امتحانات “بابل شيت” للثانوية المصرية.. هل تقضي على الحفظ أم العكس؟

طلاب الثانوية العامة في مظاهرات احتجاجية أمام وزارة التعليم بالقاهرة في أغسطس/آب 2021

 

على كثرة التصريحات والعبارات الرنانة التي ترددها القيادات التعليمية في مصر المحروسة عن تطوير التعليم، ومقرراته الدراسية ودخول “التابلت” للمدارس، وبنك المعرفة الإلكتروني، الذي يروّج له وزير التعليم المصري الدكتور طارق شوقي، باعتبارها فتحا تعليميا مُبينا، فإن التعليم الحكومي -شأن التعليم في مدارس وجامعات البلاد العربية- لا يغادر محطة “الحفظ والتلقين” كهدف أسمي لكل الجهود التعليمية المبذولة.

“بابل شيت” والنهج المقلوب في النظام التعليمي

فقد انعقدت امتحانات شهادة الثانوية العامة المصرية، المستمرة لعدة أيام قادمة، للمرة الأولى هذا العام بطريقة اختبارات تُسمى “بابل شيت”، وهذه الطريقة تزحف منذ سنوات إلى مدارس وجامعات العرب عموما، وكانت قد تسللت إلى الامتحانات تدريجيا بجامعات مصر منذ سنوات، إلى أن صارت لها الغلبة.

جاءت امتحانات شهادة الثانوية هذا العام، بهذه الطريقة (بابل شيت)، تأكيدا لنهج مقلوب مُتبع في النظام التعليمي المصري منذ عقود، وهو التغيير من أعلى السلم التعليمي لمرحلة ما قبل التعليم الجامعي، وهذا التغيير يُسمّونه -تجاوزا- “تطويرا”، بينما التطوير يبدأ من أدنى السلم التعليمي إلى أعلاه تدريجيا، بعد أن يكون قد خضع للتجريب على نطاق محدود في مدارس محددة لهذا الغرض، وتحت إشراف علماء التربية والمتخصصين، ليتم تلافي العيوب وعلاجها قبل التعميم.

الطريقة أمريكية.. والتصحيح إلكتروني

الـ”بابل شيت” طريقة أمريكية بالأساس، معروفة منذ زمن بعيد، لعقد الاختبارات أو الامتحانات (بالمعنى الدارج)، بأن تضم ورقة الأسئلة مجموعة كبيرة من الأسئلة (50 سؤالا أو أكثر أو أقل)، وهي تقوم على فكرة الاختيار من متعدد تماما على شاكلة برامج المسابقات التلفزيونية (جورج قرداحي مثالا)، بأن يكون لكل سؤال أربعة إجابات يختار الطالب واحدة منها، هي التي يراها صحيحة، ويؤشر عليها بعلامة “صح” في ورقة الأسئلة ذاتها، أو ما شابه.

هذه الطريقة الأمريكية للامتحانات، شبه مهجورة في التعليم المصري، وكان استخدامها محدودا بسؤال أو أكثر بورقة الأسئلة. ومع التطور التكنولوجي، صارت للإجابات “ورقة منفصلة”، يدون فيها الطالب أرقام الإجابات الصحيحة للأسئلة أو يُظلل “دائرة” يكون أمامها رقم الإجابة التي اختارها، وعند التصحيح يتم وضع “ورقة الإجابات” على ما يُسمى “الماسح الضوئي”، ويتولى الكمبيوتر تحديد درجة الامتحان للطالب على أساس إجاباته المُختارة.

 تلاشي تظلمات الثانوية العامة.. وانتشار سريع في التعليم العربي

تتميز هذه الطريقة (بابل شيت) بسرعة التصحيح الإلكتروني لامتحاناتها، مع انعدام الأخطاء في تقدير الدرجات، وبالتالي يتلاشى سيل التظلمات التي يتقدم بها الطلاب عقب إعلان نتيجة الثانوية العامة سنويا، تضررا من سوء تقدير درجاتهم في مادة أو أكثر، وهو ما يوفر للطلاب رسوم التظلمات، ويُعفي وزارة التعليم من الاتهامات بعشوائية التصحيح. كما إنها تتيح -من خلال كثرة الأسئلة- تغطية أوسع لمحتويات المقرر الدراسي موضوع الامتحان. على أن أسلوب الـ”بابل شيت” ليس هو الأمثل للامتحانات، رغم سهولة إجراءاته، وسرعة ودقة التصحيح الإلكتروني له، الذي أسهم في سرعة انتشاره بمؤسسات التعليم العربية، إذ هو تأكيد وتتويج للنمط التعليمي القائم على تربية قدرات الحفظ والتلقين، وهي أدنى “القدرات العقلية” المُفترض للنظام التعليمي السعي لتكوينها وإكسابها للمتعلم.

