الاستراتيجية الأمريكية: عقدان من التحولات (1)

بوش الابن، وأوباما، وكلينتون في حفل تأبين كولن باول

تنازعت السياسة الخارجية الأمريكية العديد من الثنائيات الجدلية، لعل أبرزها ثنائية الانعزالية والعالمية، وثنائية المثالية والواقعية، وفى إطار هذه الثنائيات وغيرها تشكلت العديد من التوجهات التي قامت عليها هذه السياسة. وقد جاء هذا التشكل في جانب كبير منه استجابة لأمرين، هما: القوة المتنامية باطراد للولايات المتحدة، والمصالح التوسعية للإمبراطورية البازغة، هذا من ناحية. ووجود فكرة محورية حاكمة، مفادها أن قيم الولايات المتحدة ومؤسساتها وآلياتها لابد أن تمتد إلى العالم كله، قد تختلف الوسائل والأساليب إلا أنها في المجمل تتفق في ضرورة تحقيق هذه الفكرة، من ناحية ثانية.

وفي إطار هذين البعدين تحركت الاستراتيجية الأمريكية، وفق اتجاهين متلازمين، واقعي ومثالي، الأول صاغه الرئيس تيودور روزفلت، الذي اعتبر الولايات المتحدة، ليست فقط “صاحبة رسالة كونية”، بل هي أيضا “قوة عظمى وربما الأعظم”، وأن هذه الرسالة هي القادرة على حراسة وضبط العلاقات الدولية بحكم القوة التي بلغتها. والثاني صاغه الرئيس ودرو ويلسون، حيث رفض قيام الولايات المتحدة بأداء دور تكون فيه مجرد دولة أخرى تسعى كغيرها إلى تحقيق مصالحها القومية.

بين الرغبة في الانعزال والرغبة في التوسع، وثنائية الصراع حول القيم والمصلحة

إذا كان الرئيس روزفلت قد آمن بالقوة، وآمن ويلسون بضرورة أن تتمثل الأمم الأخرى القيم الأمريكية، فليس ثمة تناقض بين التوجهين، فالأول يطلب القوة ويمارسها في ذاتها، والثاني يجد في القوة وسيلة قد يتم اللجوء إليها في لحظة من اللحظات، كما لا يوجد بينهما خلاف على الهدف الاستراتيجي البعيد، المتمثل في السيادة الأمريكية العالمية، فقد كان هذا الهدف هو جوهر السياسة الأمريكية طوال تاريخها.

وفى هذا السياق ذكر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، هنري كيسنجر، أنه سواء كانت القيم أو القوة أو الإيديولوجية أو مبرر الوجود، هي المحدد الرئيسي للسياسة الأمريكية، فإن هذه السياسة تتوقف بدرجة كبيرة على المرحلة التاريخية التي يجد فيها النظام نفسه. وبالنسبة للسياسة الأمريكية تمثل الحاجة الناشئة إلى الدقة الأيديولوجية والاستراتيجية الطويلة الأمد تحديا خاصا. فالسياسات المحلية تدفع السياسة الأمريكية في الاتجاه المعاكس، الذي لا يشرع لتكتيكات السياسة الخارجية فحسب، بل يسعى أيضا إلى فرض قانون سلوك على الأمم الأخرى بواسطة العقوبات. وتجد أمم كثيرة نفسها الآن خاضعة لمثل هذه العقوبات، وهو ما يعبر عنه بأنه مسعى أمريكي للهيمنة مفرط في الثقة والغرور، إلا أنه استجابة لمجموعات الضغط المحلية.

ومن هنا يمكن القول إن السياسة الأمريكية في تطورها، كانت محصلة لبعدين متلازمين، الأول ديني/ قيمي، يقوم على نشر القيم الأمريكية، في إطار تحقيق الدور الرسالي للولايات المتحدة في العالم، والثاني استراتيجي/ مصلحي، يقوم على تعظيم المصالح الأمريكية والدفاع عنها.

وفي هذه السلسلة من المقالات، سيتم تناول أهم التحولات في الاستراتيجية الأميركية، خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، بين عامي 2001 و2022. هذان العقدان اللذان بدآ بأزمة كبرى كانت الأخطر في التاريخ الأميركي المعاصر، وتمثلت في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما ترتب عليها من تداعيات فرضت الكثير من التحولات في الاستراتيجية الأميركية.

