بيلوسي أشعلت النيران.. فلماذا دفنت الصين رأسها في الرمال؟!

نانسي بيلوسي في تايوان

 

أشعلت الساحرة العجوز النيران، وأفلتت بعد أن دفعت الصين إلى أعمال جنونية، قللت من قيمتها بوصفعا قائدا عالميا. زارت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي تايوان 19 ساعة، الأسبوع الماضي، متخطية كل الخطوط الحمراء التي حددتها الصين، قبل أن تطأ قدماها مطار سونغتشان في تايبيه.

وصف مراقبون الزيارة المتوقعة منذ أشهر بأنها “جريئة وفي الوقت المناسب”، بينما استقبلها الصينيون -كما توقعنا- باستنفار عسكري وإعلامي شديدين، وبعد أن غادرت بيلوسي المنطقة، أطلقت بيجين مناورات جوية وبحرية ومئات الصواريخ.

المجد للشهداء

لم تقدر الصين على إخافة الولايات المتحدة، رغم لعب بيلوسي بالنيران، وتحذير الرئيس شي جين بينغ، بأنها ستحرق صاحبها. لم تحترق بيلوسي بالنيران التي أشعلتها، فقد ذهبت إلى الصين ولم يكن لديها ما تخسره.

استهدفت بيلوسي من الزيارة الخاطفة، توجيه رسالة مؤلمة إلى الصين وناعمة لأصدقائها في تايوان، حققت الأولى الانتقام من النظام الشيوعي الذي سبق أن ألقى القبض عليها عندما زارت بيجين ضمن وفد من نواب الكونجرس عام 1991، عندما رفعت لافتة سوداء في ميدان تيانانمين، كُتب عليها “المجد للشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل قضية الديمقراطية في الصين”.

أثارت اللافتة التي كانت تخفيها بيلوسي عن الأعين غضب السلطات، فرحّلوها بعد ساعات، بينما كانت بيجين تتمتع بعلاقات حميمية مع واشنطن، بعد مرور عامين على مذابح الطلاب الذين نادوا بالديمقراطية واعتصموا بالميدان السماوي، إلى أن سحقتهم الدبابات.

تغتنم بيلوسي كل فرصة لإحراج القادة الصينيين، فتطالبهم باحترام حقوق الإنسان وحريات الأقليات من الإيغور والتبت وهونغ كونغ، وتستقبل قادتهم رسميا بالكونجرس. أما زيارتها لتايوان، فقد جاءت لتكسر شوكة الحزب الشيوعي و”مبدأ الصين الواحدة”، بدعمها حكومة تساي أونغ ون رئيسة البلاد، التي ترفض الانضمام إلى الصين، حاليا أو في المستقبل.

كسبت بيلوسي دعما كبيرا من حزبها الحاكم، ورغم ما أثارته زيارتها من توتر دولي، وتراجع في أسواق المال، ومنع رحلات مدنية دولية من المرور فوق مضيق تايوان، استمر يومان، فقد انضم إلى دعمها مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، وللمرة الأولى نواب بالحزب الجمهوري المعارض، واعتبروها “على حق” في ما فعلته من عون لنظام ديمقراطي.

عودة للانتقام

وجهت بيلوسي رسالة قوية للأنظمة الاستبدادية، عندما قصرت زيارتها على المتحف الوطني لحقوق الانسان، والالتقاء بعائلات السياسيين المعتقلين داخل الصين، أو فروا منها، مثل عائلة القيادية بالحزب الشيوعي (كاي شي) والكاتب (لي مينغ).

في المقابل، كان لدى الرئيس (شي) الكثير من الخسائر. لم ينفذ ما وعد به رجاله، من أعمال انتقامية ضد الولايات المتحدة مباشرة. اكتفى المسؤولون بوضع بيلوسي على قائمة موجودة بها منذ سنوات، “الممنوعون من دخول الصين” وحظروا أسرتها في القرار الجديد.

