هل يمكن أن يكون رئيس الدولة قائدًا؟!

جون كيندي

هناك الكثير من الأسئلة الجديدة التي أصبحت الدول تحتاج إلى إجابة ‏متعمقة عنها من أهمها: ‏هل يمكن أن يكون رئيس الدولة قائدًا، ‏وما الفرق بين الرئاسة والقيادة؟ ‏وما دور رئيس الدولة في إلهام شعبه وتطوير كفاحه لتحقيق أهداف عظيمة؟

‏والإجابة المتعمقة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى جهود باحثين من علوم السياسة والإدارة والقيادة والاتصال والتاريخ والاجتماع.. ‏ويمكن أن تؤدي إلى تطوير حقول معرفية وعلمية جديدة تساهم في بناء مستقبل الدول.

‏الرئيس القائد!

‏لقد بدأ البحثَ في ذلك المجال مايكل سيجيل ‏بكتابه “‏الرئيس كقائد” ‏الذي قام فيه بتحليل مهارات القيادة لخمسة رؤساء أمريكيين.

‏ولقد عمل مايكل سيجيل في الكثير من المجالات من أهمها أنه عمله أستاذا في الجامعة الأمريكية، ‏وجامعة جونز هوبكنز.. ‏وكان من أهم النتائج التي توصل إليها أنه لكي يكون الرئيس قائدًا ‏يجب أن يتمتع بمجموعة ‏من المميزات من أهمها:

‏1- أن يمتلك رؤية يعمل لتحقيقها خلال مدة رئاسته.

‏2- القدرة على تحقيق رؤيته، ‏وتوظيف المهنيين ‏الذين ‏يتمتعون بالكفاءة لتطوير هذه الرؤية وتنفيذها، ‏وعدم تعيين أصدقائه في مناصب الدولة.

‏3- التركيز على مجموعة قليلة من الأهداف الرئيسية، ‏وعدم تقديم قائمة طويلة من الأهداف التي لا يستطيع تحقيقها.

4- ‏أن يفهم الرئيس الواقع وعملية صنع القرارات، ‏وأن يكون قادرًا ‏على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.

5- ‏أن يختار في فريقه الرجال والنساء الذين لا يكتفون بأن يقولوا له “نعم” ‏ويؤيدوا ‏قراراته، ‏ويجب أن يختار الأشخاص الذين يتمتعون بالشجاعة ومواجهته بالحقائق. ‏فهؤلاء الأشخاص هم ‏الذين يمكن أن يساهموا في تحقيق رؤيته ‏وتطويرها.

‏ويشير سيجيل ‏إلى أن الرئيس الأمريكي بوش افتقد القدرة على اختيار أشخاص يتمتعون بالشجاعة، ‏ويستطيعون معارضة قراراته. ‏وكانت قوته الشخصية الحاسمة في قراراته من العوامل التي أدت إلى ضعف مستشاريه وخوفهم من معارضته.

‏القيادة والقدرة على الاختيار

‏من أهم العوامل التي يمكن أن تؤهل الرئيس ‏ليصبح قائدًا ‏القدرة على اختيار الوزراء والمستشارين، ‏والمعيار الذي يعتمد عليه القائد في هذا الاختيار هو أن المسؤولية خدمة عامة، ‏وأن أعضاء الحكومة ومساعدي الرئيس ‏يجب أن يعملوا للحصول على الثقة العامة، ‏‏بإثبات قدرتهم على خدمة الشعب.

‏كما أن الرئيس يجب أن يعرف وظيفة كل شخص يعينه في منصب، ‏وحدود دور هذا الشخص ‏واستخدامه لمنصبه في تحقيق الأهداف العامة.

أمانة القائد وخطاب كينيدي!

‏يبرهن سيجيل ‏على صحة النتائج التي توصل إليها بشخصية الرئيس كينيدي ‏الذي ألقى خطابًا ‏عبر قنوات التلفزيون بعد أزمه خليج الخنازير قال فيه: ‏إن النجاح له ألف أب.. ‏بينما يظل الفشل يتيمًا.. ‏ولقد فشلت، ‏ومن حقكم أن تلوموني!

‏يقول سيجيل: ‏هل تعرفون ماذا حدث لشعبية الرئيس كينيدي؟!! ‏لقد ارتفعت بشكل كبير. فالناس ‏لا يتوقعون الكمال في القادة، ‏لكنهم يتوقعون الأمانة.

‏كما استخدم سيجيل شخصية أبراهام لينكولن نموذجًا للرئيس القائد الذي امتلك رؤية قوية، ‏وعمل لتحقيقها. فبالرغم من أنه ‏يرفض العبودية فإنه لم يقم بإلغائها ‏إلا بعد أن نجح في تحقيق الاتحاد بين الولايات. ‏كما أنه لم ‏يتسامح فقط مع معارضيه، ‏بل قام بتعيينهم في حكومته.

