تحترق أرض الصين وتجف مياهها.. نحن في ورطة!

للمرة الأولى نسمع ونرى نحيب وصراخ فلاحين صينيين، وهم يستغيثون من الرمضاء بالماء الذي شح في أراضيهم، وتموت بدونه الزراعات وبهيمة الأنعام. دفعت المأساة التي يواجهها نحو 100 مليون نسمة، إلى تمني بعضهم الموت، بعد أن جفت أنهارهم، وغارت ينابيعهم، ويلاحقهم الجفاف لمدة 70 يومًا، على مساحة شاسعة من الأراضي بلغت نحو 530 ألف ميل مربع.

يكافح الصينيون موجة الجفاف في أخصب منطقة زراعية بالجنوب الغربي، على ضفاف نهر اليانغستي، التي بدأت منذ 15 عاما، وتصاعدت ـوفقا لخبراء- في العامين الآخرين، لتصل إلى حد الكارثة المائية. انخفضت المستويات القياسية للنهر في مناطق تشي شوي وقويشو وتشونغتشينغ المتاخمة لمقاطعة ستشوان، موطن ” الباندا” التي أظهرت آثارها التي زرناها مرتين، أنها مهد حضارة الجنس الأصفر.

الكوارث لا تأتي فرادى

واجهت الصين كوارث عدة في آن واحد، موجة حارة لم تشهدها من قبل، فاقت 45 درجة مئوية، تسببت في ذبول مزروعات واندلاع حرائق على مساحات واسعة، في الوديان وفوق سفوح الجبال، مع انخفاض مستوى المياه بالآبار وجفاف المجاري المائية، توقفت 50% من توربينات المحطات، تولد 80% من قدرات الطاقة المائية في ستشوان، وتعطلت محطات توليد لحاجتها لمياه التبريد على مسار النهر، تنير 13 منطقة يسكنها مليار نسمة، تمثل معقل الزراعة وتنتج 30% من صناعات العالم.

قُطعت الكهرباء، فتوقف العمل لأيام، بمصانع “تويوتا” و”تسلا” ومحطات توليد الكهرباء النووية والحرارية، وأكبر شركة لإنتاج الخلايا الشمسية. تعطل العمل في ميناء تشنغدو البري، الذي تأتيه البضائع من شنغهاي ووادي السيليكون، على ظهر السفن العملاقة، ليعاد تجميعها أو نقلها مباشرة بالسكك الحديدية إلى أسواق أوربا.

ظلام دامس

لم تتمكن أكبر شركتي كهرباء في الصين من توفير الطاقة إلا بتشغيل محطات توليد الكهرباء من الفحم، المعطلة منذ فترة، وزيادتها بنسبة 15%. نُقلت الكهرباء من شبكات 15 منطقة أخرى، لتعمل على تشغيل المصانع والمنشآت الحيوية، لمدة 4 ساعات فقط يوميا، مع تخفيض الإنارة بمدن الجنوب والشرق، شملت المراكز التجارية والبيوت وشبكات مترو الأنفاق، حتى ساد الظلام واجهات مركز المال العالمي في شنغهاي، وناطحات السحاب الأكثر عددا في الكرة الأرضية.

تعرضت الصين لفقد إنتاج الخريف من الأرز، بسبب ندرة الأمطار ومياه البحيرات والأنهار، الذي يوفر 75% من احتياجات البلاد سنويا، و4% من ناتجها المحلي الإجمالي، في وقت ما زالت تعاني فيه من صدمات مالية، تكررت مع استمرار سياسة الإغلاق الإجباري للمدن و”صفر كوفيد” والانهيار العقاري، وأزمات الحرب في أوكرانيا، وجميعها كوارث تهدد بتراجع نسبة النمو بنحو 50%، ليصل إلى ما بين 2.5% و3%، بدلا من 5.5%، وهي النسبة المقدرة من الرئيس شي جين بينغ.

لماذا يصرخون؟!

