السيليكون والخلود

ماذا لو كنت سوريًّا وكان رئيسك عام 2050 هو نفسه بشّار الأسد؟

شغلت فكرة الخلود البشر منذ وجودهم على وجه الأرض، وكان سعيهم المحموم وراء الفكرة ردّة فعل على القلق الذي يكتنفهم تجاه واقعٍ لا يستطيعون التّغلب عليه وهو “الموت”.

وعبّروا عن أفكارهم تلك بكتابة الأساطير حول غموض الموت وحقيقة الخلود، وكانت أولى الملاحم التي تتحدث عن الخلود “ملحمة جلجامش”.

المحافظة على الشّباب الدّائم

يقول علماء العصر الحديث “إن التزامنا الأيديولوجي تجاه حياة الإنسان لن يسمح لنا بقبول موته ببساطة. ما دام النّاس يموتون بسبب ما، سنسعى جاهدين للسيطرة عليه”!

لم يكن هذا التّصريح اعتباطيًّا بل نتيجة أبحاث يجريها العلماء منذ بداية القرن الحالي الذي بدأ بالعمل الجدي لإطالة متوسط عمر الإنسان.

يعزّز التّطور المذهل في مجال الهندسة الوراثية وتقنية النانو والطب التّجديدي نبوءات فيها الكثير من التّفاؤل حول استطاعة العلم هزيمة الموت بحلول عام 2200، والبعض يقول إنّ ذلك سيحدث عام 2100.

أما “كورزويل” -الذي أسّس شركة لتطوير الحواسيب لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، وسجّل الكثير من الاختراعات وفاز بالميدالية الوطنية الأمريكية للتقنية والابتكار عام 1999- فهو أكثر تفاؤلًا ويرى أنّ أيّ شخص بجسد صحي وحساب مصرفي معافى، ستكون لديه فرصة للخلود بحلول عام 2050!

أمّا الكيفية فهي بالحصول على علاج تجديدي كلّ عشر سنوات في عيادة طبيب مختص، سيقوم بتجديد الأنسجة وتطوير العيون والأدمغة، وسيقوم الأطباء باختراع أدوية وعلاجات مكملة!

إن كانت توقعات كورزويل وصديقه دي جراي صحيحة، فإنّ هؤلاء البشر سيكونون أكثر النّاس قلقًا وسيعيشون بهاجس وحيد هو كيفية المحافظة على حياتهم. فهم لن يموتوا بشكل طبيعي ما داموا يستعيدون شبابهم كلّ عشر سنوات. لكن ماذا لو خرج أحدهم إلى الشّارع وصدمته سيارة، أو انفجرت في وجهه قنبلة أو قطّعه صاروخ ما أشلاءً؟

سوق الخلود

يقع سوق الخلود في وادي السّيليكون، في منطقة الخليج الجنوبي لسان فرانسيسكو، وقد أُطلِق عليه هذا الاسم؛ لأنّه مركز لصانعي ومطوري شرائح السّيليكون المرادف لمصطلح التّكنولوجيا المتقدمة.

عام 2012، عُيّن كورزويل مديرًا للهندسة في “جوجل”، وبعد عام من تعيينه أطلقت جوجل شركة فرعية اسمها “كاليكو” رسالتها المعلنة هي “محاربة الموت”، ثمّ عيّنت جوجل متحمسًا آخر للفكرة هو “بيل ماريس” الذي ترأّس صندوق استثمار اسمه “جوجل فنشرز”. صرّح ماريس في مقابلة أجريت معه عام 2015 بأنّه سيكون بإمكان الإنسان العيش حتى 500 عام، ودعم كلامه بكثير من الأموال النّقدية!

تستثمر جوجل فنشرز 36% من أموالها البالغة “ملياري دولار” في المشاريع الناشئة الخاصّة “بعلوم الحياة”. وقد وضّح ماريس الأمر بقوله “في الحرب ضدّ الموت، نحن لا نحاول كسب بضع ياردات بل نحاول الفوز بالمباراة. فأن تحيا خيرٌ من أن تموت”.

