مؤشرات غامضة في خطاب قائد الجيش السوداني

عبد الفتاح البرهان

انتظر القائد الأعلى للجيش السوداني الفريق ركن عبد الفتاح البرهان نحو ثلاثة أعوام ليكتب شهادة وفاة الشراكة الثنائية بين الجيش وقوى الحرية والتغيير، وانتظر نحو عشرة أشهر ليعلن سحب الجيش من الميدان السياسي، ودعوة القوى الوطنية لتكوين حكومة تكنوقراط مستقلة يعقبها حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة، وفقًا للبيان الأخير المقتضب الذي أذاعه البرهان للشعب السوداني، وتضمن مؤشرات غامضة. كما وضع البلاد في مأزق جديد بالفعل، حين ترك تحديد مصيرها للسفارات والبعثات الأجنبية، والأصوات المتشاكسة، بما لا يمكن أن ينتج أي معادلة سياسية تنقذ السودان من الضياع، وتُحيي الأمل الذي أريق على عتبة النكبات الوطنية.

التجربة المصرية

تحدث بيان قائد الجيش عن عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في المفاوضات الجارية في البلاد، لكنه لم يحدد هل يقصد بذلك عودة الجيش إلى ثكناته نهائيًّا، كما يطالب به الثوار، أم سيجد له دورًا أكبر في مرحلة لاحقة، ولا سيما أن الجيش معني بحماية الانتقال. كما تحدث البيان عن حل مجلس السيادة وتشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهنا يمكن أن تتفجر الخلافات مجددًا، ويظهر شيطان التفاصيل في صلاحيات المجلس الأعلى، وحدود تحركاته، وتقاطعات الأمن والسياسة، بصورة قد تستعجل سيناريو الانقلابات العسكرية مرة أخرى. ولعل الأمر المهم أن المجلس الذي تحدث عنه البرهان أشبه بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي تولى إدارة البلاد بعد سقوط نظام مبارك، واختفى ثم عاد للانقلاب على حكم الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، فما الذي يمنع المجلس العسكري السوداني من أن يتحور كما يتحور فايروس كورونا، ويحاول أن ينفذ من بوابة الأمن القومي؟ فما قام به عبد الفتاح السيسي من عسكرة للحياة السياسية في شمال الوادي ما هو منا ببعيد. وكلاهما، أي عبد الفتاح السوداني وعبد الفتاح المصري يقرأ من نفس الكتاب.

التوافق المستحيل

تضمن خطاب البرهان دعوة ما سمّاه القوى الوطنية إلى تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تتولى إكمال الفترة الانتقالية، وهو يعلم جيّدًا أن الكُتلة السياسية المؤثرة في الشارع والمنظمات الغربية، ذات طبيعة حزبية تموت في السلطة، ولا يمكن أن تتفق على أي قضية، ولا يمكن كذلك أن تقبل لعب دور المتفرج، أو صانع الطعام الذي لا يأكل منه، ولذلك تتخذ من الشارع أو الشراكة مع الجيش مطية للاستيلاء على الحكومة، إلى جانب استحالة حدوث ذلك التوافق الوطني المنشود، والبرهان يعلم هذا جيّدًا، حيث جُبلت النخبة السودانية منذ القِدم على حب الذات وتنامي الشجون الصغرى، على حدّ وصف المهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني، والصراع الدائم على الكراسي، كما أن تلك النخبة لا يمكن أن تخوض أي تجربة انتخابية بجماهيرها الهزيلة، ولذلك تقاتل قوى الحرية والتغيير، والحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات السلام، للحصول على أكبر فترة انتقالية، تؤمّن بها امتيازاتها، ولا يضيرها أن تتحالف مع العسكر في سبيل البقاء في السلطة مقابل أن تتنازل عن شعاراتها الثورية، فما فعله الديمقراطيون بالديمقراطية في بلادنا أنكى وأبشع، وهو أمر محيّر ويحتاج إلى وقفة.

إشارات غامضة

ولعل ذلك البيان، الحمّال للأوجه، حوى إشارات غامضة، وقصد ترك كثير من الإجابات مفتوحة، منها مصير اتفاقية سلام جوبا، والمواجهة المحتملة بين الحركات المسلحة بطبيعتها العسكرية والقوى المدنية، وتجاهل وضعية قوات الدعم السريع في المستقبل، كما أنه ترك أمر الانتخابات في يد قوى سياسية لا تريدها وتعمل على عرقلتها، فضلًا على المساحة التي سوف يتحرك فيها رئيس البعثة الأممية فولكر بيرتس، من خلال مبادرة الآلية الثلاثية التي يقودها، فهنالك من يرى أن البرهان ترك مصير البلاد في يد المبعوث الأممي، وهنالك من يرى أن موقف الجيش سحب الشرعية من البعثة الأممية، فلم يعد لديها الحق في الوساطة، إذ كان دافعها الظاهر التوسط بين العساكر والمدنيين، والآن تنحى الطرف العسكري. فهل ستكون هنالك أطراف أخرى لا يريدها المبعوث الأممي، أو من يتحالف معه، مثل أن ينتقل الصراع إلى ملعب جديد، عوض ترديد عبارة لا حوار مع الانقلابيين، تصبح لا حوار مع شركاء الانقلابيين، وهنا يمكن أن يهب الجيش مرة أخرى ويقرر في أمر الانتخابات، لكن أيضا تظل احتمالية قيام البرهان بنقل السلطة في المدى البعيد إلى القوات المسلحة واردة.

تجربة سوار الذهب

لا أعرف لماذا يتردد البرهان ورفاقه داخل الجيش في انتهاج نهج المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب، الذي تولى رئاسة المجلس العسكري الانتقالي عقب انتفاضة أبريل/نيسان 1985 التي أطاحت بنظام الجنرال جعفر نميري، وتعهد بتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة خلال سنة واحدة، وهو ما حدث بالفعل حين نقل سوار الذهب السلطة إلى رئيس الوزراء المنتخب حينها الصادق المهدي، فصدق وعده. لكننا أمام جيل جديد من الضباط، الطامحين في السلطة، الهاربين من تبعاتها، لا تثير حفيظتهم التدخلات الخارجية ولا انتهاك السيادة، ينفذون الانقلابات العسكرية ويتراجعون عنها! ويصعب أن تفهم ما يرغبون فيه، دون أن تتورط في إساءة تفسير خطاباتهم ودوافع الخفية، وتحديد خطى سيرهم، أو من يخطط لهم، وعلى رأسهم عبد الفتاح البرهان، وضباط لجنة البشير الأمنية، (صلاح قوش، وعوض بن عوف، وحميدتي) الذين انقلبوا على البشير، وعجزوا عن المضي قدمًا بعد رحيل قائدهم، وما عرفوا ماذا يفعلون، بدليل أن البرهان ببيانه هذا أعاد عقارب الزمان إلى 11 نيسان/ أبريل 2019، نقطة البداية، وتاريخ سقوط الإنقاذ، فكم لبثنا؟

المصدر : الجزيرة مباشر