11 سبتمبر بداية السنة المصرية الجديدة.. ماذا تعرف عن التقويم الشمسي؟!

قصة الأيام الخمسة المنسية

الملكة نفرتاري (نفرتيتي) تلعب لعبة (السبنت) السنة

كان المصريون القدماء بارعين في العديد من العلوم المختلفة كالطب والزراعة والتحنيط والفلك، وتركوا لنا اختراعات عديدة تشهد على مدى براعتهم وتقدمهم الذي لم يسبقهم أحد فيه.

من بين هذه الاختراعات اختراع التقويم الشمسي قبل 6 آلاف و246 عاما، وهو تقويم يساعد المزارعين، ويحدد لهم ظروف المناخ، ومدى ملاءمته للزراعة، وأنواع المحاصيل التي يقومون بزراعتها خلال العام.

الاحتفال بالسنة المصرية الجديدة

مع شروق يوم 11 سبتمبر (1 توت) من كل عام، تبدأ السنة المصرية الجديدة. أو ما يعرف باسم “وبت رنبت” أي افتتاح السنة، ويعرف لدى أقباط مصر بعيد النيروز، بمظاهر احتفالية عدة، تتضمن الذهاب إلى الحدائق والحقول، وصناعة الكعك والفطائر، في الأيام الخمسة المنسية من العام.

السنة المصرية كانت تتكون من 12 شهرًا، ومجموع أيام السنة 360 يومًا، ثم أضافوا إليها الأيام الخمسة المنسية، لتكملة باقي الشهور.

هذه الأيام نقشت قصتها على جدران الممر الأفقي لهرم “أوناس” من الأسرة الخامسة (2400 ق.م) بمنطقة سقارة، ولهذه الأيام قصة طريفة يرويها لنا سامي حرك، الكاتب والباحث في دراسات الهوية المصرية، فيقول (إن الشمس “رع” لم تعجبه العلاقة التي بين السماء “نوت” والأرض “جب”، فأمر الهواء “شو” أن يفرق بينهما، وأقسم ألا يتقابلا في أي يوم من أيام السنة الـ360.

لم يرض “تحوت” بالتفريق بين الحبيبين “نوت” و”جب”، فطلب من الشمس “رع” أن يلاعبه لعبة تشبه الشطرنج، تسمى “سنت/ سنة”.

وافق “رع”، ولكنه اشترط أن من يخسر يُحكم عليه، واستطاع (توت/ تحوت) أن يغلبه، وحكم عليه بخلق خمس أيام إضافية للسنة، حتى لا يسري قسمه على هذه الأيام الخمس.

بمجرد أن عرفت الأرض والسماء، تقابلا ثانية، وأنجبا خمسة (أوزوريس/ ست/ حورس الكبير/ إيزيس/ نفتيس) ليكونوا أول مخلوقات نزلت الأرض وعمرتها، حسب الثقافة المصرية القديمة).

أشهر السنة المصرية

ولأن الدين كان يلعب دورًا مهمًّا في حياة المصري القديم، فقد أطلقوا على أشهر السنة أسماء معبوداتهم، التي تحولت فيما بعد إلى أسماء قبطية، وهي:

1- توت، نسبة إلى الإله توت رب الكتابة، والعلم والحكمة، وإليه يُنسب التقويم المصري

2- بابه، نسبة إلى الإله حابي، إله النيل

3- هاتور، نسبة إلى حتحور إلهة الجمال والعطاء

4- كيهك، ويأتي من الاسم الهيروغليفي “كا-ها-كا” وهو العجل المقدس أبيس

5- طوبة، نسبة إلى الإله أمسو أو طوبيا “إله المطر” الذي اشتق منه اسم مدينة طيبة

6- أمشير، نسبة إلى الإله مخير، إله الريح والزوابع

7- برمهات، يعني باللهيروغليفية بامونت أي الحرارة

8- برمودة، نسبة إلى الإله رنودة، إله الحصاد

9- بشنس، نسبة إلى خنسو، إله القمر

10- بؤونة، نسبة إلى الإله خنتي، أحد أسماء حورس، وهو إله المعادن

11- أبيب، وهو مشتق من أبوفيس، وهي الحية التي قتلها حورس، إله الظلام والفوضى

12- مسرى، وهو مشتق من كلمة “مس-إن-رع” وتعنى ولادة رع

13-الشهر الصغير أو النسئ “أبد-كوجي-نسي”

