سفراء المثلية والانتشار السريع

منصة البث التليفزيوني (نتفليكس)

يبدو أن المثلية الجنسية لم تعد قضية أشخاص بعينهم، أو مجرد توجهات شاذة للبعض، أو رغبات غير طبيعية للمنحرفين أخلاقيًّا، بل بدا واضحًا أن القضية أكبر من ذلك بكثير، كالماسونية، كنوادي الروتاري والليونز، كتجارة الرقيق أو تجارة السلاح، كغسيل الأموال، أي أن قوى عالمية كبرى ونافذة بشدة تحميها، تقف خلفها وتدافع عنها، تحت شعارات ظاهرها حق، كالحريات وحقوق الإنسان، إلا أنها تخفي باطلًا تأباه الإنسانية وترفضه الأديان، وترفضه الفطرة السوية.

حسنًا فعلت دول الخليج العربية باعتراضها وإرسالها تحذيرًا لمنصة البث التليفزيوني (نتفليكس) لإزالة محتوى للأطفال يُروج للمثلية، لأنه يتعارض مع القيم الإسلامية -حسبما جاء في الرسالة- وإلا فسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، ونتفليكس هي شركة أمريكية ترفيهية كانت تقوم في بداية إنشائها بالبث فقط، ثم دخلت عالم الإنتاج، وما لبثت أن كشفت عن نياتها بذلك الإنتاج البغيض الذي يروج للشذوذ خصوصًا بين الأطفال، وهو المحتوى الذي بدأته قبلها شركة (والت ديزني) لإنتاج الرسوم المتحركة، التي كان يعتبر تأثيرها وانتشارها هو الأوسع والأكثر في كل دول العالم، قبل أن تنافسها فيه نتفليكس.

بالتزامن مع هذا وذاك، وبما يشير إلى التنسيق الواضح بين سفراء المثلية الجنسية، يأتي الترويج في العالم حاليا للمثلية وشعارها، أو ما يسمى “الرينبو” المتضمن ألوان قوس قزح، حتى وصل إلى عالمنا العربي بوتيرة متسارعة، على الرغم من المضايقات التي تواجه مثل هذا الترويج أوربيًّا وأمريكيًّا، من خلال أحكام قضائية أمريكية، شهدتها عدة ولايات، واستنكار الكثير من الكنائس العالمية وفي مقدمتها الفاتيكان، وحتى الشارع الأوروبي في معظمه، وقد شاهدنا على الهواء مباشرة جماهير نادي مارسيليا الفرنسي وهم ينزعون هذه الأعلام والشعارات من ملعب توتنهام الإنجليزي خلال مباراة الفريقين في إطار الدوري الأوربي.

اتفاقية سيداو تحمي أهداف المثليين

بدا أن لجنة مسؤولي الإعلام الإلكتروني بدول مجلس التعاون الخليجي متيقظة لمثل هذه المحاولات التي حملت على عاتقها نشر الرذيلة في العالم، إلا أننا يجب أن ننبه إلى أن كثيرا من الاتفاقيات الدولية التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة -وفي مقدمتها اتفاقية “سيداو” على سبيل المثال التي أصبحت نافذة منذ سبتمبر ١٩٨١- تؤصل لمثل هذه الأهداف وتحميها، ومن بينها حق الرجل في الزواج برجل مثله، وحق المرأة كذلك في الارتباط بامرأة مثلها، وهي الاتفاقية التي وقعت عليها معظم الدول العربية.

ومن بين ما نصت عليه هذه الاتفاقية أن المرأة مثل الرجل، ولا يسمح للرجل بالتعدد، وإمكان نسب الأطفال لأمهاتهم، وعدم وجود عدة للمرأة، فيمكنها الزواج مباشرة عقب الطلاق، والرجل لا يملك أي ولاية على المرأة حتى لو كانت ولاية الأب على بناته، كما أن الاتفاقية تؤكد المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، ومنح المرأة حق الإجهاض، كما أنها لا تجرم العلاقات الجنسية المقامة خارج إطار الزواج.

