كيف تواجه الشعوب تحديات المستقبل باختيار قيادات أصيلة؟!

هل يمكن أن تظهر القيادات الأصيلة في المنفى؟!

أمير الشعراء أحمد شوقي

تطورت نظرية القيادة الأصيلة من خلال عملية بحث عن حلول جديدة ومبدعة لأزمة القيادة التي أصبح العالم يواجهها، ‏والتي يمكن أن تؤدي إلى انهيار الدول.

فعاد المفكرون ‏الغربيون إلى الحضارة الإغريقية للبحث عن أفكار ومفاهيم جديدة لتطوير علم القيادة.. ‏وكانت تلك العودة تعبر عن رغبة في استثمار التجارب التاريخية، ‏ومصادر قوة الهوية والعمق التاريخي.. ‏فكان مفهوم “‏الأصالة” ‏من أهم المفاهيم الناتجة عن رؤية تقوم على أن الحضارة الغربية يمكن أن تبني مستقبلها بالبحث في ماضيها.

‏بالرغم من أن هذه النظرية لم تكتمل بعد، ‏وما زالت تحتاج إلى جهود الكثير من الباحثين لتطويرها، ‏فإنها يمكن أن تفتح آفاقًا ‏جديدة لبناء المستقبل، ‏وتضيء ‏للشعوب الطريق لفرض إرادتها، ‏واختيار قياداتها وحكامها.

‏ويعتبر الباحثون أن بيل جورج ‏هو مؤسس هذه النظرية في كتابه “‏القيادة الأصيلة” ‏الذي نشر عام 2003.

‏مواصفات القائد الأصيل

‏حدد بيل جورج ‏مواصفات القائد الأصيل في ما يلي:

1- ‏تحديد الهدف والشعور بأنه يجب أن يستخدم كل طاقاته وقدراته لتحقيقه.

2-‏ الالتزام بالقيم ومن أهمها النزاهة.. ‏وهذه القيم ترتبط بالمعتقدات ‏والأخلاق.. ‏لذلك فإن القائد الأصيل لا يخضع للضغوط، ‏ولا يساوم على هذه القيم والمبادئ مهما كانت التحديات.

‏ويرى القائد ‏الأصيل أن ‏نجاحه وإنجازاته تعتمد على تمسكه بمعتقداته ومبادئه وقيمه ‏والدفاع عنها، ‏والتضحية من أجلها.

‏ولذلك يمكن اكتشاف القائد الأصيل عن طريق اختبار مدى تمسكه بمبادئه وقيمه، والوعي بها.

‏3- بناء العلاقات مع الناس، ‏وقدرته على المشاركة والتعاون معهم، ‏وتشجيعهم على التفاعل معه، ‏والاستفادة من أفكارهم وآرائهم، ‏والاهتمام بمشكلات الناس وهمومهم وآمالهم.

‏ومن أهم المقاييس التي يمكن على أساسها اكتشاف أصالة القائد مدى ‏اهتمامه بالعلاقات الإنسانية، ‏ومساعدة الآخرين على التغلب على مشكلاتهم وتمكينهم من تحقيق ‏النجاح.

4- ‏الحرص على بناء رؤية للمستقبل، ‏فهو قد أعد نفسه لتحقيق إنجازات حضارية ‏عظيمة.. ‏لذلك فإنه يتجنب التركيز على الصغائر ‏وتصفية الحسابات الشخصية مع الخصوم، ‏والتركيز على الواقع.. ‏وهو يحرص على استثمار ‏قدرات ومواهب الجميع والحصول على الأفكار الجديدة لاستخدامها في بناء مستقبل أفضل لشعبه.

رفض العبودية للواقع!

‏والقائد الأصيل يتجنب دائمًا الشكوى من الواقع، ‏أو توجيه اللوم إلى الآخرين أو الظروف، ‏فهو يخطط لبناء المستقبل، ‏واثقًا ‏من قدرات شعبه على تجاوز المحن، والتغلب على المشكلات، ‏ومواجهة التحديات.

‏لذلك فإن الانطلاق إلى الأمام والعمل لتحقيق التغيير، ‏والتقدم هو مفتاح شخصية القائد الأصيل.

5- ‏القلب الأصيل ‏الذي يتعاطف مع الناس ويشعر بالسعادة لقدرته على مساعدتهم، ‏ويرتبط ذلك بالذكاء العاطفي والوعي بالذات والهوية والتاريخ.

‏من منظور الحضارة الإسلامية

لكن ‏بالرغم من أهمية الإنجاز العلمي لبيل جورج ‏والكثير من الباحثين الغربيين فإن الحضارة الغربية لا يمكن وحدها أن تطور القيادة الأصيلة، ‏فهي تحتاج إلى مناظر حضارية أخرى، ‏واستقراء ‏التجارب التاريخية للإنسانية، ‏وسير القادة عبر التاريخ.

