مكانة أوكرانيا في الاقتصاد المصري

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

أشار تقرير صدر حديثا من جهاز الإحصاء الحكومي المصري إلى بلوغ نصيب أوكرانيا، من متحصلات مصر من العملات الأجنبية من دول العالم نسبة واحد في الألف بسبب قلة الصادرات المصرية إليها في العام المالي 2020/2021، أي قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بسبعة أشهر، وبلغ نصيب أوكرانيا من مدفوعات النقد الأجنبي من مصر لدول العالم، في نفس السنة نسبة 1.3% بسبب كبر قيمة واردات الحبوب المصرية منها.

فقد بلغت قيمة موارد النقد الأجنبي الداخلة إلى مصر من أوكرانيا 175.5 مليون دولار من إجمالي 126.7 مليار دولار من دول العالم، وتوزعت تلك الموارد الدولارية من أوكرانيا بين 74 مليونا من السياحة و37 مليونا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة، وأقل من 37 مليون دولار من الصادرات السلعية المصرية إلى أوكرانيا، و24 مليون دولار من خدمات النقل ورسوم المرور بقناة السويس، و مليونين تحويلًا من المصريين العاملين بها، ونصف مليون دولار من خدمات أخرى فضلا عن السياحة والنقل.

وعلى الجانب الآخر بلغت قيمة المدفوعات المصرية لأوكرانيا مليار و679 مليون دولار، من إجمالي مدفوعات مصرية للعالم بلغت 129.5 مليار دولار، ونالت الواردات السلعية ومعظمها من الحبوب النصيب الأكبر من المدفوعات بمبلغ 1.3 مليار دولار، إلى جانب 358 مليون دولار سداد أقساط لجهات أوكرانية، و12 مليون دولار تحويلات من الأوكرانيين العاملين بمصر إلى بلادهم، ومليونان دولار من خدمات النقل عبر الطائرات والسفن المصرية إلى المطارات والموانئ الأوكرانية، و مليون دولار لسياحة المصريين بأوكرانيا ومثله من النفقات الحكومية ونفس القدر لخدمات أخرى فضلا عن النقل والسياحة.

    فائض أوكراني مع مصر سنوات طويلة

وبلغ العجز بين المتحصلات والمدفوعات 1.5 مليار دولار، وهو عجز دائم لصالح أوكرانيا منذ 17 عاما، وهي المدة التي توفرت خلالها بيانات المتحصلات والمدفوعات المصرية مع أوكرانيا. وكانت قيمة العجز أكبر من ذلك خلال السنوات الماضية، والأخطر من قيمة العجز هو تدني نسبة تغطية المتحصلات للمدفوعات لتتراوح بين 3% و10% غالبا، ولم تتخطّ تلك النسبة إلا في ثلاث من تلك السنوات السبع عشرة.

وتشير البيانات التفصيلية للمتحصلات إلى صغر نصيب أوكرانيا من موارد السياحة المصرية، خلال السنوات الأخيرة رغم الدعاية الرسمية بكثرة عدد السياح القادمين من أوكرانيا وتأثر السياحة المصرية بالحرب الروسية الأوكرانية. فخلال السنوات الخمس المالية من 2016/ 2017 إلى 2020/ 2021، بلغت الإيرادات السياحية المصرية من أوكرانيا 332 مليون دولار بمتوسط سنوي يبلغ 66 مليون دولار.

وفي العام المالي 2020 / 2021 أي قبل نشوب الحرب بأكثر من نصف عام، بلغت إيرادات السياحة المصرية من أوكرانيا 74 مليون دولار تمثل نسبة 2.4% من مجمل إيرادات السياحة من دول العالم، وهي أعلى نسبة خلال السنوات المالية الخمس المذكورة، حيث ظل النصيب النسبي لأوكرانيا أقل من 2% دائما.

والملاحظ أن رقم إيرادات السياحة من أوكرانيا في العام المالي المذكور، كان أعلى منه في باقي دول شرق أوربا، حيث بلغت الإيرادات السياحية لمصر في نفس العام المالي 51 مليون دولار من روسيا و15 مليون دولار من بيلاروسيا، و14 من رومانيا، و12 مليون دولار من بولندا، و7 ملايين دولار من مولدافا، وهو ما يدحض مقولة تأثر السياحة المصرية بشكل حاد بنشوب الحرب الأوكرانية.

سياحة أوكرانية قليلة الإنفاق

ويفسر التناقض بين الدعاية الرسمية بكثرة أعداد السياح القادمين إلى مصر من دول شرق أوربا وبين تلك الإيرادات المحدودة، أن غالب تلك السياحة تأتي عبر رحلات طيران شارتر، ويقوم صندوق السياحة المصري بدعمها، وبالتالي فهي سياحة ضعيفة الإنفاق، إلى جانب عدم نشر وزارة السياحة أو جهاز الإحصاء بيانات عدد السياح القادمين إلى مصر، منذ فترة تولي الدكتورة رانيا المشاط الوزارة وحتى الآن.

ونفس المحدودية للإيرادات السياحية من أوكرانيا تكررت مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الورادة منها، التي بلغت قيمتها خلال السنوات المالية من 2016/ 2017  إلى  2020/ 2021، نحو 177 مليون دولار بمتوسط سنوي يصل إلى 35 مليون دولار، وظل النصيب النسبي للاستثمارات المباشرة الواردة من أوكرانيا من مجموع الاستثمارات المباشرة الواردة من دول العالم، يدور حول نسبة ستة في الألف أو أقل خلال تلك السنوات الخمس المذكورة.

