الملك تشارلز والدفاع عن الدين البروتستانتي

قضية فصل الدين عن الدولة لا تجد لها مروجين إلا في بلادنا، فأوربا مرتبطة بالمسيحية، ورغم شيوع العلمانية وضعف التدين الشخصي فإن الهوية المسيحية هي التي تحكم السلوك السياسي لكل دول القارة، وكذلك تأسست أمريكا على الدين الذي حمله المهاجرون البيوريتانيون، وحتى في آسيا توجد حكومات تمثل دياناتها المختلفة.

لا نرى من يكره هويته الدينية مثلما نرى في عالمنا الإسلامي، ولا توجد حكومة في الغرب المسيحي أو الشرق البوذي والهندوسي تعلن الحرب على عقيدة الشعب كما يجري عندنا، فكل الحكومات حتى وإن لم تفرض نمطا خاصا من السلوك الديني على شعبها فإنها لا تحارب التدين.

في بلادنا طوابير من السياسيين وأدعياء الثقافة الذين تخصصوا في التحذير من الإسلام والتحريض المتواصل على الهوية المستقرة منذ قرون، واخترعوا معارك لا تنتهي ضد ما يرون أنه خطر مستقبلي على طريقتهم المثلى في الحياة، وأصبحت قضيتهم الأولى تجريم ربط السياسة بالدين.

لا تكف هذه الأبواق -التي تتكاثر كالفطر- عن مطالبتنا بالتخلي عن ديننا لكي نحذو حذو أوربا، ونلحق بقطار العلم ونحقق التقدم! بل ويكذبون عندما يرجعون سبب تأخرنا إلى تمسكنا بديننا ويتجاهلون عن عمد التخريب الذي قام به الاستعمار الذي احتل بلادنا ونهب ثرواتنا وسجن وقتل قادتنا وحارب عقيدتنا، وترك خلفه من يكملون التضليل لسلخنا عن ثوابتنا.

يتجاهلون الحقيقة وهي أن أوربا تخلصت من فساد الحكم البابوي الذي جمع بين السلطتين الروحية والسياسية ولكنها لم تتخلص من هويتها المسيحية؛ فالملوك والرؤساء ملتزمون بهويتهم المسيحية حتى اليوم، بل ويلتزمون بالمذاهب التي انقسمت إليها المسيحية بعد صراعات وحروب الإصلاح الديني.

ولهذا لم يكن مفاجئا أن يمسك الملك تشارلز الثالث الإنجيل في يده في مراسم تنصيبه خلفا للملكة إليزابيث ويقسم على الالتزام بالعقيدة، والحفاظ على الدين البروتستانتي، وكان لهذه التصريحات تأثير صادم لدعاة الفصل بين الدين والدولة؛ فها هو زعيم الإمبراطورية البريطانية لا يجد حرجا من إعلان التمسك بدينه والدفاع عنه وتجديد العهد أمام شعبه.

جاء القسم على الإنجيل لملك بريطانيا الجديد ليرد على هؤلاء الذين يفتعلون معركة مع الإسلام، ويتعقبون كل نص يشير إلى هويتنا الإسلامية في الدساتير والقوانين وحتى في مناهج التعليم، ويقومون بالحذف والتبديل وكأنهم في معركة وجود ضد دين الأمة.

الجمع بين السلطتين السياسية والدينية

في بريطانيا يجمع الملك بين السلطتين السياسية والدينية منذ قرار الملك هنري الثامن في بداية القرن السادس عشر الميلادي، عندما قطع علاقة كنيسة إنجلترا مع البابوية وأعلن نفسه رئيسا للكنيسة الإنجليزية، وذلك ردا على رفض البابا تطليق زوجته التي لم تنجب له وليا للعهد وعدم السماح له بالزواج بأخرى، الأمر الذي فتح المجال للمذهب البروتستانتي ليكون العقيدة المهيمنة على بريطانيا ثم أمريكا الشمالية وباقي دول المحور الأنجلوساكسوني.

ما قام به هنري الثامن لنشر المذهب البروتستانتي يشبه إلى حد كبير ما فعله الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير الذي اعتنق المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي للحفاظ على ملكه، الذي ترتب عليه تغير سياسة الإمبراطورية من مطاردة المسيحية واضطهاد أتباعها إلى الرعاية والتشجيع، وقد أفاد هذا التحول في تقوية الحكم المترامي الأطراف، وساعد قسطنطين في بسط سلطته على أوربا.