‏ومن المؤكد أن الحضارة الإسلامية يمكن أن تساهم بقوة في تطوير نظرية القيادة الأصيلة لتكون أساسًا لزيادة قدرة الشعوب في المستقبل على اختيار حكامها. ‏فعندما ينجح الشعب في اختيار قائد أصيل، ‏فإنه يمكن أن يحقق إنجازات حضارية، ‏ويتقدم لقيادة البشرية، لينقذها من القهر والظلم والعبودية وغرور القوة.

الشعوب الحرة تختار قيادات أصيلة ‏

‏لكن الشعب لا يمكن أن ينجح في اختيار القيادة الأصيلة إلا إذا ركز على المبادئ والقيم والأخلاق، ‏وتطلع إلى تحقيق أهداف عظيمة وإنجازات حضارية، ‏وحرر نفسه ‏من الخضوع للواقع، ومن العبودية للاستعمار والاستبداد، ‏ومن البحث عن لقمة خبز مغموسة في الذل والهوان.

فالشعب الذي يعيش أسيرًا للواقع، ‏وكلّ ما يهمه هو الاستقرار والحصول على الخبز يمكن ‏أن ينخدع بالوعود الزائفة والدعاية، ‏ويختار لنفسه حاكمًا ‏لا يتمسك بالمبادئ، ‏ويستخدم القوة الغاشمة في القهر والظلم وفرض التبعية وتبرير الانكسار أمام الغرب.

‏زيادة وعي الشعوب

‏لذلك فإن اختيار القيادة الأصيلة يعتمد على وعي الشعوب بعقيدتها وحقوقها، ‏واعتزازها بهويتها ‏وتاريخها، ‏وطموحها ‏لتحقيق إنجازات حضارية.

‏فهناك الكثير من الأشخاص الذين يتمتعون بالأصالة والكفاءة، و‏يمتلكون القدرة على قيادة الشعوب إلى المستقبل.. ‏لكن في الفترات التي يقل فيها طموح ‏الشعوب يكون المكان الطبيعي لهذه القيادات هو السجن، ‏أو المنفى.

مقاييس جديدة لتقييم القادة

‏إن الشعوب التي تتطلع إلى تحرير نفسها من العبودية والخضوع للواقع هي التي تمتلك القدرة على النظر في تاريخ الأشخاص، ‏وتطبيق مقاييس ‏القيادة عليهم لاختيار أكثرهم قدرة على التمسك بالمبادئ والدفاع عنها، ‏والتعبير عن حلم الشعب في بناء دولة قوية مستقلة وعادلة تحترم حرية مواطنيها وحقوقهم، ‏وتعمل لتحقيق آمالهم.

‏تطوير نظرية القيادة الأصيلة

‏لذلك فإنه لكي نطور نظرية القيادة الأصيلة يجب أن نفتح مجالات جديدة من أهمها توفير المعرفة للجمهور وزيادة وعيه وحمايته من الدعاية الزائفة، وإنشاء وسائل إعلامية تتمكن من إدارة حوار حر بين أصحاب المشروعات الحضارية الذين يتقدمون للترشّح في انتخابات حرة، يفرض فيها الشعب إرادته.

التحرر من الاستعمار الثقافي

‏إن الشعب الذي يتمكن من اختيار القيادة الأصيلة هو الذي يكافح لكي يتحرر من الاستعمار الثقافي والهزيمة النفسية ومن الشعور بالعجز الذي يدفعه إلى اختيار حاكم مستبدّ يقدم له وعودا زائفة بحماية الأمن، وتحقيق الاستقرار في مقابل سلب حريته.

‏وتوفير المعرفة للجماهير باستخدام وسائل إعلامية حرة خطوة مهمة لبناء قدرة الشعب على اختيار قياداته بحرية. ‏وعندما يزداد وعيه ‏سيدرك أهمية الذين يتمسكون بمبادئهم ‏وقيمهم ‏وأخلاقهم وهويتهم ‏ويقدمون للشعب مشروعًا حضاريًّا يقوم على تحقيق الاستقلال الشامل، ‏والتحرر من كل أشكال الاستعمار.

‏في مناخ الحرية تظهر القيادة الأصيلة

‏وفي المجال العام المفتوح الذي يتمكن فيه كل فرد من التعبير عن آرائه، ‏وعرض أفكاره يمكن أن تظهر القيادة الأصيلة التي تقدم للشعوب مشروعات حضارية، ‏وتكافح لتغيير الواقع.

