وقائع زيارة رئيس الصين السرية لـ”شينجيانغ”

شاشة عملاقة تُظهر لقطات إخبارية للرئيس الصيني أثناء زيارته لمنطقة شينجيانغ ذاتية الحكم في 15 يوليو/تموز الجاري

 

اختفى رئيس الصين (شي جين بينغ) عن الأنظار لمدة أسبوعين، بعد زيارة صاخبة لجزيرة هونغ كونغ، مطلع الشهر الجاري. أثار غيابه الطويل الدهشة، وضعت 9 مناطق تحت الإغلاق، يعيش بها 260 مليون شخص في عزلة، مع عودة انتشار وباء كورونا المتحور.

خرجت المظاهرات في عدة مناطق، احتجاجا على عدم قدرة بنوك محلية على توفير السيولة لعملائها، من الفلاحين ومحدودي الدخل، وأخرى تطالب برد أموالها، من الشركات العقارية الحكومية، التي نصبت عليهم، ولم تنته من تنفيذ أعمال، جمعت من الناس قيمتها، منذ سنوات.

تسبب غياب الرئيس في إثارة تكهنات حول إصابته بمرض عضال، أو عدوى من الوباء، بعد أن صدرت تقارير طبية حول إصابة عضو المجلس النيابي في برلمان هونغ كونغ (ستيفن هو) بكوفيد-19، وهو الذي كان يقف على بعد أمتار من (شي)، أثناء حفل الاستقبال، بمناسبة مرور 25 عاما، على عودة الجزيرة إلى السيادة الصينية.

غياب مريب

ترك غياب (شي) فرصة لانتشار الشائعات، وفجأة أعلنت وكالة “شنخوا” الرسمية، الجمعة 15 يوليو/تموز، عن قيام الرئيس بزيارة لمنطقة شينجيانغ (تركستان الشرقية)، التي يقيم بها 24 مليون من مسلمي الإيغور والقازاق.

زار الرئيس إقليما كبيرا سرا، وقضى 4 أيام، أخبرني مواطنون من الإيغور أنهم لم يشعروا بوجود “شي” بينهم طيلة هذه الفترة، ولم يعرفوا بالزيارة إلا بعد انتهائها، من الإعلام الرسمي. أظهرت الصور استقبالا شعبيا من مواطنين أغلبهم مدربون من الهان، وظهرت بينهم شخصيات من الإيغور، معظمهم من النساء والأطفال. يشرح صديق إيغوري هذا المشهد عبر الهاتف، بأنه أمر طبيعي، لأن أغلب رجال الإيغور ما زالوا في السجون ومعسكرات التعذيب، التي يطلق الحزب الشيوعي عليها “معسكرات التأهيل وتلقين القومية”.

زيارة “شي” -المرشد الأعلى للحزب الشيوعي- لشينجيانغ، للمرة الأولى، منذ عام 2014، لم تأت سرا من فراغ. فرغم إعلانه نجاح جهوده التي استمرت سنوات في قمع الإيغور، لجعل المنطقة مستقرة تحت قيادته، فإنه لم ينس ما حدث من تفجيرات، في اليوم الأخير لتلك الزيارة، حينما فجر مسلحون قنبلة بالقرب من مقر اقامته، أسفرت عن مقتل أحد المارة واصابة العشرات بجروح.

فرسائل الساخطين على سياسات النظام في المنطقة، كانت تخبره “لا مكان ولا أمان لك هنا”، فقد انفجر العنف بسبب سياسة التطهير العرقي، والإبادة الجماعية القائمة على الهوية الثقافية والدينية، شملت مصادرة أملاك المواطنين، وهدم المساجد والبيوت، وملاحقة كل ملتح أو مؤد لصلاة أو رافض للخمور والتعاون مع الأمن في الوشاية بأبناء قوميته.