لا يقتصر الحلم بالحياة الأبدية على مالكي جوجل فنشرز، فهناك في وادي السّيليكون شخصيات لامعة أخرى تنافس ماريس في تصريحاته. فقد قال “بيتر تيل” الشريك المؤسس لشركة “باي بال” إنّه يسعى لأن يعيش إلى الأبد، وأوضح “أعتقد أنّ هناك ثلاثة أوضاع للتعامل مع الموت. أن تقبله، أو تنكره، أو تحاربه. يهيمن على مجتمعنا القبول والإنكار، أمّا أنا فأختار أن أحاربه”.

ربّما علينا أخذ تصريحات تيل على محمل الجد وعدم اتّهامه بأنّه يحلم أحلام مراهقة، فهو أكثر رجال الأعمال نجاحًا وتأثيرًا في “وادي السّيلكون”، وثروته تُقدَّر بـ”2.2” مليار دولار.

نتائج عملية الخلود

في حال تمكّن العلماء من تحقيق فكرتهم بإطالة متوسط عمر الإنسان إلى 150 عامًا، كيف سيكون شعور الإنسان حين يصل إلى الخمسين مثلاً ويرى التّحولات التي حدثت في شكله وأثّرت على نفسيته وقابليته للعمل وإقباله على الحياة؟ ألن يدفع كلّ ما يملك ليعود شابًّا في العشرين مليئًا بالطّاقة والحيوية والجمال أيضًا؟

لا شكّ أنّ القوة المادية لن تتيح لكلّ البشر العلاج المقترح من العلماء، لكنّ البعض سيستمتع بحياة طويلة وصحية.

وإن كان الإغراء بحياة شابة دائمًا غير كافٍ للمغامرة بالأموال، فإنّ الخوف من الموت سيكون دافعًا لبذل الغالي في سبيل إطالة البقاء لسنواتٍ إضافية مع المحافظة على الصّحة.

لكن، هل حقًّا سيستمتع هؤلاء بحياتهم؟ لا شكّ أنّهم سيكونون أتعس بكثير من الذين منعهم فقرهم من التماس الخلود. وسيبقى العالم الحقيقي الذي لم تخترقه التّكنولوجيا أكثر انسجامًا وخاليًا من هوس المحافظة على المكتسبات الجديدة.

أشكال الخلود

منذ بداية الخلق، اختبر البشر تجربة الموت وعرفوا أنّه سيقع حتمًا طال العمر أم قصر. وحين فشلوا في السّيطرة عليه اخترعوا بدائل للخلود الجسدي فظهرت الفنون لتخلّد أصحابها، فكانت هناك سيمفونيات خالدة ولوحات خالدة وملاحم وأساطير أيضًا. ليست الفنون وحدها بل الحروب أيضًا، فسعى القادة لتخليد أسمائهم بالانتصارات في الحروب وحتّى في الهزائم! والبعض خلّدهم جنونهم مثل “نيرون” و”كاليجولا”، والبعض عشقهم مثل “روميو وجولييت” و”أنطونيو وكليوباترا” وآخرين كُثر من العشّاق المجانين عبر التّاريخ، والبعض لم يجدوا سوى التّضحية بأرواحهم ليكونوا خالدين في نعيم الآخرة!

طرائف السّيليكون

ماذا لو كنت سوريًّا وكان رئيسك عام 2050 هو نفسه بشّار الأسد؟

ماذا لو بقي بوتين مثلًا في السّلطة خمسين عامًا؟

من الطّريف أنّ هناك سوريًّا حقّق فكرة الخلود من دون أن يتجدّد شبابه، وهو رئيس اتّحاد الكتّاب العرب “علي عقلة عرسان” الذي ترأّس الاتّحاد ثلاثين عامًا قبل أن ينتقل مقره من دمشق إلى القاهرة.

أمّا في عالم النّفخ والشّد بواسطة السّيليكون، فقد تناقلت مواقع التّواصل الاجتماعي حادثة انفجار مؤخرة عروس سورية أثناء حفل زفافها بسبب خطأ في حقن السّيليكون أدّى إلى نقلها للمستشفى، ووصلتها ورقة الطّلاق من العريس الذي اعتبر الأمر احتيالًا وغشًّا.

المصدر : الجزيرة مباشر