“أفول الغرب” في أعين مفكري الغرب

شيخ الأزهر

“أفول الغرب” .. “موت الغرب” .. “انتحار الغرب”: ليست تخرصات لحفنة من المنجمين، ولا فزّاعات لأهل الغرب المترفين، ولا أمنيات لأهل الشرق المعذبين، وإنّما هي عناوين لكتب سيَّارة، ألفها علماء ومفكرون ليسوا متهمين في انتمائهم لحضارة الغرب ومَدَنِيَّتِهِ؛ فما وَجْهُ الاستهجان الذي يُبْديه العاطلون تجاه شيخ الأزهر حين رأوه  يحمل كتاب “أفول الغرب” للمفكر المغربي حسن أوريد؟! فإن كان الذي استفزهم هو اعتناء شيخ الأزهر بهذه المسائل؛ فهم جاهلون بحقيقة رسالة الأزهر، وإن كان الذي استنفرهم لشنّ الغارة هو غيرتهم على الحضارة الغربية التي ينتسبون إليها بالادعاء كانتساب الرجل إلى غير أهله؛ فإنّ حديث المفكرين الغربيين عن أفول الغرب قد ملأ الآفاق!

بين أوريد وأوسفالد

وإذا كان المفكر المغربي قد ناقش المسألة من خارج البيت الغربيّ، وانطلق في مناقشتها من الواقع العربيّ الذي ربط مصيره بالغرب؛ فإنّه ليس مثلهم في الغوص في نسيج الحياة لاستكناه الأسباب العميقة وراء الانهيار الوشيك، ويكفيك لإدراك الفرق أن تقارن بين كتابه وكتاب “أوسفالد شبنغلر” الذي حمل نفس الاسم “أفول الغرب” وإن كان في الترجمة العربية حمل اسم: “تدهور الحضارة الغربية”، ففي هذا الكتاب -الذي عدّه النقاد أفضل كتاب نشر في النصف الأول من القرن العشرين- غاص المؤلف في أعماق الثقافة الغربية وكذلك الثقافات التي أثرت فيها؛ ليخرج بالأسباب التي تحدث فيها بعد ذلك آخرون.

الرعب الديمغرافي

إنّ مسألة “أفول الغرب” لها أسباب موضوعية، تناولها مفكرو الغرب وبنوا عليها توقعاتهم، وقد تنوعت بين أسباب فكرية وأخلاقية واقتصادية وسياسية وديمغرافية، ونبدأ من “باتريك بوكانن” الذي وضع كتابه الشهير: “موت الغرب” وقال فيه: “الغرب يموت؛ لقد توقفت أممه عن التكاثر، وتوقف سكانه عن النمو وبدؤوا الانكماش، ولم يقم منذ الموت الأسود الذي حصد أرواح ثلث سكان أوربا في القرن الرابع عشر تهديد أخطر لبقاء الحضارة الأوربية من هذا الخطر الماثل”، وينقل عن التايمز اللندنية: “الأوربيون أنواع تتلاشى” وعن “بيتر أف دركر”: “إنّ أهم حقيقة مفردة جديدة -ولو لم يكن ذلك إلا بسبب أنّها حقيقة ليس لها سابقة في التاريخ كله- هي انهيار نسبة الولادات في العالم المتقدم كله”.

وإذا كانت أمريكا أقل تعرضا من أوربا للمخاطر الديمغرافية التي أثارها “بوكنان” فإنّها تختص بخطر يأكل الإيجابية الديمغرافية ومعها التفوق الاقتصادي، وهو أنّ الأمريكيين -بحسب كتاب “عالم ما بعد أمريكا”- “يستهلكون أكثر مما ينتجون، ويعوضون الفرق بالاقتراض… فارتفع الدين العائليّ من 680 مليار دولار 1974 إلى 14 تريليون دولار في 2008م… وتمتلك العائلة المتوسطة اليوم 13 بطاقة ائتمانية وتستدين بمبلغ 120000 دولار كرهن عقاري”.