الولاية الأولى لجورج بوش الابن (2001 ـ 2004) وتوجهات الاستراتيجية الأمريكية العالمية بعد سبتمبر 2001

مع وقوع أحداث سبتمبر 2001، وفي ظل سيطرة تيارات اليمين الديني والسياسي على الإدارة الأمريكية، اتجه أنصار هذه التيارات إلى القول بأن ضعف القدرة الأمريكية على الحسم وضعف الرادع الأمريكي كان من بين العوامل المشجعة على هذه الهجمات، لأنه جعل الراديكاليين من معارضي الولايات المتحدة يظنون أنها قوة هشة. فقد تسامحت الولايات المتحدة مع عدد من التحديات لسياساتها، واتسم ردها على بعض آخر منها بطبيعة رمزية محدودة القيمة. وهو ما كان مشجعًا للإرهاب فتحدى المصالح الأمريكية، وأصبح المطلوب استعادة السيطرة على زمام الأمور عبر رفع مستوى العقاب على من يهدد المصالح الأمريكية. وفي هذا الإطار اتسم الردّ الأمريكي الأولّي على هجمات سبتمبر بالحدة، التي لخصها الرئيس بوش بقوله: “لا حياد في الحرب ضد الإرهاب”.

وفى إطار هذا التفسير، اختلفت الاستراتيجية الأمريكية، من حيث توجهاتها وقضاياها وأدواتها، بعد أحداث سبتمبر 2001 عما كانت عليه قبل هذه الأحداث، فقد أدت هذه الأحداث إلى تغير كبير في الطريقة التي ترى بها الولايات المتحدة العالم، والتي تحدد على أساسها حلفاءها وأعداءها، حيث اتجهت الولايات المتحدة لتكون أكثر ارتباطًا بالعالم، وأن يكون لديها الإرادة السياسية لاستخدام القوة العسكرية ليس فقط للدفاع عن مصالحها الحيوية في الخارج، بل أيضا لنشر رسالتها والقيم التي تقوم عليها في العالم، أو إعادة صياغة العالم وفقا للمبادئ والمصالح الأمريكية، كما تم التأكيد على أن الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى حلفاء في حربها ضد الإرهاب سواء لتقديم المساعدات العسكرية أو تقديم غطاء سياسي وإضفاء قدر من الشرعية على العمليات العسكرية الأمريكية.

لقد كان لأحداث سبتمبر 2001، العديد من التأثيرات على إدارة بوش، من أهمها إضفاء شرعية شعبية على رئاسة بوش، بعد أن شكك الكثيرون في صحة نجاحه وقانونيته، وذلك من خلال تحويله إلى مدافع عن أمن الشعب الأمريكي الذي تعرض لعدوان خارجي إرهابي لم يسبق له مثيل. وبهذا ارتفعت شعبيته إلى مستويات كبيرة، وهو يجند الشعب الأمريكي والعالم لشن حرب عالمية على الإرهاب، الأمر الذي عزز من قوة فريقه المشكل من عدة تيارات يمينية محافظة، مكنته من صوغ استراتيجية جديدة للولايات المتحدة تعكس أفكاره وأهدافه.

كذلك تم النظر إلى الحرب ضد الإرهاب على أنها أولوية للسياسة الأمريكية، مع توسيع هذه الحرب لتشمل أطرافًا أخرى بعد إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، كالعراق وإيران والصومال واليمن وبعض المنظمات التي ألصقت بها الولايات المتحدة تهمة الإرهاب. وأعطت أحداث سبتمبر الفرصة للرئيس بوش ليخرج أسلحته من ترسانتها، ويعد للحرب على أفغانستان مؤيدًا من غالبية دول العالم. فعادت الولايات المتحدة لتمتلك زمام المبادرة التي فقدتها منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن العشرين.

وبدلا من أن تستخلص الولايات المتحدة من تلك الأحداث استحالة تحقيق الأمن المطلق، فإنها أصبحت أكثر إصرارا على تحقيق هذا الهدف، وأكثر تركيزا على تحقيق الأمن باعتباره الأولوية الأولى، وأصبح الإرهاب همها الأمني الأول. وطبقا للطريقة التي يفكر بها اليمين الأمريكي، الذي وجد في هذه الأحداث فرصة للترويج لأفكاره وسياساته، فإن هجمات 11 سبتمبر كانت دليلًا على إخفاق السياسات الليبرالية التي تبنتها إدارة الرئيس بل كلينتون خلال التسعينيات من القرن العشرين، في حماية الأمن والمصالح الأمريكية.

