لماذا تباع بقايا مصانعنا في مزاد الخردة .. يوم رحيل عبد الناصر؟!

جمال عبد الناصر

 

يمضي قطار البيع في طريق سريع لا يتوقف أمام محطات صغيرة كصراخ العمال أو الموظفين أو بعص الصرخات على محطات التواصل الاجتماعي، فبينما تصرخ أنت وأنا، تعلو زمجرة القطار على صراخنا الضعيف، وتتوالى على عقولنا أنباء البيع بعد أن انتقلنا من محطات الخصخصة تخوفا من الغضب الشعبي وأصبحنا نبيع علنا في زمن لا يخشى غضب.

خلال أسبوع واحد فقط من عمر مصر المحروسة أُعلن عن فتح مزاد جديد على بقايا مجمع الحديد والصلب للصناعات الثقيلة -كان لدينا في ماضٍ بعيد صناعات ثقيلة- في مزاد علني اختير له بعناية تاريخ شهير في وجدان وعقول المصريين: (28 سبتمبر).

لم نفق من هذا الإعلان حتى فوجئنا بالإعلان عن بيع مجمع الألمونيوم بنجع حمادي -لاحظ أننا نبيع الحديد والصلب ثم الألمونيوم- مجمع ضخم جدا تتعدد مرافقه وأفرعه وبمبلغ 200 مليون دولار فقط.

مشروع ضمن مشروعات كبرى شهدتها مصر في ستينيات القرن الماضي حينما كان حلم التصنيع من أحلام المشروع المصري في النصف الثاني من القرن العشرين.

قناة السويس كلاكيت تاني مرة

عندما كتبت منذ أسابيع مقالا عن فيلم (ليه ياهرم) الذي أخرجه عمر عبد العزيز، قلت إن هناك تصريحا من وزير المالية بأن قناة السويس ليست معروضة للبيع أو الرهن، وتساءلت من عرض الشراء ومن عرض رهن القناة؟

لم أجد إجابة، لكن الحكومة المصرية أعلنت عن دمج سبع شركات من شركات هيئة قناة السويس في شركة واحدة، وأضافت أن ذلك تمهيد لطرحها في البورصة، ثم منذ أيام وفي نفس الشهر سبتمبر/ أيلول الأسود يعلن رئيس الهيئة عن طرح ثلاث شركات من شركات الهيئة في البورصة تمهيدا لبيعها، بعد اجتماع تم في يوليو/تموز الماضي مع مسؤولين صينيين أعلن خلاله عن مبادلة الديون الصينية بموانئ ومطارات مصرية، فهل تكون شركات القناة من بين هذه الموانئ؟

بيع بالمزاد العلني والتاريخ مقصود

خط إنتاج كامل من خطوط الإنتاج بشركة الحديد والصلب المصرية بمشتملاته، أعلن عن بيعها في مزاد علني يوم 28 سبتمبر 2022

هكذا بدانا في بيع ما تبقي من المجمع الشهير الذي أُنشئ منذ 68 عاما في مزاد الخردة، وربما يستحوذ عليه عبد الغفور البرعي تاجر الخردة في رواية إحسان عبد القدوس (لن أعيش في جلباب أبي) التي أنتجها التليفزيون المصري في مسلسل عام 1996، فكم من عبد الغفور يعيش بيننا.

أثار اختيار موعد المزاد العلني لخردة الشركة التي كانت عملاقة وبيعت مؤخرا جدلا كبيرا على صفحات التواصل وتساءل الكثيرون: هل اختيار الموعد مقصود؟ إذ هو تاريخ وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر28 سبتمبر 1970 الذي أنشأ المصنع في عهده.

اليوم المختار للبيع ليس فقط يوافق يوم رحيل عبد الناصر، وفي الاختيار دلالة واضحة فهل هم يبيعون المصانع ومنجزات العهد الناصري يوم رحيله؟ نفس هذا اليوم كان انفصال مصر عن سوريا عام 1961. من الممكن أن تتذكر أيضا أن ما سميت بثورة التصحيح 15 مايو 1971، وهو اليوم الذي تخلص فيه أنور السادات الرئيس المصري الأسبق من كل رجال دولة عبد الناصر يوافق إنشاء دولة إسرائيل، ولنا أن نتذكر ما حدث في عهد السادات من اعتراف مصر بدولة الاحتلال ثم توقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني -كامب ديفيد- سبتمبر 1978.

لا ننسى أن معظم زيارات مبارك للولايات المتحدة الأمريكية كانت تتم خلال شهر يوليو من كل عام فيما كان يعرف بموسم حج مبارك إلى أمريكا وهو شهر الثورة المصرية.

مشاهد من ذاكرة الحديد والصلب

لم يكن الجزء الذي تغنى به عبد الحليم حافظ في أغنية بالأحضان عن أفران الحديد والصلب هو أول صورة لي عن هذا المصنع العملاق الذي يبعد عن قريتي بحوالي 35 كيلو مترا، فحين غنى من كلمات صلاح جاهين:

نور عيني وحبايبي .. وعزاز اوي على قلبى

ياللي على الجرار وقصاد لهاليب الصلب

يا سواعد عربية ونفوس حرة أبية

يحميكم وتدوم الهمة ويحيا الشعب.

كانت الأغنية توقظ في ذاكرتي أيام الصبا، إذ كان أول تعارف بيني وبين رجال المصنع الكبير في مرحلة الإعدادية حينما انتقلت إلى مدرسة تبعد عن قريتي حوالي 3 كيلو مترات، وكان عليّ أن استقل سيارة تنقلني إلى المدرسة، وعلى كوبري القرية في الصباح كانت تقف حافلات كبيرة لنقل موظفي وعمال المصنع الكبير: مصنع الحديد والصلب.

كنت أتعجب من وجود حافلة لتقل موظفي القرية وما حولها من قرى، اكتشفت مع الوعي أن أغلب رجال قريتي يعملون في هذا المصنع بينهم أخوال وأعمام لي وأبناء عمومة أيضا ومن كل عائلات القرية، ومعها اكتشفت سر السيارات الكبيرة المنتظرة على كوبري القرية.

وفي مرحلة آخري كان معظم زملائي في المدرسة الإعدادية والذين التحقوا بمدراس فنية صناعية قد عملوا أيضا في هذا المصنع، وكان أصدقاء منهم وأقرباء يحكون لنا عن أفران الحديد والصلب التي تغنى بها صلاح جاهين وعبد الحليم حافظ.

لعلي أذكر هنا أن الأغلبية من أبناء قريتي كانوا من رجال هذه الشركة العملاقة، بالإضافة إلى أفراد قليلة كانت تعمل في المصانع الحربية في منطقة حلوان، والبعض كان يعمل في شركة الفحم والكوك التي بيعت مؤخرا، وهناك من كان يعمل في شركة الأزياء الحديثة، وتم بيعها أيضا منذ سنوات.

من الأشياء التي دائما ما تمر في ذاكرتي أنه بالقرب من القرى المحيطة بقريتي كان يوجد عديد من المصانع التي أنشئت في العهد الناصري، مثل: شركة الزيوت والكتان بالعياط، والسكر بالحوامدية، والحديد والصلب في التبين، والمصانع الحربية في حلوان، وكل هذه المصانع كانت بالقرب وفي حدود محافظة الجيزة التي هي مسقط رأسي، ومع مرور السنوات وكلما ابتعدنا عن خمسينيات القرن العشرين وستينياته اختفت تلك المصانع والشركات وبقيت لنا الذكريات نتداولها على أمل عصر جديد يعمل من أجل التصنيع والإنتاج والتنمية.

المصدر : الجزيرة مباشر