في الصين المصائب لا تأتي فُرَادى!

لوغو هواوي في مؤتمر الذكاء الاصطناعي الذي عقد في شنغهاي أول سبتمبر الجاري

تمر الصين بفترة عصيبة، فالمصائب لا تأتيها فرادى. بعد جفاف وسيول جاءت الزلازل، من تحت مقاطعة ستشوان، لينضم عشرات القتلى إلى مئات الألوف الذين قضوا نحبهم تحت ترابها منذ سنوات قليلة. وسط الهزات الأرضية، دخلت عاصمة الإقليم تشنغدو في حجر صحي فُرض الأيام الماضية على 74 مدينة، يعيش بها 313 مليون نسمة.
وقد مرض الاقتصاد الصيني بدرجة خفضت 50٪ من نسبة النمو المتوقعة للعام الحالي. وانهار القطاع العقاري الذي يمثل 30٪ من الناتج المحلي، وتعرض 21 مليون شاب عمرهم ما بين 16-21 عاما للبطالة. زادت أزمة شركات التكنولوجيا التي كانت قاطرة التنمية للدولة، بما يمثل كارثة لكل عشاق صناعاتها الرخيصة، التي وفرتها بسخاء للعالم.

أزمة هواوي

ظهرت الطامة الكبرى، حينما كسر رن تشنغ فاي الرئيس المؤسس لشركة “هواوي تكنولوجيز”، حاجز الصمت حول الأزمة الخطيرة التي تواجهها شركته منذ سنوات، جعلها ” تكافح من أجل البقاء”. أشارت مذكرة وزعت على العاملين، وتسربت لوسائل الإعلام، نهاية أغسطس الماضي، إلى أن الشركة العملاقة، في طريقها إلى التخلص من أنشطة عديدة حول العالم، وغلق بعض شركاتها التابعة، لأن” السنوات العشر القادمة ستكون فترة مؤلمة للغاية”.

أصاب كلام رجل المخابرات السابق، 96 ألفا من العاملين بالشركة بصدمة قاسية، لكن الأزمة الحقيقية، انتابت العاملين في مجال الإعلام، الذين علقوا أهمية كبرى، على دور تكنولوجيا الجيل الخامس من شبكات الاتصال اللاسلكية 5G، التي ولدت على يد” هواوي ” منذ 10 سنوات، في دعم المهنة وسرعة تدفق المعلومات.

حوار بسرعة البرق

ولد” الجيل الخامس من شبكات الاتصالات” في ظل تقارب حميم بين الغرب والصين، استمر من عام 1979، وانتهي مع وصول الرئيس الحالي للسلطة عام 2012. دعتنا” هواوي” مع وفد صحفي من 40 دولة، لتطلعنا على اختراعها الجديد، والمشاركة بندوة على هامش ” إكسبو شنغهاي عام 2010. انبهر الحضور أثناء المشاركة في حوار مرئي عبر الهاتف المحمول، ينقل مباشرة بتقنية الجيل الخامس لشبكات الاتصالات، بسرعة مذهلة بين 5 مقرات للشركة في شينزن وبيجين، وشنغهاي على مسافة تزيد عن 1000 كيلو متر. كانت الولايات المتحدة وأوربا الأكثر ترحيبا بتبني تكنولوجيا “هواوي”، التي حرصت على تقديم أنظمة متكاملة، تشمل البنية الأساسية لشبكات الاتصال،” الجزء الصلب” وبرامج التشغيل “سوفت وير”. رغم انفرادها بالملكية الفكرية، إلا أن “هواوي” عملت على خفض الأسعار، بدرجة أزعجت شركات التكنولوجيا المنافسة بالأسواق الدولية.

اللعب مع الذئاب

تنفي “هواوي” صلتها بالدولة، وبمراجعة دقيقة لأصول الشركة، تبين أن الأسهم -التي يحملها ما يطلق عليهم” الموظفون المساهمون”- لا يمكن التصرف بنقل ملكيتها أو بيعها أو توريثها، وإنما تنقل الأصول للجنة النقابية التابعين لها، عند وفاة حامل الأسهم أو بالتقاعد أو مغادرة الشركة. وفي حالة تصفية لجنة نقابية، فإن الأصول تعود لهيئات نقابية أعلى من لجنة العاملين في” هواوي”، إلى أن تصل لمستوى النقابات المركزية المملوكة جميعها للدولة، ويشرف على إدارتها وأموالها الحزب الشيوعي الصيني.