‏أما في ظلام الاستبداد، ‏وظلمات ‏القهر فينتشر المنافقون ‏الذين يدلّسون ‏وينشرون الزيف ليخضعوا ‏الشعب لحاكم مستبدّ يحتقر العلم، ‏ويقرّب الجهّال الذين يدّعون الثقافة، ‏ويستطيعون الترويج لبضاعته الفاسدة، ‏وتبرير قراراته السفيهة.

‏وفي الوقت نفسه تحتاج الشعوب إلى قيادات أصيلة توفر لها المعرفة بتاريخها وهويتها وحقوقها، لكي تتمكن من التحرر من الزيف والجهل والخضوع للاستبداد.

‏لكنها معادلة صعبة.. فأين الحل؟!

‏كيف يمكن أن نتوصل ‏إلى حل لتلك الأزمة الصعبة التي أصبحت شعوب العالم تواجهها في القرن الـ21؟

‏فهي تحتاج إلى قيادات أصيلة تمتلك تاريخًا مشرفًا يقوم على التمسك بالمبادئ، ‏والقدرة على توفير المعرفة للجمهور، ‏والكفاح لتحرير ‏الشعب من كل أشكال الاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي.

‏لكن هذه القيادات لا تظهر إلا في مناخ الحرية الذي يمكنها من التعبير عن الأفكار الجديدة، ‏والإبداع في بناء المشروعات الحضارية.. ‏وهذه القيادات ‏تتعرض للاضطهاد ‏والقهر فتغيب في ظلمات السجون أو في المنافي عندما يتحكم الاستبداد، وعندما ‏يستخدم الدكتاتور قوته الغاشمة.

‏ضربات قوية على رأس الشعوب!!

‏لكن الشعوب تتعرض الآن لضربات قاسية على أمّ رأسها، ‏وستجتمع عليها مذلة الجوع والحرمان وظلم ‏السلطة وقهرها.

‏ولأنه من الطبيعي أن تختار الشعوب الحرية وترفض العبودية، ‏فإنها يجب أن تفكر وتبحث لنفسها عن قيادات أصيلة لها تاريخ في الدفاع عن الحرية.

‏ولأن التجارب القاسية تساهم في صقل ‏قدرات القائد وتأهيله وإعداده للقيام بدور تاريخي ووظيفة حضارية، ‏فإن المحن والمآسي ‏التي تمر بها الشعوب في هذه الفترة سوف تؤهلها ‏لاختيار قيادة أصيلة تطور كفاحها ‏لتحقيق الاستقلال والحرية والديمقراطية والعدل.

‏إن الأخطار التي تهدد وجود الدول وحياتها سوف تدفع الشعوب إلى الدفاع عن بقائها ومستقبلها بالبحث في تاريخها عن مواصفات القيادة الأصيلة التي يمكن أن تتقدم بمبادئها ‏وأخلاقها وقيمها ورؤيتها المتميزة.

الآن تشتد حاجة الشعوب لقيادات جديدة تقدم مشروعها الحضاري لتحقيق حلم عظيم لشعب يأبى الضيم، ‏ويتطلع ‏لبناء مستقبل تقود فيه الأمة الإسلامية البشرية كلها، ‏وتنقذها من الخراب والدمار والفناء ‏والهلاك.

في المنفى!!

‏لكن هل يمكن أن تظهر القيادات الأصيلة في المنفى؟!

‏إن النفي ‏تجربة قاسية ومرة.. ‏لكن الشوق والحنين إلى الوطن والأهل يمكن أن يدفع الإنسان ‏إلى إنتاج أفكار جديدة وتقديم مشروع حضاري يساهم في تحرير الوطن والشعب من التبعية والاستبداد.

وتجربة النفي جعلت أحمد شوقي أقرب إلى شعب مصر، وأكثر قدرة على التعبير عن آماله في الحرية والعدل والاستقلال.

فالمنفى ‏يمكن أن يتيح للإنسان أن يرى الصورة العامة بشكل أكثر وضوحًا، ‏ويزيد قدرة الإنسان على التطلع إلى عملية ‏تغيير شامل يبدأ ‏من تحديد واضح لأهداف عظيمة، ‏وبناء استراتيجية طويلة المدى لتحقيق الإنجازات الحضارية.

‏إن تجربة المنفى ‏قاسية ‏ومؤلمة.. ‏لكنها يمكن أن تنتج أفكارا جديدة تنطلق من عقول تشتاق إلى حرية الوطن، ‏ومن قلوب تحب شعبها وتحرص على ‏أن يعيش حرًّا عزيزًا كريمًا.. وعندما ننجح في إدارة حوار ‏وطني في المنفى ستظهر قيادات أصيلة تبني مستقبل الوطن.

المصدر : الجزيرة مباشر