ولا تزال هذه الشهور، مستخدمة في مصر ليس فقط على المستوى الكنسي، بل على المستوى الشعبي في الريف المصري، حيث يعتمد عليها المزارعون في مواسم الزراعة، وجمع المحاصيل، وهم بذلك يسيرون على خطى أجدادهم القدماء، منذ آلاف السنين.

ولأن التقويم المصري يرتبط أساسًا بالزراعة، فقد قسم المصريون القدماء السنة إلى ثلاثة فصول، هي “آخت” الفيضان، و”برت” الزراعة، و”شمو” الحصاد، كل فصل منها أربعة أشهر.

الأدلة والقرائن على معرفة المصري القديم بالتقويم

يتم احتساب سنوات التقويم المصري، حسب أجماع علماء المصريات والآثار والفلك، اعتبارًا من السنة 4241 قبل الميلاد، وهي توافق تاريخ أقدم دورة للنجم “سبدت” كما يقول سامي حرك.

ويشدد حرك على وجود أدلة وقرائن، تؤكد معرفة المصري القديم للتقويم: منها قرينة دائرة صخرية على هيئة مظلة شمسية، منذ زمن يزيد على 4000 سنة ق.م، وجدت في بلدة “نبطة” جنوب أسوان، ويحتفظ متحف النوبة بنموذج منها، تحدد الاتجاهات الأصلية الأربعة، كما تشير إلى اتجاه النجم “سبدت” المرتبط بالفيضان.

هناك أيضًا قرينة، قسمة طول قاعدة الهرم الأكبر (2650 ق.م في مرحلة الأسرة الرابعة) بالبوصة ÷ 25 بوصة، مساوية لوحدة القياس المصرية 365،25، أي الرقم الصحيح لعدد أيام السنة.

ومن الأدلة الكتابات التي وجدت في الممر الأفقي من هرم ونيس/ أوناس (الأسرة الخامسة 2400 ق.م) وتتحدث عن قصة “خلق السنة” بشكل أسطوري، يوضح كيف تم تصحيح عدد أيام السنة من 360 إلى 365 يوما.

وحجر باليرمو (2375 ق.م) يؤرخ لعدد سنوات كل ملك، في قائمة شملت أسماء الملوك السابقين للأسرة الخامسة، وتتضمن القائمة ذكر عدد من الأعياد، منها عيد “حب-سد”، وعيد الجلوس على العرش، وعيد توحيد الأرضين “سما تاوي”.

ومنها رسوم فصول السنة الثلاثة، الكائنة على حائط مقبرة “مري-روكا” (الأسرة السادسة – وزير الملك تيتي الأول 2323 ق.م).

ووثيقة الزودياك، في سقف مقبرة “سننموت” (الأسرة 18- وزير الملكة حتشبسوت/ الدير البحري/ البر الغربي/ الأقصر).

وغيرها من الأدلة الخاصة بعدد كبير من ملوك مصر، خلال الأسر المختلفة، التي تحدد يوم وشهر وسنة تولي الحكم، اعتبارا من اليوم التالي لانتهاء حكم الملك السابق، وعدد السنوات التي قضاها الملك نفسه، وكذلك المناسبات المشهورة المميزة خلال فترة حكم كل ملك.

ليس التقويم الشمسي فقط الذي اخترعه المصري القديم، بل كان هناك تقويم آخر ديني هو التقويم القمري الذي يعتمد على دورة القمر، وكان يستخدم بشكل أساسي في تنظيم المناسبات الدينية.

وتبقى الحضارة المصرية، أعرق الحضارات عبر التاريخ ويبقى المصري القديم، معجزةً خرافية أذهلت العالم، وتبقى مصر هي فجر الضمير الإنساني.

المصدر : الجزيرة مباشر