ما بين ألمانيا ومصر أهم من حقوق الإنسان!

مقال الـ دي دويتشه تسايتونج. ما تكتبه الصحافة لا يفسد للود قضية.

هذا السؤال كان للصحفي “كريستيان ماير” من جريدة فرانكفورتر الجماين في معرض مقاله عن آفاق الانفتاح السياسي في مصر بعد زيارة الرئيس المصري قبل أيام قليلة، وما صرح به الرئيس عن الانفتاح والحوار الوطني والديمقراطية في رده على سؤال لأحد الصحفيين الألمان عندما ساله عن وضع حقوق الإنسان في مصر الآن.

رغم أن أهداف الزيارة المعلنة كانت تشير إلى المشاركة المصرية في “حوار بطرسبرغ للمناخ، مع ممثلين من 40 دولة، لبحث عدة ملفات من بينها كيفية المضي قدما في مكافحة التغير المناخي؟، وكذلك مشاكل إمدادات الطاقة، ونقص الغذاء في العالم… إلا أن الصحافة الألمانية استغلت الحدث وتحدثت كالعادة عن حقوق الإنسان في مصر.

لكن الرئيس المصري الذي اكتسب خبرة في الرد على نفس السؤال المتوقع عن حالة حقوق الإنسان في مصر في كل المؤتمرات الصحفية في الخارج.. دفعه إلى أخذ المبادرة من الصحفي الألماني قائلا: إنه سيتحدث بشكل مختلف عن وضع حقوق الإنسان في مصر، وراح يطمئن الصحافة الألمانية قائلا: إن الأوضاع جيدة في الحريات الدينية، وحقوق المرأة، وإن الحكومة تبذل جهودا مضاعفة لتوفير” الحياة الكريمة “، ولفت إلى حرية التعبير، وجلسات الحوار الوطني التي تعقد مع بعض شخصيات المعارضة الآن، ثم دعا الصحفي الألماني إلى زيارة مصر واللقاء بالمصريين، وقال:” زوروا مصر والتقوا بالناس واسمعوا منهم دون تدخل من جانبنا “. وأضاف” نحن لا نهتم بالأمر لأنكم تسألون عنه، بل لأننا نحترم شعوبنا ونحبها مثل ما تحترمون أنتم شعوبكم. هذه مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية والإنسانية تجاه شعوبنا”.

المصالح أهم من حقوق الإنسان

لكن ” مايكل زيمانسكي” في صحيفة الدوديتشه تسايتونج كتب مقالا تحليليا حول الزيارة تساءل فيه عن الدوافع التي جعلت برلين تتفاوض مع القاهرة رغم انتهاكات حقوق الإنسان حسب تعبيره، وأكد أن مأزق ألمانيا في الحاجة للغاز واستعداد مصر أن تمدها بالغاز يمثل أولوية قصوى للقيادة الألمانية، خاصة وأن الرئيس طمئن الجانب الألماني بأن مصر ستبذل قصارى الجهد في إيصال الغاز إلى ألمانيا.

من جهة أخرى أجمعت كل الصحف الألمانية على أن المصالح التي تربط بين الدولتين هي التي تلعب الدور المحوري الأول في العلاقات بينهما دون أن تلجأ دولة لممارسة ضغوط على أخرى، فأزمة الطاقة ودور مصر في تخفيف العبء عن ألمانيا، في نفس الوقت حاجتها للتكنولوجيا الألمانية جعلت التفاهم ممكنا بين البلدين رغم اعتراض ألمانيا على الاختفاءات القسرية ووضع حقوق الإنسان في مصر.

مصر أهم شريك تجاري لألمانيا في المنطقة

لا تقتصر العلاقة بين البلدين على أن مصر هي ثالث أكبر شريك تجاري لألمانيا، لكن منذ أن تولى الرئيس السيسي الحكم، وقعت الحكومة المصرية عدة عقود مع الجانب الألماني بمليارات الجنيهات لتحديث البنية التحتية، فقد وقعت عقدا مع شركة سيمنزلإنشاء محطات ضخمة لإنتاج الكهرباء بقيمة وصلت إلى 8 مليارات يورو، وهو رقم مهول في عالم صفقات البيزنس الدولية. أيضا عقد آخر لبناء شبكة سكك حديدية عالية السرعة بطول 1000 كم على مستوى الجمهورية، وبتكلفة إجمالية تقترب من 360 مليار جنيه مصري، في حين توصلت وزارة التعاون الدولي إلى اتفاقية تعاون مع الجانب الألماني لتمويل عدة مشروعات في مجالات كفاءة الطاقة وتأهيل المدارس المهنية والتعليم وتطوير البنية الأساسية في المناطق الحضرية.

قبل تلك العقود وفي أول ولاية الرئيس السيسي شهدت العلاقات توترا ملحوظا بين البلدين، ففي زيارته المتكررة لألمانيا ولقائه بالمستشارة أنغيلا ميركل كانت ثمة أمور غير عادية تحدث خلال المؤتمرات الصحفية وتحدث اشتباكات بين صحفيين معارضين وصحفيين تابعين للنظام، ثم خروج مظاهرات للمعارضين للتنديد بأوضاع حقوق الإنسان، وأيضا نتذكر أنه في أول زيارة للرئيس المصري رفض نوربرت لأميرت رئيس البوندستاج آنذاك استقباله.

الصحف الألمانية تنتقد تراجع الحريات في مصر

الصحف الألمانية تتناول دائما الشأن المصري من بوابة حقوق الإنسان باعتبار أن ذلك يمثل عملا أخلاقيا ومن أساسيات الصحافة الحرة، فهي دائمة التأكيد على أن ما بين 60 إلى 70 ألف سجين سياسي في مصر الآن، في وقت انتهت فيه الدولة من بناء 16 سجنا، لكن الرئيس السيسي كان قد شكك في صحة تلك البيانات أثناء زيارة له إلى فرنسا وقال وقتها تقريبا نفس ما قاله في زيارته الأخيرة إلى برلين عندما قال:” هل تحبون شعبنا وتخافون عليه وعلى بلادنا أكثر منا؟ ”

من جهته، لم يطرح المستشار شولتز أي جديد في هذا الملف، واكتفي بالقول إنه تم مناقشة وضع حقوق الإنسان مع الرئيس المصري وهو يشجعه دائما على اتخاذ” خطوات حازمة “عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في أمور تختص بحقوق الإنسان.

في كل الأحوال هناك اتفاق صامت بين الدولتين على السير قدما في مجالات التعاون خاصة وأن مصر يمكن أن تكون ضامنا لأمن أوربا في منع قوافل الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوربا عبر المتوسط، وأيضا يمكن أن تقف في وجه تركيا المتمردة والمتطلعة للعب دور كبير في السياسة الدولية الآن مقابل ترك مصر وشأنها في طريقة دمقرطة الدولة!!

 

المصدر : الجزيرة مباشر