة الثالثة) الذي لعب بطولته أحمد زكي وسعاد حسني ولاقي فشلا جماهيريا كبيرا، فإن الأفلام الثلاثة الأخرى تنتمي إلى الكوميديا الموسيقية، وشاركهما في الموسيقى التصويرية والألحان لهذه الأفلام مودي الإمام.

كانت تلك الأفلام تبشر بميلاد ثنائي سينمائي موهوب خاصة أنها الأعمال الأولى لهما ومعا، لكن يبدو أن سوق الإنتاج في تلك السنوات كان يتأهل لنوعية جديدة من الإنتاج السينمائي، فذهب كل منهما إلى طريق اتسع لعرفة كثيرا متنقلا بين نوعيات عديدة من الأفلام، بينما لم يسع الطريق أفكار ماهر عواد المتجددة فلم يقدّم بعد ذلك الفيلم سوى ثلاثة أفلام كان آخرها (صاحب صاحبه) بطولة محمد هنيدي وأشرف عبد الباقي، إنتاج عام 2002.

المصدر : الجزيرة مباشر