أزمة إف-16 هل تنهي التحالف الأمريكي التركي إلى الأبد

الرئيسان الأمريكي والتركي

يبدو أن العلاقات التركية الأمريكية مرشحة لمزيد من التوتر خلال الفترة المقبلة نتيجة عدم إحراز أي تقدم يذكر في مباحثات إتمام صفقة طائرات إف-16 المستمرة بين البلدين منذ أكثر من شهرين.

وهي الصفقة التي تم التوافق بشأنها بين الرئيسين التركي والأمريكي خلال لقائهما في يونيو/حزيران الماضي على هامش اجتماعات قمة العشرين التي عقدت في روما.

وقد وصفت وسائل الإعلام وقتها ذلك التوافق بأنه صفقة سياسية، فمقابل موافقة أنقرة على انضمام كل من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو تلبية لرغبة واشنطن، قبلت الأخيرة بيعها 40 طائرة مقاتلة من طراز إف-16 بقيمة مليار وأربعمئة مليون دولار، كانت تركيا قد دفعتها ضمن مشاركتها في إنتاج طائرة إف-35، الذي تم استبعادها منه بعد قيامها بشراء منظومة صواريخ إس-400 الدفاعية من روسيا، واعتبر الجانبان ذلك حلا للخلاف الذي نشب بينهما بسبب ذلك.

شروط الكونغرس التعجيزية تعرقل إتمام الصفقة

موافقة الرئيس الأمريكي قابلها شرطان وضعهما أعضاء الكونغرس لقبول إتمام عملية البيع، يقضي أولهما بأن تكون الصفقة متوافقة مع المصالح الوطنية الأمريكية، وثانيهما بضرورة أن تتعهد تركيا بعدم استخدام هذه الطائرات فوق الأراضي اليونانية، وهو الأمر الذي رفضته أنقرة بصورة قاطعة، حيث رأت أن الهدف من وراء الشرط الأول هو توفير الحماية لعناصر وحدات حماية الشعب الكردية بعد أن تعهد الرئيس أردوغان بإنهاء وجودهم في الشمال السوري، وإخراجهم من المنطقة.

أما الشرط الثاني فيأتي تلبية لضغوط اللوبي اليوناني في واشنطن، الذي يخشى من زيادة قوة تركيا الجوية والبحرية، خصوصا مع اقتراب انتهاء معاهدة لوزان، ومطالبة تركيا بضرورة تغيير الكثير من بنودها، وخاصة ما يرتبط منها بترسيم الحدود بينها وبين اليونان، لذا أوضحت أنقرة موقفها دون مواربة، مؤكدة على لسان وزير خارجيتها أن أي شروط من شأنها تقييد استخدام قواتها لهذه الطائرات لن يتم القبول بها تحت أي ظرف من الظروف.

خلاف سياسي وليس تقني أو عسكري

موقف الكونغرس الرافض لإتمام هذه الصفقة، والشروط التعجيزية التي وضعها وهو يعلم مسبقا أن تركيا لن تقبلها، يعكس حجم الخلاف السياسي الذي أصبح يهيمن على العلاقات الأمريكية التركية، ويوضح أن الأمر لا يرتبط بأسباب الرفض التي يسوقها المسؤولون الأمريكيون، والتي تدور جلها حول مخاوفهم من نقل التكنولوجيا المتطورة للطائرات المقاتلة الأمريكية إلى روسيا ما دامت تركيا متمسكة باستخدام صواريخ إس-400 ضمن منظومتها العسكرية.

فتركيا تمتلك أكثر من 250 طائرة من إف-16 منذ الثمانينيات، وهو رقم يجعلها الدولة الثالثة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي تستخدم هذه النوع من الطائرات المقاتلة، وبالتالي فهي على علم تام بجميع المعلومات المرتبطة بالتحديثات التي تم إدخالها على هذا النوع من الطائرات منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.

وهو ما يؤكد حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى أن تركيا، حليفتها الاستراتيجية السابقة، خرجت عن الدور المرسوم لها في السياسة الأمريكية، وأصبحت تتعامل مع الإدارة الأمريكية وفق سياسة الند بالند، وأن لديها رغبة قوية في التحرك العسكري المستقل بعيدا عن الرؤية الأمريكية، والعمل على اتخاذ قرارات أحادية في الصراعات الإقليمية بما يخدم مصالحها الخاصة حتى وإن كان ذلك يضر بالمصالح الأمريكية، بل ويعرضها للخطر.