توسعت أعمال” هواوي”، لتظل على قمة الشركات، التي تقيم مراكز الاتصالات وأبراج البث والهواتف. بشراكة مع شركة “ستار تايمز” الحاضنة الرسمية لتكنولوجيا تصنيع الأقمار الصناعية وصناعة معدات البث التلفزيوني وشبكات القنوات المدفوعة عبر الإنترنت، وبدعم مالي من الحكومة، أقام التحالف مؤسسات إعلامية، في نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، ومصر وأمريكا الجنوبية والمكسيك والصين وجنوب آسيا.

وظفت المؤسسات قدرات الصين التكنولوجية والاقتصادية المتصاعدة، في تمويل شبكات التلفزيون المحلية، في الدول المتعاونة معها، فأصبحت مدخلا للترويج للسياسات الصينية، والناقلة لرسائل إعلامها الدعائية المباشرة، أو تصحيح الصورة التي يرسمها الإعلام الغربي عن النظام الصيني.

غياب الرؤية

خرجت ” هواوي” عن رسالتها، بأن خلطت بين دورها كمنافس صناعي لتكنولوجيا الغرب، وخلق نموذج إعلامي بديل، يروج لأيديولوجيا نظام يجبر محركات البحث وشركات الهواتف والمعاملات المالية، عبر الإنترنت على تقديم ما لديهم من معلومات سرية، عن عملائهم، إلى حكومة استبدادية تقمع الحريات، وتوظف ما تحصل عليه من بيانات، في ملاحقة المعارضين.

دعمت “هواوي” مشروعات شركة غلوبال تايمز، التي أسستها الحكومة لممارسة الإعلام الدعائي بالإنجليزية بالداخل، وفي الخارج بنحو 46 لغة، بالمشاركة مع هيئة تلفزيون وإذاعة الصين الدولية، وإقامة إذاعات بالقرب من البيت الأبيض وأخرى بإيطاليا وفرنسا وفنلندا، وإسطنبول والقاهرة، بالإضافة إلى امتلاك عشرات المواقع الإخبارية، وصفحات التواصل الاجتماعي.

كشف تقرير لوكالة” رويترز”، عام 2015، عن ممارسة فرع إذاعة “غلوبال تايمز”، بواشنطن الدعاية السوداء داخل الولايات المتحدة، بالمخالفة للقوانين”، بما دفع المباحث الفيدرالية، إلى تتبع نطاق البث الإذاعي، لمعرفة مدى تداخله مع شبكات اتصالات البيت الأبيض ومنعه من ممارسة التجسس على المقر الرئاسي.

دفعت “هواوي”، ثمن الطموح السياسي للرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي خصص 100 مليار دولار، عام 2013، لتحديث وسائل الإعلام الصينية المحلية والدولية، ليكون” صوت الصين مسموعا”.

أمام فوهة المدافع

تسببت الصراعات السياسية بين بيجين وواشنطن، في وضع “هواوي” أمام فوهة المدافع. حظرت الولايات المتحدة، “هواوي” ومنعت التعامل مع وسائل إعلام صينية، تروج لقصص الحزب الشيوعي، عبر توظيف القدرات التكنولوجية لـ “هواوي” وأخواتها في مراقبة المستخدمين، والمساعدة في القبض على من ينقلون الأحداث من داخل الصين. جاءت كارثة انتشار كوفيد 19، ومن بعدها الحرب الروسية في أوكرانيا، حيث وظفت الصين طاقاتها التكنولوجية، وشبكات التواصل الإعلامي التي تمولها، في دعم الموقف الروسي، و”تقديم رسائل مضللة”، عن مصدر الوباء وتطورات الحرب، لتضع الغرب على مفترق طرق مع بيجين.

خسرت “هواوي” المعركة، بعد أن حولت كنزها الثمين، الذي كاد أن يحولها إلى عملاق صناعة “الميديا في العالم”، إلى وسيلة رخيصة في يد نظام معادي للصحافة، يحجب المواقع، التي لا تسير في ركابه، ويلاحق أصحاب الرأي ويوجه الإعلام للدعاية السوداء، ويعوق حرية تداول المعلومات.

المصدر : الجزيرة مباشر