لماذا قررت ألمانيا الآن تأسيس جيش قوي؟

المستشار الألماني أولاف شولتز يجلس عند مدخل مروحية للجيش الألماني في معرض الطيران الدولي ببرلين.

بينما أعربت روسيا عن عدم ارتياحها للخطوة الألمانية الرامية إلى تأسيس جيش قوي، رحب أمين عام حلف الناتو بالخطوة، وقال إن ألمانيا تريد أوربا قوية والناتو يريد ألمانيا أيضا قوية.

جاء قرار المستشار الألماني شولتز المعبرعن رغبة بلاده في امتلاك أكبر جيش نظامي في دول حلف الناتو في أوربا، ليثير ردود فعل واسعة نظرا لتاريخ ألمانيا في الحروب خاصة الحرب العالمية الثانية، لكن المستشار أراد طمئنة الجميع عندما قال: إن هذا الجيش القوي سيعزز بشكل كبير أمن ألمانيا وحلفائها خاصة بعد أن تغير المفهوم الأمني في القارة بعد الحرب الروسية الأوكرانية!

أضعف الجيوش الأوربية

قبل هذا القرار لم يكن تعداد الجيش الألماني يزيد عن 200 ألف جندي، وكان هذا راجعا لرغبة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية آنذاك أن لا يكون لألمانيا جيش قوي.. بل إن ألمانيا نفسها بعد مأساة الحرب العالمية الثانية لم تعد تعطي أولوية قصوى للتسلح العسكري، واكتفت بدور الناتو في الدفاع عن أوربا، وفي سنة 2011 قررت المستشارة ميركل تخفيض الإنفاق الدفاعي، وعلقت التجنيد الإجباري، وخلال العام التالي تم الإعلان عن الحد بشكل إضافي من عدد القواعد العسكرية والجنود.

انشغلت ألمانيا بالاقتصاد والتفوق الاقتصادي الكبير، ولم تعد تسعى إلى أفكار القرون الماضية في العودة لعصر الإمبراطوريات، وحين فشل هتلر في تأسيس الرايخ الثالث، انقضي الأمر وتغيرت السياسة الألمانية تماما منذ ذلك الوقت حتى أنه في عام 2014 أقر الجيش الألماني بوجود مشاكل مزمنة في المعدات جعلت قواته المسلحة غير قادرة على الوفاء بوعودها الدفاعية لحلف شمال الأطلسي. وكان من بين تلك المشاكل خلل في أنظمة الأسلحة والمدرعات والطائرات والسفن البحرية غير الصالحة للخدمة الفورية بسبب إهمال الصيانة والنقص الخطير في المعدات وقطع الغيار.

كان الإهمال واضحا، لدرجة أنه تم الاعتراف بأن معظم الطائرات المقاتلة وطائرات الهليكوبتر المقاتلة الألمانية لم تكن صالحة للاستخدام… حتى استيقظت ألمانيا فجأة علي دوي المدافع الروسية القريبة من حدودها، عندها أيقنت أنها في خطر، وأنه لا مفر الآن من تأسيس جيش قوي وتسليحه بأحدث المعدات، وتعهد المستشار أولاف شولتز بإنفاق 100 مليار يورو على تسليحه هذا العام مع تخصيص 2 في المئة من ناتج البلاد للدفاع سنوياً.

لقد حدث هذا بين عشية وضحاها.. قرار وافقت عليه المعارضة الألمانية دون نقاش أو جدال، ولم يلق أي معارضة من الأوربيين الذين كان يزعجهم دائما قوة ألمانيا المسلحة خوفا من عودة إمبراطورية شارلمان أو بسمارك عندما تجتمع القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية فهذا دائما كان يخيف الحلفاء والأعداء!

العملاق العسكري قادم

لكن ما الذي تغير حتى يوافق حلفاء ألمانيا على هذا التغير الكبير؟ مع أنهم أعربوا عن مخاوفهم في سنة 1990 عندما توحدت ألمانيا في تلك السنة،  فقرروا تقليص جيشها من 500 ألف إلى 200 ألف فقط.

ربما الذي تغير هو ميزان القوة في العالم وفي أوربا، وبروز روسيا مرة أخرى إلى الواجهة كقوة تبحث عن أمجاد الماضي، وكانت حرب أوكرانيا أكبر دليل على ذلك، ومع هذا التغير بات الأوربيون ينظرون إلى ألمانيا على أنها لاعب مركزي في أوربا، وأن لديها مسؤولية المساهمة في تشكيل النظام العالمي، وأخذ زمام المبادرة في مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.

فالناتو ضعيف والرئيس ماكرون نفسه ينتقده وينتقد حالة الضعف الأوربي، وهو الذي قال إن الناتو يموت موتا سريريا بسبب المواقف الأمريكية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.

بالتأكيد الجيش الألماني المرتقب سيجعل لألمانيا دورا كبيرا في تحجيم مطامع روسيا في الهيمنة  على أوربا، فأمريكا تقلص دورها كثيرا في أوربا بسبب انشغالها في حربها مع الصين وروسيا، ومن المهم إيجاد قوة بديلة تقوم بهذا الدور في أوربا، ثم إن من مصلحة أمريكا أن يستمر عدم الاستقرار في القارة بخلق جيوش قوية متناحرة فتظل الحاجة لها قائمة لأن أكثر ما يؤرقها هو تنامي الروابط الاقتصادية بين أوربا وكل من الصين وروسيا.

أوربا ترفع ميزانية الإنفاق العسكري

إن أكثر الدروس المستفادة من الغزو الروسي لأوكرانيا هو أنه يصعب على الدول الأوربية الاستمرار الآن في نبذ القوة العسكرية كأداة للنفوذ الدولي، وهو ما تسعى إليه الآن سواء في تأييد جيش قوي لألمانيا أو السعي لتوسيع حلف الناتو بضم فنلندا والسويد، كذلك رفع ميزانية إنفاق الأوربيين علي التسلح وهو الأمر الذي سيضع ألمانيا أمام لحظه فارقة في تاريخها الحديث، وهو اغتنام تلك الفرصة في تعزيز قوتها لتصبح أقوى دولة أوربية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، لتكون بذلك قد حققت في السلم ما لم تستطع تحقيقه في الحرب، ويكون أيضا ذلك إيذانا بفض التبعية الأمريكية.

من يدري فقد يكون سعي روسيا لتأسيس امبراطوية روسية بالحرب سيحقق لألمانيا ما لم تسع إليه وهو العودة لعصر الإمبراطوريات التي ظلت تلقب به رسميا في الفترة ما بين 1871 و1945، فقد كان اسمها الرايخ الألماني أي الإمبراطورية الألمانية حتي سقطت بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية!!

المصدر : الجزيرة مباشر