لا تكن حنبليًّا!!

ومن الأحكام الفقهية التي نرى المذهب الحنبلي من أيسر المذاهب فيها، قضية الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم

الممثل السوري "مهيار خضور" في دور أحمد بن حنبل في مسلسل "الإمام"

من الأقوال الشائعة بين عوام المصريين، عندما تقول رأيا متشددا، يقولون لك ناصحين، أو رافضين لما تقول: “متبقاش حنبلي” أي: لا تكن حنبليا، وترى الناس كذلك تقول عن المتشدد: إنه حنبلي، وهي كلمة تقال بناء على تصور في أذهان الناس عن المذهب الحنبلي بأنه متشدد، من دون دراسة حقيقية للمذهب. فهل يصح هذا التصور عن المذهب الحنبلي، أو عن ابن حنبل نفسه، وما سبب هذه المقولة؟

يبدو أن هذه الكلمة كانت في زمن ما تطلق من باب المدح لابن حنبل رضي الله عنه، لكنها مع مرور الزمن تحولت، وأصبحت ذات مدلول آخر غير ما أطلقت من أجله، إذ كانت تقال عمن يصمد أمام المحن، ثم صارت تقال في سياق النهي عن التشدد، والبعد عنه، فهي من باب اللوم والنقد لا المدح، شأن عبارات كثيرة قيلت في سياق ومع مرور الزمن تغير المعنى إلى معنى مغاير.

سيكولوجية الحنابلة

وهي تبدو كذلك منقولة عن تصرفات وسلوكيات بعض حنابلة أزمنة معينة، وهو ما جعل أحد الكتاب المعاصرين يكتب مقالا في مجلة المقتطف المصرية، في أربعينيات القرن العشرين، بعنوان “سيكولوجية الحنابلة”، وقد كان استقراء منه لكتاب “طبقات الحنابلة”، وقد نشر وقتها لأول مرة مطبوعا، فأجرى الكاتب تحليلا لأبرز شخصيات الحنابلة من الكتاب.

ولكن الدارس المتعمق للفقه الحنبلي لا يجد هذه الصورة صحيحة عنه، فهو مذهب يعتمد على الدليل إن صح أخذ به، وإن لم يصح تركه، شأن بقية المذاهب كذلك، وحسب منهجهم في التعامل مع النصوص. كما أن كثيرا من الناس لا يفرق بين السلفية المعاصرة والمذهب الحنبلي، وهو ما دعا باحثا إلى تأليف كتاب مهم في الموضوع، أنصح بالرجوع إليه ففيه تفاصيل مهمة، وهو “الحنابلة والاختلاف مع السلفية المعاصرة” لمصطفى حمدو عليان الحنبلي، وقد استفدت في هذا المقال من نماذج مهمة منه.

وسوف أذكر هنا نماذج متفرقة من الفقه الحنبلي تنفي هذه الشبهة عن الحنابلة، ونسبة التشدد إليهم، وتعطي صورة مغايرة لما هو مشهور بين الناس عنهم. ونقلي لهذه المسائل من المذهب الحنبلي ليس بالضرورة ترجيحا لها، أو تبنيا لها، بل ليعلم القارئ أنها موجودة عندهم، من باب الدلالة على فقه هذا المذهب العظيم، وليس نقلي لهذه الآراء حصرا لرؤية المذهب أيضا من خلالها، بل هي مجرد نماذج للتدليل على عدم صحة نسبة التشدد أو التزمت إلى المذهب الحنبلي.

صباح الخير بدلا من السلام عليكم

‌‌إلقاء السلام على الناس سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تحية ردها واجب، فهل يشترط فقط أن تكون بلفظ السلام، أم يمكن أن تؤدى بألفاظ أخرى، وإن كان أفضلها وأكملها السلام؟ يجيب الإمام الحنبلي المعروف ابن مفلح في كتابه “الآداب الشرعية” (1/ 488، 489) فيقول:

قال الإمام أحمد -رضي الله عنه- لصدقة وهم في جنازة يا أبا محمد كيف أمسيت؟ فقال له: مساك الله بالخير. وقال أيضا للمروذي: وقت السحر كيف أصبحت يا أبا بكر؟ وقال: إن أهل مكة يقولون إذا مضى من الليل يريد بعد النوم: كيف أصبحت؟ فقال له المروذي: صبحك الله بخير يا أبا عبد الله، ‌وظاهر ‌هذا ‌أنه ‌اكتفى ‌به ‌بدلا ‌من ‌السلام، وترجم عليه الخلال “قوله في السلام: كيف أصبحت؟”.