رفض وزير الخارجية الصيني مصافحة نظيره الأمريكي في لقاء مجموعة “آسيان” الذي عُقد الجمعة الماضية، في بنوم بنه عاصمة كمبوديا، وفضّل الجلوس على بعد 6 مقاعد منه، بالقرب من وزير الخارجية الروسي. خرج الوزير الأمريكي من الاجتماع ليقول للصحفيين “سنواصل التزامنا بأمن حلفائنا في المنطقة، وسنطير وسنبحر ونعمل أينما يسمح القانون الدولي”.

مقاطعة وهمية

أصدرت الجهات الصينية أمرا بوضع قائمة محظورات للاستيراد والواردات من تايوان، وبالبحث عنها، تبين منعها تصدير البرتقال والليمون والفاكهة، وحظر استيراد الأسماك فقط، بينما لم تمس الواردات أو الصادرات الأمريكية.

ظل الإعلام الصيني الدولي والمحلي، يذيع المناورات العسكرية التي تجريها الصين حول جزيرة تايوان، وكأن الدولة في حالة حرب حقيقية، انخدع بها كثير من العرب. مساء يوم الجمعة، كلف الحزب الشيوعي قواعده المتعصبة، التي تدير كتائب حروب الإنترنت على شبكات التواصل، بمحو الكتابات التي تنادي بالحرب على الولايات المتحدة وغزو تايوان. قال أحدهم على موقع (وي شات) إن “وطنية الجمهور جيدة جدا، ولكن الدعوات للحرب لم تكن حكيمة، يجب أن نعرف أن الهدف النهائي هو إعادة وحدة الوطن الأم، بأقل تكلفة وليس بدء الحرب”.

تغيّر كلام الجمهور إلى النقيض، بعد أن جاءت التعليمات العليا بالتهدئة”، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية “الشعب الصيني وطني وعقلاني”، فاعتبر المتعصبون قرار الحكومة بخفض التصعيد كان حكيما.

دفن الرؤوس بالتراب

اعترض قوميون من مواقع التواصل الأجنبية على تراجع النظام، واعتبروه نوعا من الهزيمة أمام “وقاحة الساحرة الشريرة والانفصاليين في تايوان، يدفعهم إلى دفن رؤوسهم في التراب”، مع ذلك لا يهتم المرشد الروحي الأعلى (شي) بهؤلاء “المارقين”، فلديه قناعة بأنه قادر على استنفار الروح القومية وقتما يريد، وأيضا يوقفها وقتما يشاء.

أثار (شي) حربا تصعيدية ضد واشنطن وتايبيه، وهو على قناعة بأنه لن يكمل المواجهة مع الولايات المتحدة إلى آخرها، فهو بحاجة إلى الهدوء السياسي، لتجديد رئاسته للدولة، ودفع الاقتصاد المتهاوي، ولكنه يمارس استراتيجية الردع و”التصعيد للتراجع”. يستمد (شي) أفكاره من موروث صيني يعتمد على ردع العدو من أجل التأثير فيه بوقف الحرب، عن طريق تصعيد الأزمة بإدارة معركة صغيرة، وها هو يحققها بمناورات ساخنة في مضيق تايوان، قد تستمر لأشهر دون أن تخدش أحدا.

فالصين ستظل الشريك التجاري الأول لتايوان والولايات المتحدة وأوربا وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزلندا. فحجم التجارة بين الصين وتايوان فقط، بلغ 273 مليار دولار عام 2021، وفي حال غزوها سيفقد العالم 90% من رقائق أشباه الموصلات، التي تنتج في الجزيرة بمفردها، بما يعطل مصانع وآلات الصين وأمريكا والعالم.

 

في مرمى الاستبداد

سجل المراوغون الأمريكيون وحلفاؤهم هدفا في مرمى الصين، بما يمتلكونه من مؤسسات ديمقراطية تجيد توزيع الأدوار، وتراوغ بكفاءة في مواجهة الخصم، لا سيّما مع دولة قوية صاعدة، أطلقت مبادرة لتغيير نظام عالمي، تهيمن عليه واشنطن منفردة، بينما ما زالت بيجين يديرها نظام فردي استبدادي غير ذكي، لا يعرف كيف يتجنب حدوث أزمات غير مرغوب فيها، حينما يدفعه إليها آخرون!

المصدر : الجزيرة مباشر