الاتحاد ليس في أحسن حالاته

الدكتور يوسف القرضاوي

الفراغ الذي تركه فضيلة الإمام يوسف القرضاوي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يصعب أن يملأه غيره، ليس لأنه المؤسس صاحب الفكرة، وإنما لأن كل من عرف الشيخ يعرف أنه اجتمع فيه من المواهب ما تفرق في أمة، لذا كان بحق عالم القرن، وفقيه هذه المائة التي قارب على إتمامها حسب تاريخ ميلاده الهجري، حيث ولد في الثاني من ربيع الأول سنة 1345ه‍، تلك المائة المباركة التي ألف فيها مئتي كتاب جمعت في مئة مجلد.

ومن علامات التفرد في شخصية العلامة يوسف القرضاوي، أن جمع إلى سعة التأليف والكتابة، القدرة على التأليف بين القلوب، وكسب ود الكاشح البعيد، ومجاملة المحب القريب، وجعل الله له بركة في وقته، حتى صار نموذجا يحتذى في العلاقات الاجتماعية، إلى درجة تضاهي مكانته العلمية، وهذا في دنيا الناس من القليل النادر، بالإضافة إلى قيامه بواجب الدعوة والحركة، والحضور الإعلامي المتميز، حتى أصبح برنامجه “الشريعة والحياة” على قناة الجزيرة أيقونة في عالم الإعلام، ومدرسة مر بها وتخرج فيها رموز وأعلام، بداية من الأستاذ أحمد الشيخ، وأحمد منصور، وماهر عبد الله، وختاما بالأستاذ عثمان عثمان.

أزمة الريسوني

استخلف الشيخ القرضاوي على رئاسة الاتحاد فضيلة الدكتور أحمد الريسوني وهو إلى الأكاديمية أقرب، ولا يَخفى زهده في الإعلام والمنصب، الذي قد يكون معوقا عن الانطلاق في عالم الفكر، وأصحاب الأفكار يرهقهم الالتزام بوظيفة أو إطار، ويرون أن تحمل المسؤوليات الكبرى يحول دون الانطلاق الكامل في مجالات الفكر والأخذ والرد، كما أن المؤسسات الكبرى ولاسيما العلمائية منها، تدور في فلك المحكمات والثوابت، وهي إلى دور الإفتاء وهيئات كبار العلماء، أقرب منها إلى معاهد الفكر ومعارك المفكرين.

وبعد تصريحات أدلى بها الدكتور الريسوني إلى وسائل إعلام مغربية تعرض فيها لجيرانه في الجزائر وموريتانيا، اعتبر الاتحاد أن تلك التصريحات تعبر عن قائلها وحده، ولا تعبر عن رأي الاتحاد، وحاول قادة الاتحاد تدارك الأمر ورتق الفتق، ولكن اتسع الخرق على الراقع.

ومع تمسك الدكتور الريسوني بتصريحاته، أصبح الاتحاد في حرج، ولاسيما بعد تجميد علماء الجزائر عضويتهم فيه، وجاء الحل من عند الدكتور الريسوني نفسه، الذي قدم المصلحة العامة، وأراد للمؤسسة أن تتجاوز الأزمة، فتقدم باستقالته من رئاسة الاتحاد، ثم من عضويته فيه، فكلف مجلس الأمناء حسب اللوائح الداخلية أحد نواب الرئيس ليكمل الدورة الحالية، ووقع الاختيار على الدكتور سالم السقاف أحد كبار علماء إندونيسيا، ووزير الشؤون الاجتماعية السابق في بلاده. نسأل الله له التوفيق في أداء مهمته، والنهوض بالاتحاد لأداء رسالته، ولاسيما وأنه تحمل المسؤولية في ظرف دقيق، بعد الأزمة المغاربية التي تجاوزها الاتحاد أخيرا، وفي ظل استمرار بعض الدول العربية في تصنيف الاتحاد منظمة إرهابية، والتضييق على علمائه ودعاته.

تستمر رئاسة الدكتور سالم السقاف للاتحاد بضعة أشهر إلى نهاية الدورة الحالية، ولعلها تكون فترة نقاهة يلتقط فيها الاتحاد أنفاسه، ويخرج من مرحلة التجاذبات الأخيرة التي أنفق فيها وقتا وجهدا، ويستعيد بإذن الله عافيته، منطلقا لاستكمال دوره والقيام بحمله، لأن الأمة تعقد على العلماء آمالا كبيرة، وهم حصن العامة وملاذهم، ومسؤوليتهم عند الله عظيمة، أعانهم الله وجعلهم أئمة الهدى، ولسان الصدق الذي يدفع الردى.

المصدر : الجزيرة مباشر