لماذا لن يكون قيس سعيد مثل ديغول وفيلي برانت؟!

بعد أسبوع من إجراء الرئيس قيس سعيد الاستفتاء على دستوره الجديد الذي يُقوّض الديمقراطية، ويُطيح بمكتسبات ثورة الشعب التونسي، يبدو أنه من غير الوارد أن يقرأ علنًا، وبشكل دقيق، نتائج الاستفتاء قراءة صحيحة، وفق قواعد العقل والواقع والديمقراطية.

وستكون أزمة حقيقية؛ شخصية وسياسية ووطنية، إذا كان لا يقوم بهذه القراءة مع نفسه، أو مع الدائرة المقربة منه في الحكم. التعامي عن رؤية مقاطعة الشارع للدستور، خداع متعمد للنفس، أو تعطيل للعقل، أو انعزال عن الواقع، أو هو الإصرار على استعادة حكم الفرد، كما كان في عهد بورقيبة ثم ابن علي.

وهنا سنكون أمام محاولة حثيثة لطي صفحة أول وأنجح تجارب الربيع العربي التي ظلت صامدة مدة 11 عاما، بينما توالى سقوط التجارب الأخرى سريعا، وهذا لن يضيف تفسيرًا جديدًا لمصاعب التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، فالمصاعب متجذرة، وإنما سيؤكد مواصلة التجديف عكس تيار التاريخ في البنية العقلية الرسمية والمؤسساتية الحاكمة، ولدى بعض النُّخَب الانتهازية، ويُراكم مزيدًا من الإحباط لدى المخلصين للديمقراطية والحكم الرشيد.

مع هذا، فلم ينطفئ مصباح المواجهة السلمية ضد العصف بالديمقراطية الناشئة في تونس، ولم تسقط التجربة كاملة، هناك حراك مضاد ومقاومة سياسية للاستبداد الجديد، ونتائج الاستفتاء تؤكد ذلك، ولا تزال تمنح التونسيين ميزة الوعي.

التأييد الواسع ضرورة للدستور

الدستور هو أبو القوانين، هو الوثيقة الأولى في بناء النظام السياسي في الدولة، هو العقد الاجتماعي بين سلطة الحكم التي تنبثق عنه والشعب صاحب هذه السلطة ومانحها لمن يختاره لها.

ومن الثابت أن الالتفاف الشعبي الواسع حول الدستور عبر التصويت الشفاف النزيه ضرورة قصوى لتأكيد الموافقة عليه، وأن المقاطعة بأي شكل تعني تثبيت ابتعاد الشعب عن هذه الوثيقة ورفضه لها.

التأييد له شكل واحد هو التصويت بـ”نعم”، والرفض له أشكال عديدة، أولها “لا”، وبعدها المقاطعة بعدم ذهاب الناخبين للتصويت.

إذا كانت المقاطعة أوسع من المشاركة، فلا يجوز هنا أن يُقال إن الناخبين تمت دعوتهم ولم يأتوا، ويتم تمرير الدستور بمن حضر.

هنا نقول إن هذا ليس تصويتًا على مرشح في انتخابات محلية أو نيابية أو رئاسية.

إذا كان مقبولًا أن يفوز المرشح في انتخابات تمثيلية بنسبة متدنية من الحضور، فهذا ليس مقبولًا مطلقًا في التصويت على الدساتير، فالترشح التمثيلي يتكرر كل عدة سنوات، أما الدستور فليس له دورة استفتائية، والأساس أن يحظى بتأييد شعبي هائل، وأن يبقى كما هو طويلًا، إلا إذا استجدت أوضاع ضاغطة تتطلب تعديله.

الحالة تزداد سوءًا

الرئيس التونسي يقدم نفسه منذ استحواذه على مفاصل السلطة تدريجيًّا في 25 يوليو/تموز 2021، بأنه الحريص على مصالح الشعب، والحاني عليه، والداعم للديمقراطية والحريات، والمواجه للفاسدين والخونة والمتآمرين، وما إلى ذلك من خطب وتصريحات وشعارات وإجراءات عملية، لم تظهر لها نتائج إيجابية تغير الواقع إلى الأفضل، وترفع من شأن الناس، وتدعم الديمقراطية، وتدلل لمن أطاح بهم بأنهم كانوا فاشلين، بل ساءت الأوضاع، ولم تتحسن الحالة التونسية عما كانت عليه قبل عام.