العامل الأخلاقي

وفي كتاب “انتحار الغرب” يقول “ريتشارد كوك”: “كَسَبَ الغرب كَسْبًا هائلًا في الوحدة الاقتصادية والازدهار والقوة العسكرية، ولكنه تدهور بشكل ملحوظ في التماسك الاجتماعي والقوة الأخلاقية”، ويجمل “ألفريد إيكس الابن” التردي الأخلاقي في هذه الجوامع: “الاتجار بالبشر والسخرة وظروف العمل السيئة والمنتجات غير الآمنة وتدمير البيئة؛ هذه جميعها قضايا مستمرة” بينما يفصل الكثيرون، فهذا “وائل حلاق” يقول: “المنظرون للفكر الحداثيّ يواجهون ثلاثة نواقض لفكرهم، أولها: أنّ ما عانته البشرية قبل العصر الحديث من فقر وجوع ومرض بأسباب طبيعية عانته في العصر الحديث بأسباب من صنع الإنسان وهي الرأسمالية والنزعة التصنيعية وفساد البيئة. ثانيها: أنّ العصر الحديث شهد وحده بلا منازع حالة التفكك في بُنَى الأسرة والمجتمع في ظل الدولة الرأسمالية الحديثة؛ مما كان له أثره في إنتاج شخصية فرد مغترب شديد النرجسية. ثالثها: مشروع الدمار الذي يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة ويصوغها بالصورة التي تضر بهما معًا”.

تراجع القيم السياسية

يقرر “موريس دوفرجيه أنّه: “ليست كل دول العالم الحالي ديمقراطية، على العكس؛ غالبيتها أحادية، وعلى درجة من القمعية، لكنها جميعًا تدعي الانتماء للقيم الديمقراطية”، وإذا كان دوفرجيه قد لمس الواقع بلطف فإنّ غيره كان أكثر صراحة، فهذا “موغنس هيرمان هانسن” بعد استقراء للخروقات يقرر أنّ: مبدأ الفصل بين السلطات قد شوهته الاستثناءات إلى درجة أنه أصبح من الضروريّ اعتباره قطعة من الخردة.

والكثيرون يردون التراجع في قيم الديمقراطية إلى هيمنة الرأسمالية، ففي كتابها: “السيطرة الصامتة” تبدي “نورينا هارتس” فزعها قائلة: “إنَّ عالما فيه رئيس أمريكي يصدر القانون تلو القانون المحابي لمصالح الشركات الكبرى، ولروبرت ميردوخ سلطان أقوى من سلطان توني بلير، وتضع الشركات الكبرى فيه الأجندة السياسية، إنما هو عالم مخيف وغير ديمقراطي”، وفي كتابها “أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها” تنقل “غرين بالاست” ذلك الخبر: “في تشرين الثاني من عام 1999م دفعت شركة (جي تك) 300.000 دولار ليتوين وبالمقابل وافق ليتوين على إنهاء القضية المتعلقة بتدخل عائلة بوش في مسألتي اليانصيب والحرس الجوي إلى الأبد”.

جذر البلاء

يضع “تشارلز تايلور” أيدينا على أصل البلاء، فيقول: “أصبحت فكرة الفصل بين الحقيقة والقيمة مسيطرة في قرننا العشرين وغدت أساسًا لفهم وتقويم جديدين للحرية والكرامة”. إنّ العقيدة الحداثية التي تفرق بين الحقيقة والقيمة، قد أقامت بنيانا حضاريا على غير أساس إنسانيّ، وكما قال “ألان تورين” في “نقد الحداثة”: “الأيديولوجية الغربية للحداثة قد ألغت فكرة الذات وفكرة الله المرتبطة بها”.

هذا قليل من كثير مما كتبه الغرب عن “أفول الغرب”، لم أتحدث عن الكثير من الأسباب لضيق المقام، كما لم أذكر كثيرا من الأكاديميين من أمثال “جوزيف ناي” و”نيال فرجسون” و”إيدموند بورن”، وكذلك لم أنقل عن المفكرين الذين أسلموا من أمثال: “مراد هوفمان” و”محمد أسد”، بغية الاختصار، لكنّ المهم الذي أحببت أن أؤكده هو أنّ المسألة المطروحة موضوعية، ولها أسبابها ودواعيها.

المصدر : الجزيرة مباشر