‏الرئيس والقيادة الأخلاقية!

‏جذبت قضية التمييز بين الرئيس والقائد باحثًا ‏آخر هو أروين هارجروف ‏أستاذ العلوم السياسية بجامعة كانساس الذي طرح سؤالًا ‏جديدا هو: كيف يمكن أن يجمع الرئيس بكفاءة بين فنون السياسة، ‏والقيادة الأخلاقية والمعرفية والفكرية؟!

‏يقول هارجروف: ‏إن القيادة المؤثرة هي التي تتمكن من تحقيق التوازن بين الالتزام بالمصلحة العامة والقدرة على الفعل السياسي.. ‏وإن القيادة السياسية لا بد أن تقوم على عناصر أخلاقية ومعنوية.. ‏لذلك فإن الرئيس الذي يريد أن يكون قائدًا ‏يجب أن يلتزم بمجموعة من المبادئ ‏والقيم.

‏في ضوء ذلك قام هارجروف ‏بتقييم ثلاثة من الرؤساء الأمريكيين هم فرانكلين روزفلت وليندون جونسون ورونالد ريغان.

‏وكان من أهم نتائج ‏تقييمه أن المهارات والقدرات والكفاءة لا تحول الرئيس إلى قائد ‏إلا إذا توفر فيه الإحساس بالقيم والمبادئ الأخلاقية، ‏والتزم بإعلام ‏شعبه بالحقائق.

‏القيادة الثقافية وشخصية الرئيس

‏في ضوء ذلك قدم هارجروف مفهومًا جديدًا هو ‏”القيادة الثقافية”، ‏حيث يمكن أن يكون القائد مصدر إلهام لشعبه عندما يتمكن من التعبير بكفاءة عن ثقافة الدولة، ‏وتوظيفها لزيادة قوتها، ‏وتحقيق الأهداف.

‏لذلك فإن الثقافة تشكل أساسًا ‏للربط بين الرئاسة والقيادة، ‏والالتزام بالمبادئ والقيم الناتجة عن ثقافة الدولة وتاريخها وتجاربها ‏وكفاحها.

‏القدرة على الإقناع

‏يقول جورج إدواردز ‏أستاذ الدراسات الرئاسية بجامعة تكساس: ‏إن قدرة الرئيس على الإقناع تساهم في ‏التغلب على العقبات ومواجهة التحديات، ‏كما أوضحت دراساته أن الغرور والجهل يقلل فرص الرؤساء في التحول إلى قادة.

‏لذلك يجب أن يستثمر ‏الرئيس قدراته في إقناع شعبه بالمبادرات والقرارات التي يتخذها.. ‏كما يجب أن تقوم حكومته بالعمل لإقناع الشعب، ‏وعدم استخدام القهر والقوة الغاشمة في إجبار الشعب على تقبل قرارات لا تتناسب ‏مع الظروف ‏التي يمر بها.

‏وترتبط القدرة على الإقناع بالديمقراطية، فالرئيس ‏يدرك أنه سيتقدم بعد فترة لانتخابات جديدة يعمل فيها لإقناع الشعب بإعادة انتخابه، ‏كما أن القهر واستخدام القوة يرتبط ‏بالدكتاتورية.

‏وفي النظام الديمقراطي يمكن أن يتحول الرئيس إلى قائد، ‏فهو يحاول دائمًا ‏التأثير في الرأي العام، ‏ومخاطبة ‏الجمهور.

‏لذلك يجب أن يكون الرئيس قائما عظيما بالاتصال ليتمكن من التحول إلى قائد، ‏وهذا يعني القدرة على صياغة الخطاب السياسي الذي يكسب ‏به العقول والأرواح.

ومعنى ذلك أن ‏مهارات الاتصال بالجماهير والإقناع واستخدام اللغة في صياغة الخطاب السياسي، من أهم المؤهلات التي تساهم في تحويل الرئيس إلى قائد يلهم شعبه ويؤثر فيه.

‏القيادة الرئاسية والتغيير!

‏إن أهم العقبات التي تحول دون تحول الرئيس إلى قائد الحرص على الاستقرار، ‏وعدم القدرة على قيادة التغيير. ‏فالدول ‏التي تحرص على استمرارية الوضع الراهن والخضوع للواقع لا تستطيع أن ‏تحقق التقدم أو أن تبني المستقبل.

‏إن الرئيس الذي يحرص على الاستقرار لا يستطيع أن يكون قائدًا ‏للتغيير، ‏وبقدر ما يكون التغيير مخيفًا ‏ويحمل الكثير من المخاطر، فإنه ‏يحمل الفرص وإمكانيات التطوير والإبداع والابتكار وبناء المستقبل.