ويتضح مما سبق أن التجارة السلعية بين مصر وأوكرانيا ظلت تستحوذ على النصيب الأكبر، من التعامل الاقتصادي بين البلدين طوال السنوات الـ17 الأخيرة، وهو ما تؤكده بيانات التجارة الخارجية المصرية بالعام الميلادي الماضي حسب بيانات جهاز الإحصاء المصري، حيث بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى أوكرانيا 124.5 مليون دولار، بنسبة ثلاثة في الألف من قيمة الصادرات المصرية إلى دول العالم، ولتحتل أوكرانيا المركز 57 بين الدول التي صدرت إليها مصر حسب القيمة.

أما الواردات من أوكرانيا فقد بلغت قيمتها 1.792 مليار دولار بنسبة 1.5% من مجمل الواردات المصرية، لتصل نسبة تغطية الصادرات للواردات مع أوكرانيا إلى أقل من 7%، فتحتل أوكرانيا المركز الحادي عشر بين دول الواردات المصرية حسب القيمة، ولتصل التجارة بين البلدين إلى 1.917 مليار دلار فتحتل أوكرانيا المركز العشرين بين شركاء التجارة لمصر.

وفي الشهور الأربعة الأولى من العام الحالي التي شهدت نشوب الحرب في شهر فبراير/شباط الماضي، بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى أوكرانيا 22 مليون دولار، في حين بلغت قيمة الواردات منها 748 مليون دولار، لتصل قيمة التجارة 770 مليون دولار، وقيمة العجز التجاري 726 مليون دولار، ونسبة تغطية الصادرات للواردات أقل من 3%.

وتسببت الحرب في تراجع قيمة الصادرات المصرية إلى أوكرانيا بنسبة 35% مقارنة بنفس الأشهر الأربعة من العام الماضي، بينما زادت قيمة الواردات بنسبة 14%، وارتفعت قيمة التجارة بنسبة 12%.

 مركز متأخر لمصر في واردات أوكرانيا

وجاء كبر حجم الواردات المصرية من أوكرانيا في ضوء احتلال أوكرانيا المركز الخامس بالعالم في صادرات القمح العام الماضي، والمركز الثالث في صادرات الذرة والمركز الأول في صادرات زيت عباد الشمس، في حين تحتل مصر المركز الأول عالميا في استيراد القمح، والمركز السادس عالميا في واردات الذرة، كما تستورد مصر غالب استهلاكها من زيت الطعام.

لكن بيانات الأونكتاد الخاصة بواردات الدول من قمح أوكرانيا وروسيا العام الماضي، قد أشارت إلى أن روسيا قد وفرت لمصر 60% من وارداتها من القمح العام الماضي، ووفرت أوكرانيا نسبة 20% منها، وأكدت ذلك بيانات المكتب الزراعي بالسفارة الأمريكية بالقاهرة استنادا إلى بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، من أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة قد وفرت روسيا لمصر نسبة 60% من وارداتها من القمح، في حين وفرت أوكرانيا نسبة 22% منها.

ويعود تفضيل الاستيراد من البلدين إلى أسعارهما التنافسية، وانخفاض تكلفة الشحن لقصر المسافة نسبيا عبر البحر الأسود، وقلة الوقت اللازم لوصول سفن الحبوب إلى الموانئ المصرية مقارنة بباقي دول توريد القمح إلى مصر.

وفي واردات مصر من الذرة في العام المالي 2020/ 2021 كان نصيب الأرجنتين 3.46 ملايين طن، وأوكرانيا 2.4 مليون طن والولايات المتحدة 466 ألف طن، وهو ما يعني أن أوكرانيا لم تكن الموردة الأولى إلى مصر سواء في القمح أو في الذرة، مما يدحض تضخيم تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على مصر بالنسبة لاستيراد الحبوب، خاصة أن الواردات من الحبوب من روسيا لم تتوقف خلال الحرب الدائرة حاليا، بل ومن أوكرانيا أيضا بعض الوقت، كما أن مصر لديها قائمة بسبع عشرة دولة معتمدة لاستيراد القمح منها، وأجرت مؤخرا مباحثات لضم المكسيك وباكستان إلى تلك القائمة فضلا عن الهند التي تم ضمها مؤخرا.

وعلى الجانب الآخر وبالنظر إلى مكانة مصر على خريطة التجارة الأوكرانية العام الماضي، فقد جاءت مصر في المركز التاسع للصادرات الأوكرانية، بينما جاءت السعودية بالمركز 22 في تلك القائمة والمغرب في المركز 30، والإمارات 31 والجزائر 35 وتونس 38 ولبنان 39، وهو ما يشير إلى عدم اعتماد تلك الدول بشكل كبير على الحبوب الأوكرانية.

وعلى الجانب الآخر الخاص بالواردات الأوكرانية من دول العالم في العام الماضي، فلم تتضمن القائمة أي دولة عربية حتى المركز 46 الذي احتلته السعودية، في حين جاء ترتيب مصر في المركز 51 للواردات الأوكرانية.

المصدر : الجزيرة مباشر