تخمين الإجابات.. وغياب ملكات الإبداع والابتكار والتفكير الناقد

هذا الأسلوب للامتحانات، بخلاف أنه يتيح للطالب اللجوء إلى “التخمين” أحيانا في اختيار الإجابات التي غالبا ما تكون متشابهة جدا، فإنه لا يقيس سوى مهارات الحفظ، باسترجاع ما سبق تلقينه، و”الفهم”، بدرجة أو بأخرى للتفريق بين الإجابات واختيار الصحيح منها.

في المقابل، فإن “بابل شيت” لا يقيس الإبداع والابتكار، والقدرة على حل المشكلات، والاستقراء والاستنباط والتحليل، وهي المهارات اللازمة للتفكير الناقد وإعمال العقل في مختلف الشؤون الحياتية، ومن ثم تربية الوعي، وتحرير العقل من الانقياد الاعمى إلى أشخاص أو أفكار أو آراء أو رجال دين أو ساسة.

بطبيعة الحال، فالاختبارات أو الامتحانات لا تُعقد لذاتها، بل تهدف إلى قياس مدى التقدم أو التحصيل لمهارات معينة، بواسطة مجموعة من الأسئلة، ومن ثم مقارنته مع زملائه، وترتيبهم وفقا لدرجاتهم. هذا النوع من الامتحانات ملائم للنُّظم التعليمية العربية التي تكاد تكون موحدة في أهدافها، وإن اختلفت التفاصيل، فهذه الأنظمة التعليمية لا تنشغل ببناء المهارات العقلية العليا، التي ينتج عنها أفراد يتميزون بالوعي، بل نموذج “الشخصية المُنقادة”، التي تتميز بالسمع والطاعة والقابلية للاستهواء والميل إلى الاستكانة والاستسلام لما هو كائن والتعايش معه. بدوره، فهذا النموذج للشخصية هو الأكثر ملائمة للأنظمة السياسية السائدة في بلاد العرب، التي ينفرد فيها الحكام بالقرارات وإدارة شؤون الدول مع تغييب الشعوب أو إقصائها عن المشاركة الفعلية في صناعة القرار.

لماذا يتورط متعلمون مثل القاضي في جرائم قتل؟

ولعل هذا -في جانب منه- يفسر لنا لماذا يتورط أفراد متعلمون تعليما عاليا في جرائم قتل وتعذيب وعنف بشع على شاكلة “القاضي” الذي وصل إلى درجة عليا تعليميا ووظيفيا، ومع ذلك لم يتورع عن ارتكاب جريمة بشعة بقتل زوجته المذيعة، وتقييدها بالسلاسل الحديدية وتشويهها بماء النار ودفنها ربما وهي على قيد الحياة، بعد أن تسلطت عليه فكرة القتل باعتبارها حلا وحيدا، دون إعمال العقل لحساب “العواقب” التي يُفترض بحكم مهنته وتمرسه أنه أدرى بها.

السؤال: متى ينصلح حال تعليمنا ليغادر محطة التلقين والحفظ في أهدافه، ويواكب الاتجاهات التربوية والتعليمية التقدمية التي تسعى لتربية أفراد المجتمع على قيم المشاركة والتعايش، وتنمية ملكات التفكير الناقد العليا، ليكون المواطن قادرا على إعمال العقل في مختلف الشؤون الحياتية، وأكثر فعالية للتغيير إلى الأفضل؟

تأكيدا، فإن امتحانات “بابل شيت” ليست هي التطوير الذي ينتقل بالتعليم إلى المأمول، بل سيظل يراوح مكانه وأهدافه القديمة دون جديد.

المصدر : الجزيرة مباشر