‏وبدون أن يمتلك الرئيس رؤية للتغيير فإنه لا يمكن أن يتحول إلى قائد، ‏فهناك علاقة قوية بين القيادة والتغيير.

‏لكن التغيير يجب أن يستند على التجارب التاريخية والإنجازات الحضارية وتحفيز الشعب لتحقيق الاستقلال الشامل، ‏واستثمار موارد الدولة طبقًا لاستراتيجيات طويلة المدى.

‏السياق السياسي العالمي

‏هناك أيضا ‏جوانب جديدة يجب أن تؤخذ في الاعتبار ونحن نحاول بناء نظرية جديدة للربط بين الرئاسة والقيادة، و‏هي أن السياق السياسي العالمي يمكن أن يقلل قدرة الرئيس على التحول إلى قائد للتغيير.

‏لذلك فإن تقييم قدرات الرؤساء يجب أن يتم في إطار دراسة السياق العالمي والمحلي، ‏فالرئيس ‏يمكن أن يتمتع بقدرات ومميزات عالية لكنه لا يستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة التي تلهم شعبه ‏خلال فترة معينة، ‏وفي مواجهة تحديات تقلل قدرته ‏على الحكم وإدارة مؤسسات الدولة، ‏مثل وجود منظومة من القوانين تمنعه من قيادة التغيير، ‏أو سيطرة إحدى مؤسسات الدولة على شؤون الحكم.

‏عدم ثقة الشعب في الرئيس

‏إن الرئيس الذي يدير حركة السلطة التنفيذية، ‏هو المسؤول عن أعمالها، ‏وهناك ملاحظة هامة هي أن الشعوب لا تثق في السلطة التنفيذية، ‏ولا في الأشخاص الذين يحتلون المناصب فيها. ‏ونتيجة لبيروقراطية ‏هذه السلطة فإنها لا ‏تلبي تطلعات الشعوب. ‏وكثيرًا ما تكون توقعات الشعوب أكبر من قدرة هذه السلطة.

‏إن الشكوك ‏تحيط دائمًا بأعضاء الحكومات، ‏وكثيرًا ‏ما يرتكب الوزراء الأخطاء، ‏‏أو يتخذون قرارات لا تتناسب مع آمال الشعب، ‏وهذا يشكل عقبة أمام تحول الرئيس إلى قائد.

‏لكن خطاب الرئيس عندما يتميز بالشفافية، ‏وإطلاع ‏الشعب على الحقائق يمكن أن يساهم في زيادة قدرته على الحصول على ثقة الشعب ‏التي تقوم على المعرفة.

‏تاريخ الرئيس وثقافته

‏إن تاريخ حياة الرئيس يلعب دورًا مهمًّا ‏في اكتشاف فرص تحوله إلى قائد لشعبه، ‏فهناك الكثير من الأعمال التي يرتكبها الشخص في حياته يمكن أن تقلل ثقة الشعب فيه.

‏كما أن الغموض في حياة الشخص يمكن أن يزيد الشكوك ‏ويقلل التأثير.

‏لذلك فإن الرئيس الذي يمكن أن يتحول إلى قائد، يجب أن يتميز تاريخه بالكفاح لتحقيق أهداف عظيمة.

‏كما أن ثقافة الرئيس، والكتب التي قرأها في حياته، ‏والتعليم الذي حصل عليه تساهم في بناء رؤيته للمستقبل ‏و‏المشروع الحضاري الذي يقدمه لشعبه.

‏وإذا كان من أهم مسؤوليات الرئيس القائد أن يروي قصة كفاح شعبه، ‏ويوضح للعالم الإنجازات الحضارية لدولته وأمته، ‏فإنه من الضروري أن يكون قادرًا ‏على أن يروي لشعبه قصة حياته، ‏وأن يكون صادقًا ‏في روايتها. ‏فالقائد ‏يجب أن يكون صاحب تاريخ، ‏ورؤيته لا بد أن تكون نابعة من تجربة كفاح تتميز بالثراء.

‏إن الرئيس الذي يصل إلى المنصب فجأة لا يمكن أن يصبح قائدًا. ‏فتجاربه ‏التاريخية وعلمه وثقافته ودفاعه عن المبادئ، ‏والتزامه بالقيم والأخلاق، ‏ يمكن أن تؤهله ‏ليصبح قائدً ‏قبل أن يكون رئيسًا.

‏والشعوب تحتاج إلى أن تفكر طويلا في شخصية من تنتخبه رئيسًا، ‏ومن حقها أن تعرف تاريخه لتعرف هل يمكن أن يصبح قائدًا؟!

‏فالرئيس الذي يمكن أن يصبح قائدًا ‏يمكن أن يحقق التغيير والتقدم ويلتزم بالمبادئ والقيم ويلهم الشعب لتحقيق الاستقلال الشامل.

المصدر : الجزيرة مباشر