من هنا أعتقد أن الموقف الخليجي من مثل هذه القضايا كان يجب أن يتسع ليصبح موقفًا عربيًّا شاملًا، من خلال جامعة الدول العربية، وإسلاميًّا أيضًا من خلال منظمة التعاون الإسلامي، حتى يمكن إعادة النظر في مثل هذه الاتفاقيات السابقة التي يمكن أن يكون التوقيع عليها قد تم في ظروف وأجواء ملتبسة، أو تحت ضغوط من عواصم بعينها دأبت على انتهاج ممارسات الضغط.

أعتقد أنه قد آن الأوان لمواجهة كل ذلك، خاصة بعد أن كشفت المنظمات المختلفة وشركات الإنتاج المنتشرة عن نياتها وتوجهاتها، من خلال ذلك الإنتاج الفني الغزير، متذرعة طوال الوقت بأنها لا تستطيع فرض رقابة أو حجب على الفن، لأن ذلك يمثل اعتداءً على حرية التعبير، ووصاية على الإبداع !! وهي ذريعة لم تعد مقبولة، في ضوء تراجع هذه الشركات تحديدًا عن أعمال كثيرة تتعلق بالسياسة أو الجريمة، نتيجة تدخل هذه الدولة أو تلك من الدول النافذة.

قائمة الاستهداف طويلة بمساعدة النفايات النخبوية

قد لا يعتد البعض بسلوك هذه المنصة التليفزيونية أو تلك الشركة المنتجة، ظنًّا منهم أن تأثير ذلك البث أو هذا الإنتاج ليس كبيرًا، إلا أن المتابع للتجمعات الشبابية (الجروبات) من هذا النوع على مواقع التواصل الاجتماعي، سوف يكتشف أننا أمام كارثة بكل المقاييس، تغذيها وتدافع عنها منظمات رسمية بالداخل، وأشخاص نافذون على كل المستويات، تُفرد لهم صفحات وبرامج، يشككون في الدين تارة، وفي حقوق الرجل على زوجته تارة أخرى، بل في أهمية الزواج وتكوين الأسرة، وما شابه ذلك من أطروحات أدت على المدى الطويل إلى رفع معدلات الطلاق، ورفع نسب العنوسة، ليس ذلك فقط، بل نشر رذيلة المثلية ونكاح المحارم وغيرهما من الآفات.

من الواضح أن قائمة الاستهداف لدينا طويلة، من الطفل إلى المرأة إلى الرجل، إلى الأسرة والمجتمع كله. وعلى الرغم من الاتهامات الموجهة إلى مجتمعاتنا طوال الوقت بالتشدد والتعصب والتطرف والإرهاب، فإن ما غاب عن الكثيرين هو أن مثل هذه الممارسات هي التي تؤدي إلى ذلك ردًّا على ما تأباه تقاليدنا ويتناقض مع شرائعنا، وهو ما يحتم على الأنظمة الرسمية التصدي بشكل واضح لهؤلاء وأولئك، الذين يشكلون نفايات نخبوية على الأصعدة كافة، من سياسيين وإعلاميين وحزبيين وفنانين وحقوقيين، دأبوا طوال الوقت على تشويه رموز الفضيلة من رجال الدين بشكل خاص، والتشكيك في الثوابت الدينية بشكل عام.

بقي أن نشير إلى أن الإنتاج التليفزيوني العربي والإسلامي، سواء كان رسومًا متحركة أو إنتاجًا دراميًّا، أصبح مسألة على قدر كبير من الأهمية، حتى لا يظل أطفالنا وشبابنا، عرضة لهذا الاستهداف، وحتى لا نظل نستجدي هؤلاء وأولئك، مع الوضع في الاعتبار أن ما يُنفق على شراء تلك البضاعة المسمومة، يمكنه صُنع الكثير محليًّا مما يتوافق مع أخلاقنا وقيمنا، في وجود كوادر على قدر كبير من الكفاءة في هذا المجال، لا ينقصها إلا الإرادة السياسية.

المصدر : الجزيرة مباشر