لم يكن لجوء الزعامات الغربية الدنيوية إلى الدين لأسباب إيمانية بالضرورة، وإنما لدوافع نفعية ومصلحية، لاستخدام الدين وسيلة لتوطيد السيادة ومظلة أخلاقية توفر المشروعية للأهداف السياسية، ولهذا انضم الأمراء والنبلاء إلى حركة الإصلاح الديني طمعا في ممتلكات الكنائس التي بلغت خمس الأملاك بأسرها في إنجلترا، والثلث في ألمانيا.

بعكس مارتن لوثر الذي قاد حركة الاحتجاج على سلطة البابا بدوافع إصلاحية دينية فإن الملك الإنجليزي تمرد على الكنيسة التي تحكم أوربا لأسباب دنيوية؛ بعد أن فقد الأمل في إنجاب الوريث فكان الحل هو تغيير المذهب والخروج من سلطة البابا وتنصيب نفسه رئيسا لرجال الدين.

هنري الثامن والتمرد على البابوية

لقد كان هنري الثامن كاثوليكيا متدينا وراضيا بسلطة روما، وأصدر كتابا ضد مارتن لوثر بعنوان “قضية المقدسات السبعة ضد مارتن لوثر” وطارد أتباع لوثر في البداية وقتلهم بعد اتهامهم بالهرطقة، وقد رد عليه لوثر ووجه إليه انتقادات واتهامات فظيعة ثم اعتذر عنها فيما بعد.

ارتقى هنري الثامن عرش إنجلترا عام 1509 ولم ينجب من زوجته كاترين -ابنة فرديناند وإيزابيلا- غير ابنته ماري وعندما بلغت من العمر عامين تمت خطبتها لولي عهد فرنسا ابن فرنسيس الأول وكان عمره 7 شهور، وكان رجال البلاط يرون أنه إذا لم يرزق هنري بولد فإن ماري سوف ترث العرش الإنجليزي وعندما يصبح زوجها ملكا على فرنسا فإنه سيكون في الواقع ملكا على إنجلترا أيضا وتصبح بريطانيا مقاطعة تابعة لفرنسا، وهنا بدأ هنري يطالب البابا بإصدار الفتوى، فلما لم تتم الاستجابة قام بالتمرد.

استخدم هنري القوة والإكراه لإجبار رجال الدين على الطاعة والقبول بالجمع بين كرسي الملك ورئاسة الكنيسة التي سماها الكنيسة الإنجليكانية، واستخدم المحارق ضد خصومه، وأعدم بالمقصلة من رفض الخضوع، وأغلق مئات الأديرة واستولى على ما بها من ثروات وممتلكات ونصب المحاكم لمن يتمنون العودة إلى سلطة البابا.

ورغم أن بريطانيا شهدت تغييرات كثيرة طوال خمس مئة عام وأن الشعب انتزع الحق في اختيار حكومته وممثليه، فإنه لم يطالب أحد بتغيير الثوابت الإنجليزية والفصل بين السلطة السياسية والدين، ورغم الانتقادات فإن أغلبية البريطانيين لا تسعى لتغيير طبيعة هذا النظام العتيق.

***

سيظل الجدل ساخنا حول علاقة الدين بالسياسة؛ ففي بلاد العرب تحارب الحكومات الدين إذا كانت معزولة عن شعبها للاستقواء باليمين المتطرف في الغرب، ولكنها أيضا قد تغير اتجاهها وتعلن التمسك بالإيمان، بل وتعلن نيتها تطبيق الشريعة لاسترضاء الشعب وتمرير قوانين وتعديلات دستورية تخدم الاستبداد.

إن فصل الدين عن السياسة موضوع للإلهاء واستنزاف العقول في جدل غير منطقي، فلا حياة بدون دين، والإنسان لا يستطيع العيش بدون إيمان، ولكن هناك فرق بين من يدافعون عن الدين بإخلاص ومن يستخدمون الدين لأهدافهم الدنيوية.

المصدر : الجزيرة مباشر