المقاطعة الواسعة الصادمة

نعود إلى النتائج الرسمية للاستفتاء المفروض أن تصدم الرئاسة، وتكشف فشل الإدارة منذ الانفراد بالسلطة.

عدد المصوتين المسجلين 9,278,541 ملايين، الذين ذهبوا منهم إلى لجان الاستفتاء 2,830,094 مليون، وهذا يعني أن الذين لم يذهبوا للتصويت 6,448,447 ملايين، أي لم يتوجه إلى اللجان نحو 70% ممن لهم حق التصويت، مقابل 30% فقط مارسوا هذا الحق.

إذن، ثلثا الناخبين قاطعوا استفتاء دستور الجمهورية الجديدة، والثلث فقط تحمس له.

وهنا توضيح بشأن المصوتين، إذ إن منهم 148,723 ألفًا صوتوا بـ”لا”، أو أبطلوا أصواتهم، ليكون في النهاية من أيدوا الدستور 2,607,884 مليون تونسي فقط، وهذه نتيجة غير لائقة مطلقًا بدستور يجري التبشير به طوال عام كامل.

وعندما يرفض ثلثا التونيين المشاركة في الاستفتاء، ويجلسون في بيوتهم، فهذا يعني النقمة على الدستور الذي فصله الرئيس كما يشاء، ووضع لنفسه فيه سلطات واسعة، وفتح الباب أمام دكتاتورية حكم جديدة.

ربما كان هناك فئة، بين الكتلة العريضة من الشعب المقاطع، تدعم قرارات تجميد الرئيس للبرلمان، ثم سيطرته على المؤسسات تدريجيًّا، بسبب تردي الأوضاعهم الناتج عن صراعات الأحزاب ومنظومة الحكم، لكنهم بعد عام، ودون وجود مكونات التأزيم في السلطة، لم يحصدوا ثمرة، ولم يجدوا ميزة، فتحولوا من تأييد الرئيس إلى معارضته عبر الامتناع عن التصويت على دستور سقط شعبيًّا قبل إعلان نتائجه الرسمية.

 بين سعيد وديغول وبرانت

الفرصة جاءت للرئيس التونسي ليدخل التاريخ، مثل فيلي برانت مستشار ألمانيا (1969- 1974) الذي عُرف بكلمته الشهيرة: “علينا أن نتجرأ لنتناول مزيدا من الديمقراطية”، وبالفعل نجح في سياسته، وترك بصمة في تاريخ وسمعة بلاده حيث غير وجهها داخليًّا نحو توسيع ممارسة الديمقراطية، وخارجيًّا بالانفتاح على أوروبا الشرقية.

لكن سعيّد يُقّلص الديمقراطية، ويوسع نطاق الحكم المطلق الذي ثار عليه التونسيون في 2010.

كما جاءته فرصة أخرى ليدخل التاريخ، مثل الرئيس الفرنسي الأشهر شارل ديغول الذي استقال لأن نتيجة الاستفتاء على إصلاحاته الدستورية عام 1969 لم تكن بالنسبة التي أرادها، فقد أيدها 47,6%، ورفضها 54,4%، ورغم أن الفارق التصويتي ضيق، وأن الدستور لا يلزمه بالاستقالة، فإنه فعلها لأنه لا يرضى أن يحكم شعبًا نصف ناخبيه يختلف مع سياساته.

لا يزال هناك وقت ليفكر سعيّد في معنى المقاطعة الشعبية الواسعة للاستفتاء على دستوره، ويتخذ قرارًا مناسبًا مع حالة عدم الرضا المتزايد عن مساراته السياسية والتنفيذية.

هناك شعرة رفيعة بين دخول التاريخ من أوسع أبوابه، أو من أضيق نوافذه، والحاكم العربي يكرس رفضه لتخليد ذكراه في الصفحات البيضاء للتاريخ، وتجده غالبًا في الصفحات المعتمة منه.

المصدر : الجزيرة مباشر