اعتاد الصينيون مواجهة الكوارث الطبيعية، التي تلتهم -حسب التقديرات الرسمية- نحو 7% من الناتج القومي سنويا. فكم من مرة تعرضت “ستشوان” لضربات زلزالية، دمرت مدنا بأكملها، قتلت واحدة منها 250 ألف شخص منذ 3 عقود. تكثر بالمناطق الجبلية الانزلاقات الطينية، وفي السهول الجنوبية والشرقية فيضانات مدمرة. يواجه الصينيون كل كارثة بشجاعة وصبر، بما يثير الدهشة من دوافع العويل وصراخ الناس هذه المرة، وهم يستعرضون الزرع المحروق، من شدة الحر وشح المياه، ونومهم في الشوارع عند انقطاع الكهرباء وعدم قدرتهم على تحمّل النوم داخل البيوت، وإلقائهم باللوم على الحكومة، بينما اعتادوا تبجيل قادتهم، ورفعهم إلى مصاف أبناء الآلهة.

كشفت الأزمة -التي لم تستطع أجهزة الإعلام الرسمية تجاهلها أو حجب تفاصيلها عن الناس والإعلام الدولي بخاصة- أن الحكومة تخفي مشاكلها البيئية منذ عقود، للحد من رد الفعل الشعبي المحتمل، وتجنب الأسئلة حول كفاءة وقدرة الحزب الشيوعي على إدارة أزمة يعلم الناس أنها موجودة بالفعل.

تؤكد دراسات علمية أن الصين على شفا كارثتين، بيئية ومائية، لن تؤثر على الزراعة والكهرباء فحسب، بل تهدد بنقص عالمي في المواد الغذائية والصناعية، ستسحقنا نحن العرب. يُتوقع أن تكون كوارث “أشد ألما مما أحدثه وباء كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا”، عدا مسؤوليتها عن 27% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

أوضحت دراسة -نُشرت الأسبوع الماضي بمجلة “فورين أفيرز” الأمريكية- أن الصين التي تستهلك 10 مليارات برميل من المياه يوميا، تعاني فقرا حادا في نصيب الفرد من المياه، الذي يبلغ 253 مترا مكعبا سنويا، بما يقل عن المقنن الدولي بنسبة 50%.

تُظهر الدراسة أن 30% من المياه الموجودة في الصين غير صالحة للاستهلاك البشري، و16% غير صالحة لأي استخدام، لتشبّعها بالملوثات الكيماوية والصناعية السامة. وأشارت إلى الإفراط في ضخ المياه الجوفية لري الزراعات، ولتوفير المياه للعاصمة والمدن الكبرى بالسهول الشمالية، التي لم تعد تكفيها عمليات نقل مياه اليانغستي عبر خطوط أنابيب أو مشروعات استمطار السحب ومحطات تحلية مياه البحر.

 

البشرية في ورطة

 

يحتاج الصينيون المياه لإنتاج 80 مليون طن من القمح، تمثل 65% من احتياجات البلاد سنويا، و125 مليون طن من الذرة، توفر 45% من الاستهلاك، وأراضي تنتج 30% من الأرز العالمي و35% من القطن و64% من حاجتهم لفول الصويا.

يخشى قادة الحزب الشيوعي عودة المجاعات، ويعلمون أن بقاءهم مرهون بضمان الأمن الغذائي، وأن يكون الاكتفاء الذاتي متجاوزا لحدود 90% من احتياجات الشعب للغذاء.

يعلم القادة أن المجاعات التي عجّل بها الجفاف، قضت على 5 سلالات على الأقل من 17 سلالة صينية، على مدار تاريخها، وأن الصين التي تملك أكبر احتياطي عالمي من الحبوب حاليا، ليست محصنة ضد نقص الغلال خلال السنوات القادمة، بما يهددها باضطرابات حادة، ويدفعها والعالم إلى أزمة غذاء لا قِبل للدول بها.

ستظل الأزمات البيئية والمائية -في ظل عدم شفافية الحزب الشيوعي مع شعبه والمجتمع الدولي- باقية، إذ يفضل عند كل كارثة طرح حلول مؤقتة، لن تغيّر قواعد اللعبة، أو تنقذ البشرية من ورطة عميقة.

المصدر : الجزيرة مباشر