الشيخ إمام.. حكاية أول سجين بتهمة الغناء!

الشيخ إمام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم

كانت أغانيه التهكّمية والتحريضية والسياسية سببا في غضب الرؤساء والحكومات منه، وتسببت في اعتقاله أكثر من مرة، ليصبح أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية، ورغم مرور السنوات على رحيله إلا أن نجمه ما زال ساطعا إلى الآن، وتغني الأجيال الحالية أغانيه في جميع المناسبات، وخاصة المظاهرات، فقد كان مغنيا عظيما ومتفردا استطاع أن يخلق حالة فريدة من نوعها لم تتكرر حتى الآن، من خلال أغانيه الصالحة للاستخدام والاستدعاء الى الآن!

إنه الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، الشهير بالشيخ إمام، الذي كوّن ثنائيا مع الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، وقدمَا أغاني تهكمية على الأوضاع التي لا تعجبهم، وكذلك أغاني وطنية، وذاع صيتهما وكانت أغانيهما تنتشر بسرعة البرق وكأنها نار في هشيم، حيث كانت تلمس الناس وتعبر عن حالهم، وأصبحت أيقونات في مصر والوطن العربي.

الطرد من الجمعية والقرية

وُلد الشيخ إمام في 2 تموز/ يوليو عام 1918 في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة بمصر، وأُصيب في عامه الأول بالرمد الحبيبي، وبسبب الجهل واستخدام طرقٍ شعبيةٍ لعلاجه فقَد الطفل الصغير بصره.

أراد والده أن يصبح ابنه شيخا مهما، فكان يأخذه إلى الجمعية الشرعية في القرية ليحفظ القرآن، واستطاع حفظ القرآن وهو في سن الحادية عشر، وكانت له ذاكرةٌ قوية، وأذنٌ موسيقية، حيث كان يستمتع بسماع الأناشيد في المناسبات الدينية والأغاني في الأفراح.

ولكن الجمعية الشرعية أخذت قرارا بالإجماع بفصله بعد أن علموا أنه يستمع للإذاعة رغم أنه كان يستمع عبرها إلى تلاوة القرآن، وبسبب فصله فقد عنَّفه والده بشدة وطرده من القرية، وحذره من العودة إليها.

رحل إلى القاهرة، وتعرّف على الشيخ درويش الحريري الذي كان من أهم الموسيقيين، فأُعجب بموهبته وصوته، وتولى تعليمه الموسيقى، وعرَّفه على كبار المطربين ومنهم زكريا أحمد، حيث استعان به في حفظ الألحان الجديدة، واكتشاف نقاط الضعف فيها؛ لأن أحمد لم يكن يحب الاستماع إلى الألحان لفتراتٍ طويلة.

كان إمام يحفظ ألحان أم كلثوم التي يلحنها لها زكريا أحمد، إلى أن بدأت هذه الألحان تتسرب إلى الناس قبل أن تغنيها، ومنها ألحان أغاني “أهل الهوى”، “وأنا في انتظارك” و”الأوله في الغرام”، عندها قرر زكريا أحمد الاستغناء عن الشيخ إمام.

لقاء الصديقين

بعدها بدأ الشيخ إمام تعلم عزف العود على يد كامل الحمصاني، وقرر أن يجرب التلحين بنفسه، فألَّف كلمات ولحنها وبدأ يتجه نحو هذا الطريق، وفي عام 1962 التقى الشيخ إمام الشاعر أحمد فؤاد نجم، وهو اللقاء الذي غيّر مجرى حياة الاثنين، حيث أُعجب إمام بكلمات نجم، فيما رأى الأخير في الشيخ إمام مغنيا وملحنا موهوباً.

ألَّف الثنائي، ولحنا العديد من الأغاني، وكبُرت شهرة إمام ونجم بعد الأغاني التي أطلقاها، ثم انضم لهما عازف الإيقاع محمد علي، وكوَّن الثلاثة فرقةً تولت التأليف والتلحين وإحياء الحفلات، وكانوا يعتمدون على كلمات العديد من الشعراء؛ منهم نجيب سرور وتوفيق زياد.

ولكن أخذت هذه الأغاني بعد هزيمة سنة1967 طابعا سياسيا ناقدا ومحرضًا، لتعبر أغانيهم عن رأي الشارع المصري والعربي، مثل أغنية ” الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار”، وأغنية “بقرة حاحا”، وغيرها من الأغاني.

هذه النغمة الساخرة سرعان ما تحولت إلى نغمةٍ مليئة بالفخر والاعتزاز وشحذ الهمم، وتقوية الروح الوطنية، فكانت أغاني مثل “مصر يا أمة يا بهية”، وأصبحت هذه الأغاني رمزًا للمرحلة، وترسخت هذه الأغاني أكثر بعد ألقى الأمن المصري القبض على الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم بسبب أغانيهما ودخلا السجن بحكمٍ مؤبد.

الاعتقال

ورغم وجودهما في المعتقلات لفترةٍ طويلة، إلّا أنهما لم يتوقفا عن التأليف والتلحين ومواكبة الأحداث خارج أسوار السجن، فكانت أغاني مثل “شيِّد قصورك” سببًا في زيادة نقمة السلطات عليهما، خاصةً مع عبارة “والخمارات جنب المصانع والسجن مطرح الجنينة – وأطلق كلابك في الشوارع واقفل زنازينك علينا”.

لم يخرج الشيخ إمام من السجن إلا بعد رحيل جمال عبد الناصر، وجاءت حركة الطلاب في السبعينيات لتحيي أغاني الشيخ إمام، حيث كان يردّدها الطلاب في احتجاجاتهم ضد الرئيس السادات خاصة طلاب التيار اليساري، وساعد على انتشار أغاني الشيخ إمام أيضا ظهور الكاسيت، وكانت أغنية “شحاتة المعسل” تصف السادات، وتسخر منه، وتم اعتقالهما مرة أخرى.

الصدمة الثانية

ثم جاءت سياسات أنور السادات الاقتصادية والسياسية وتوقيعه لمعاهدة كامب ديفيد، لتسبب صدمة للثنائي وهما في المعتقل، فلم تتمكن جدران السجن من حجب الأغاني التي ألَّفاها ولحَّناها؛ ردّا على هذا الاتجاه، فأصبحت أغانٍ مثل “شرفت يا نيكسون بابا”، و”حلاولا”، و”احنا معاك”، و”الفول واللحمة” على لسان كل مصري وعربي رافضا لسياسات السادات، وهو ما جعلهما يبقيان في السجن حتى اغتيال السادات.

وفي منتصف الثمانينيات بعد خروجه من المعتقل تلقى الشيخ إمام دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء بعض الحفلات في فرنسا، فلاقت حفلاته إقبالا جماهيريا كبيرا، وفتح ذلك الباب للعديد من الجولات في الدول العربية والأوربية لإقامة حفلات غنائية لاقت جميعها نجاحات كبيرة.

وبخصوص العلاقة بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم فقد افترق الصديقان، وفي سنوات حياته الأخيرة اعتزل الشيخ إمام الناس، واعتكف في غرفته المتواضعة في حي الغورية بالقاهرة حتى توفي في 7 من حزيران/ يونيو عام 1995، ولكن بقيت أغانيه بفضل الإنترنت تغنّى في كل مظاهرة، أو حدث سياسي، ليظل حيا دائما وسط الأجيال الشابة التي لم تعاصره.

المصدر : الجزيرة مباشر