عودة القمع

عاد “شي” ليحتفي بما أنجزه، من توظيف لأجهزة القمع، التي لم تُظهر رحمة، في تعاملها مع النساء والرجال، فوضعت سكان الإقليم تحت الرقابة الدائمة ومعسكرات العمل القسري. رغم نشوة الانتصار التي يوظفها لتعزير صورته، كزعيم قضى على الإضرابات في هونغ كونغ وتركستان الشرقية، بما يؤهله لأن يطلب استمراره في منصبه، لفترة رئاسية ثالثة، في اجتماعات الحزب الشيوعي نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل، إلا أن سرية الزيارة، بيّنت كيف يفتقد الزعيم إلى الولاء المطلق لقيادته. حسب مصادرنا هناك، زار “شي” 3 مدن، أورومتشي عاصمة الإقليم، وشيخانده وهما من المدن الغنية، فجاءت تعليقات “شي” منفصلة عن الواقع. في البداية قال إن المنطقة تشكل “حلم الصين”، حيث الكل في واحد لخدمة الوطن، بما أدى إلى الاستقرار والقضاء على الفقر والتطرف، بينما تُظهر الأرقام تدهور الإنتاج في المنطقة، فالهان مشغولون بإدارة معسكرات العمل القسري، والمواطنون أنهكهم التعذيب، والشركات العالمية أوقفت استثماراتها الضخمة، لا سيما في صناعة السيارات والطاقة الشمسية، والقطن والنسيج، والتعدين، بعد صدور قانون أمريكي، يحظر الشراء أو التعامل مع الكيانات أو الأفراد المشرفين على تعذيب الإيغور ومعسكرات السخرة.

ابتعد “شي” عن زيارة كاشجر العاصمة التاريخية للإقليم التي أمر بهدم آلاف المساجد والبيوت التاريخية بها، والمناطق القديمة الغاضبة، التي ما زالت تعيش في فقر مدقع.

راعي البقر

توجه “شي” في جولته الثالثة منتشيا، إلى منطقة بن يان “Pinyin”، التي تضم أكبر معسكر لمؤسسة “شينجيانغ للإنتاج والتشييد”، المعروف اختصارا بـ XPCC أو Bingtuan. تجول مرتديا نظارة شمسية سوداء، وقبعة رعاة البقر، في حقول القطن التي تنتج 20% من الإنتاج العالمي، وضعتها الشركات الدولية في القائمة السوداء، بعد ثبوت توظيفها عمالة السخرة للإيغور. استهدف “شي” طمأنة المسؤولين بها، على ما ارتكبوه من جرائم طوال سنوات، مهددا “لا تقلقوا سيشتري الصينيون كل إنتاجكم، وسنحاسب من يقاطعكم”. يعزز رئيس الصين الروح القومية القبيحة لدى الأغلبية من الهان، الذين بلغ تعدادهم في الإقليم 42% من السكان، بينما تراجعت نسبة الإيغور إلى 45%، وفقا للإحصاءات الرسمية لعام 2020.

جاء الهان إلى المنطقة عام 1949، في مجموعات عسكرية ضمت بضعة آلاف، على الحدود الواقعة حول شينجيانغ، بينما إدارة الإقليم ظلت في يد سلطة شعبية للحكم الذاتي، تحترم هويته وثقافته.

فيالق العسكر

منذ 50 عاما، أوفدت الدولة “فيالق شبه عسكرية”، تضم جنودا وضباطا وعتاة القوميين، الذي يبنون مستعمرات صغيرة، حيث يُنشؤون مزارعهم ومجمعات سكنية بها ما يحتاجونه، وما يوفر احتياجات الوحدات العسكرية في المنطقة، المكلفة بحماية الحدود. حولت السلطات تلك المستعمرات، إلى مؤسسة شبه عسكرية، تأتي بالمسرّحين من الجيش وغلاة الشيوعيين، لتدير الأنشطة الاقتصادية والأمنية، حتى أصبحت في عهد “شي” حكومة موازية لإدارة الإقليم، تجلب المهاجرين الهان، وتمنحهم البيوت والوظائف وثروات المنطقة، مقابل سحق الإيغور والاشراف على معسكرات الاحتجاز الجماعي وعمل السخرة.

يريد “شي” أن يتحدى ضغوط الإدانة الدولية لجرائم التعذيب، ولتصبح الغلبة لـ”الهان” وميلشيات الحزب على الحدود، ليُظهر أنه الزعيم القادر على تحطيم انفصالية هونغ كونغ والإيغور، وليستمر في منصبه، بدعوى استعادة تايوان التي يجهز لغزوها في وقت يناسبه.

المصدر : الجزيرة مباشر