لقد عززت أحداث سبتمبر والحرب الأمريكية على الإرهاب ميل اليمين الأمريكي للعمل المنفرد، ونجح أنصار هذا التيار في ترسيخ مفهومين أساسيين في التفكير الاستراتيجي الأمريكي

ونظرا إلى أن أحداث سبتمبر كشفت للإدارة الأمريكية استحالة تخليها عن مهمة صياغة نظام دولي جديد، فقد بدأت الإدارة تطور أفكارها في هذا الاتجاه، وكان التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارهما الأساس لبناء العالم الجديد، والوسيلة الأساسية للتخفيف من التهديدات التي تتعرض لها الولايات المتحدة.

وربط اليمين الأمريكي بين تقديره لأهمية الديمقراطية من ناحية، والميل للاعتماد على القوة المسلحة من ناحية ثانية، انطلاقا من خبرة تاريخية للمجتمع الأمريكي، فالشعب الأمريكي يتسم بدرجة عالية من المثالية، ولكن خبرته التاريخية ليس فيها ما يفيد إمكانية نشر وترويج المثل التي يؤمن بها عن طريق غير طريق القوة. وأصبح مفكرو اليمين الأمريكي أكثر اعتقادا في الارتباط بين الاستبداد الداخلي والسلوك الخارجي المتسم بالعدوانية، وأن الدول الديمقراطية لا يحارب بعضها بعضا، الأمر الذي يجعلهم قادرين على التوفيق بسهولة بين المناداة بالديمقراطية ومحاولة التدخل لفرضها بالقوة المسلحة.

ومن هنا أصبحت الإدارة الأمريكية بعد 11 سبتمبر أكثر ميلًا إلى اتباع سياسة خارجية نشطة أسس لها مفكرو اليمين الأمريكي، رافضين الاتهامات التي توجه إليهم بأن الاهتمام المبالغ فيه بالأوضاع السياسية الداخلية في دول أخرى يعد تدخلا في شؤونها الداخلية، ويعد نوعا من الإمبريالية الجديدة، مبررين ذلك بأن الولايات المتحدة عندما تفعل ذلك فإنها لا تتصرف بطريقة شاذة، ولكنها تفعل نفس ما فعلته القوى الكبرى عبر مراحل التاريخ.

وقد عززت أحداث سبتمبر والحرب الأمريكية على الإرهاب ميل اليمين الأمريكي إلى العمل المنفرد، ونجح أنصار هذا التيار في ترسيخ مفهومين في التفكير الاستراتيجي الأمريكي؛ الأول، أن التهديد الأهم لأمن الولايات المتحدة يقع عند نقطة التقاطع بين الراديكالية والتقدم التكنولوجي، سواء كانت الراديكالية سمة لدولة أو جماعة سياسية، وسواء كانت التكنولوجيا الحديثة تحت تصرف أي منهما. والثاني، أن الولايات المتحدة لن تنتظر حتى تتعرض للهجوم لكي تقوم بالرد عليه، وإنما سيكون عليها أن تبادر بالهجوم بمجرد إدراكها للتهديد.

وأمام هذين المبدأين أصبحت الولايات المتحدة أكثر استعدادا للتدخل في صراعات في أماكن متفرقة من العالم، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لإعادة صياغة نظم الحكم فيها، سعيًا نحو صياغة نظام دولي تحت هيمنتها. في إطار من تحويل الحرب ضد الإرهاب إلى المبدأ الناظم للسياسة الأمريكية في العالم.

وأصبح ضمان الأمن والمصالح يتطلبان، وفق الرؤية الأمريكية، فرض القيم الأمريكية، وهو ما عبر عنه “وليم بيرنز” مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط في إدارة بوش الابن بقوله: “إن تحقيق الانفتاح السياسي ليس مجرد مسألة قيم أمريكية أو ضمان حقوق الإنسان الأساسية.. إنه أيضًا مسألة مصالح أمريكية واقعية”.

المصدر : الجزيرة مباشر