وفي حواشي تعليق القاضي الكبير عند كتاب النذور: روى أبو بكر البرقاني بإسناده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: لو لقيت رجلا فقال: بارك الله فيك، لقلت: وفيك، فقد ظهر من ذلك الاكتفاء بنحو كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ بدلا من السلام، وإنه يرد على المبتدئ بذلك، وإن كان السلام وجوابه أفضل وأكمل).

جواز الحلف بالنبي

ومن الأحكام الفقهية التي نرى المذهب الحنبلي من أيسر المذاهب فيها، قضية الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي مسألة شائعة في المجتمع المصري تحديدا، فيكثر فيهم الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعندما انتشر الفقه السلفي في مصر بدأ استنكار ذلك بشدة، رغم أن المذهب الحنبلي فيه قول قوي يجيز الحلف بالنبي، فقد قال ابن مفلح في الفروع (10/ 437): “وتلزم حالفا بالنبي صلى الله عليه وسلم اختاره الأكثر، والتزم ابن عقيل: ونبي غيره”، وقال ابن قدامة المقدسي في المغني (11/ 209): “وقال أصحابنا: الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم يمين موجبة للكفارة، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنث فعليه الكفارة”.

جواز إخراج زكاة الفطر نقدا

في كل عام تثار قضية زكاة الفطر، وهل تخرج نقودا أم حبوبا؟ ويظن الناس أن الإمام أبا حنيفة فقط هو الذي أجاز إخراجها نقدًا، ولذا كان يشتد النكير من السلفيين عليه، ويدعي بعضهم أنه بذلك خالف السنة، لكن المفاجأة التي لم تعرف، أن ممن أجاز إخراج القيمة في زكاة الفطر، الإمام أحمد بن حنبل في رواية عنه، وكذلك ابن تيمية. كما بين ذلك المرداوي في الإنصاف (3/ 65).

جواز الأكل والشرب قائما

ومما يجهله البعض عن المذهب الحنبلي في الموقف الفقهي من الأكل والشرب واقفا، أو ماشيا، أنهم يجيزونه، فقد جاء في نصوصهم ما نقله المرداوي في “الإنصاف” (8/ 330): “ولا يكره الشرب قائما، وقاعدا أكمل”، وكذلك نفس الموقف الفقهي من الأكل.

رؤية المخطوبة مكشوفة الشعر

عندما يريد الخاطب رؤية مخطوبته، فإن رأي معظم المذاهب أن يرى منها الوجه والكفين فقط، وأجاز الحنفية رؤية القدم، وكان أوسع المذاهب في هذه المسألة المذهب الحنبلي، فقد ذكر د. وهبة الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته (9/ 6501) أنهم أجازوا النظر إلى ما يظهر عند القيام بالأعمال وهو ستة أعضاء: الوجه والرقبة واليد والقدم والرأس والساق؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.

هذه نماذج للإشارة لما بينته من أن نسبة التشدد إلى المذهب الحنبلي باطلة، وغير صحيحة، وهي مما يشاع عنه خطأ، وهناك قضايا أخرى يمكن مراجعتها في كتب المذهب الحنبلي لنرى موقفه منها، فسنجده من أيسر المذاهب فيها، مثل: الدعاء الجماعي بعد الصلوات، وعدم قطع الصلاة بمرور المرأة أمام الرجل، وحق المرأة في الاشتراط على الزوج ألا يتزوج عليها، وألا ينقلها إلى بلد آخر غير بلدها، إذا اشترطت ذلك في العقد، وإهداء ثواب الأعمال الصالحة للميت، وغيرها من القضايا مما لا يتسع المقام لذكره.

المصدر : الجزيرة مباشر