وهو ما حدث، من وجهة النظر الأمريكية، في كل من ليبيا وسوريا، وخلال حرب أذربيجان وأرمينيا في 2020، وقيامها بدعم باكو سياسيا وعسكريا، إلى جانب تحركاتها في شرق المتوسط، والقيام بالتنقيب عن الغاز في أكثر من موقع، ورغبتها في لعب دور إقليمي وعالمي أكبر مما تتيحه لها الإدارة الأمريكية.

تحركات أمريكية ضد المصالح التركية وتجهيز بديل استراتيجي لها

هذه التحركات والقرارات أزعجت الكثيرين في واشنطن سواء داخل البيت الأبيض، أو بين أعضاء الكونغرس، وهو ما دفعهم إلى التحرك، ومحاولة التصدي لتركيا في الكثير من الملفات، علها تدرك حجم خطئها، وتعود إلى صوابها، مع تجهيز بديل لها إذا أصرت على مواقفها.

التحركات الأمريكية في هذا الإطار جاءت على عدة محاور، فالإدارة الأمريكية قامت بدعم وحدات حماية الشعب الجناح السوري لمنظمة حزب العمال الكردستاني، ومدها بالأسلحة الأمريكية المتطورة والقيام بتدريب عناصرها ودعمها لوجستيا بحجة مساعدتها على خطتها الرامية للقضاء على تنظيم الدولة، واختار الرئيس الأمريكي السيناتور بريت ماكغورك -المعارض الشرس لتركيا- ليكون المسؤول الأول في حملة القضاء على تنظيم الدولة بالتعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية.

هذا إلى جانب رفع حجم تعاونها مع اليونان، وقيامها بتجديد اتفاقية الدفاع المشترك معها، وزيادة وجودها العسكري على أراضيها، من خلال توسيع نطاق قواعدها العسكرية بها، حيث يرى عدد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية والكونغرس أن اليونان هي بالفعل المكان المناسب للوجود الأمريكي في المنطقة، وأنها تمثل البديل الأكثر مواءمة مع توجهات السياسة الأمريكية عوضا عن تركيا، التي أصبحت تمثل بتصرفاتها عبئا فعليا على الولايات المتحدة الأمريكية.

أما أعضاء الكونغرس فجاءت تحركاتهم على الصعيد التشريعي، وقاموا بكتابة مذكرات دعوا فيها وزارة الخارجية إلى رفض كل من عمليتي بيع وتحديث طائرات إف-16 التي تمتلكها تركيا، بل وصل الأمر بالسيناتور الديمقراطي روبرت منديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إلى التصريح بأنه لا يرى أن هناك إمكانية لإبرام أي صفقات جديدة تقضي ببيع أسلحة أمريكية لتركيا.

تركيا ومقايضة صفقة طائرات إف-16 بعضوية فنلندا والسويد في الناتو

إصرار تركيا على إتمام صفقة إف-16 يعود إلى أن هذا النوع من الطائرات المقاتلة يعد العمود الفقري لقواتها الجوية، كما أنها ترصد بدقة إقدام جيرانها على تعزيز قدراتهم الجوية، ولا تريد أن تتخلف عن الركب، فاليونان أبرمت صفقة مع فرنسا للحصول على مقاتلات رافال، وتسعى لتحديث طائراتها من طراز إف-16، كما تحاول الإمارات العربية المتحدة شراء الجيل الخامس منها الأكثر تطورا، في حين قامت إسرائيل بتعزيز قدرات قوتها الجوية بصفقة طائرات إف-35.

ولهذا فإن أنقرة تبدو هذه المرة أكثر إلحاحا في الحصول على هذا النوع من الطائرات، وستفعل كل ما بوسعها لتحقيق هذا الهدف حتى وإن كان الثمن في مرحلة لاحقة من المفاوضات هو التصدي للرغبة الأمريكية والوقوف ضد قبول عضوية كل من فنلندا والسويد بحلف الناتو، ما دام الكونغرس متعنّتًا ضدها ومواقف الإدارة الأمريكية فاترة في التعامل مع قضاياها المهمة.

المصدر : الجزيرة مباشر