قرصان يبيع أسرار مليار صيني على الإنترنت!

البيوت أسرار، لكن كثيرا من تلك الأسرار، تتسرب قسرا إلى أجهزة الدولة، ومن دون أن تدري، للعديد من الشركات والبنوك. فقد تحول الإنسان في عصر ثورة المعلومات إلى رقم دالّ، له عدة مؤشرات لا تنمّ عن شخصه فقط، بل حالته الجسدية والنفسية، فتعرف منها ما يفرحه، وما يجرحه، وما يدفعه إلى الموت أو الجنون.

الأسرار الخاصة أصبحت تتسرب ببساطة، إلى البيئة المحيطة بنا. فعندما تطلب سيارة أجرة عبر الهاتف، فأنت تسجل أماكن وجودك، والتي تفضلها، ودوائر معارفك. وعندما تستخرج بطاقة ائتمان، سيكون معلوما مكان بيتك وعملك، ومستوى دخلك ومصروفاتك ونوعية مشترياتك، والهواتف التي تدفع بها، والتبرعات التي تخرجها، والشوارع والدول التي تزورها.

يتسامح المرء أحيانا مع الشركات التي تبيع أرقام الهواتف، لموزعي السلع وسماسرة العقارات والرحلات، الذين يتصلون به، فيراهم يعلمون معلومات عابرة، ولكن يصيبه الفزع إذا استمع الجيران لخلافات عائلية، أو تسربت لزوجته بعض تصرفاته الصبيانية. فماذا تفعل لو أصبحت حياتك، بجميع أسرارها، منشورة على الملأ في أنحاء العالم؟!

أيام القلق

هكذا يعيش نحو مليار مواطن صيني في قلق، منذ شهر، بعد أن أعلن قرصان معلومات (هاكرز) عن اختراقه شبكة معلومات شرطة شنغهاي، وتمكنه من الحصول على نسخة من قاعدة بيانات الشرطة والحكومة المحلية، لما يمثل 70% من سكان الصين البالغ تعدادهم 1.4 مليار نسمة. سرّب القرصان، غير المعروف حاليا، بيانات بمساحة 23 تيرابايت للبيع مقابل 10 عملات مشفرة بيتكوين، تعادل 200 ألف دولار.

تجمَع الصين -كغيرها من الدول- بيانات كثيرة عن مواطنيها، ولكن الأمر تحول إلى هوس لدى الحزب الشيوعي وأجهزة الدولة القمعية، التي تريد السيطرة على الأفراد، وتحصي عليهم أنفاسهم، في حلهم وترحالهم ونومهم، بالمعني الحرفي للكلمة. تملك الدولة أكبر عدد وحجم من الخوادم، وأسرع كمبيوتر، وشبكة إنترنت الأكثر اتساعا في العالم، وحزام ناري (فاير وول) يحميها، ويمنع غيرها من الشبكات الدولية، أن تتعامل مع شخص أو شركة بالداخل، دون أن يخضع مستخدموها لإذن مسبق، يضعهم تحت رقابة صارمة. تدير الشرطة مع موظفي الأقاليم، أكبر قواعد بيانات، ولديهما أعظم مركز بيانات للحمض النووي، يتضمن خريطة لنوعية الجنس وتوزيع السكان وتصنيفهم عرقيا، وشبكة العائلات، والأجانب المقيمين في البلاد.

عرض مجاني

برهن القرصان على صحة ما يعرضه للبيع، بأن وضع 750 ألف سجل كعرض مجاني، أمام الراغبين في فحص الملفات ليتأكدوا من دقتها، بما دفع خبراء بالأمن السيبراني والصحفيين إلى تتبّعها بشغف.

تواصلت شبكة CNN الإخبارية، وجريدة نيويورك تايمز الأمريكيتان، عبر محرريها، منهم صينيون يعملون من العاصمة بيجين، بأسماء كثيرة، وردت في أكبر كنز للتسريبات حدث في العالم حتى الآن. اكتشف المحققون أن قاعدة البيانات الضخمة، موجودة بصفحات الإنترنت المظلم (Dark internet) منذ 14 شهرا، ومتاحة بدون قيود، على موقع LeakIX، الذي يفهرس البيانات المكشوفة على الشبكة المظلمة، حيث يتبادل الخبراء أعمالهم، ويعمل القراصنة تحت رايتها، بعيدا عن الرقابة.

اتضح أن القرصان “Chain Dan” عرض الكنز للبيع في “منتدى قراصنة الإنترنت” بكافة محتوياته، حتى بداية يوليو/تموز الجاري، وأزال أغلبه نهاية الأسبوع الماضي، عندما تواصل الصحفيون مع شرطة شنغهاي، والسلطات المحلية، ليحصلوا على تعليق رسمي، حول كيفية تسرب هذه البيانات، من جهات رفيعة المستوى، وما ستفعله الحكومة بالمتسببين في الحادث، الذي يضر حتما بأمن المواطنين والأمن القومي للدولة.

حقائق صادمة

تضمنت المعلومات أسماء 970 مليون مواطن صيني، وأرقام الهوية والهاتف والعمر ومكان الإقامة، ومكان الميلاد، والمهنة، والحالة الاجتماعية، والعرق (القومية التي ينتمي إليها)، وفصيلة الدم، وبصمة الصوت، وبصمة قاع العين، والفحص الطبي، والتطعيمات ضد الأمراض، ومستوى التعليم، ورقم السيارة ورخصة القيادة، والسجل الجنائي.

اكتشف المحققون أن بعض الملفات بها معلومات خاصة أو مميزة عن الأفراد، مثل النشاط السياسي وتصنيفه، سواء كان شخصية محبوبة أمنيا، أو غير مرحب بها، والأهم أن كثيرا من الملفات عمرها عقدان، تخص تحقيقات جنائية، لأفراد مارسوا انتهاكات جنسية داخل الأسرة، وضرب للزوجات، وسجلات هاتفية بين الشرطة وأفراد، وأخرى لاعترافات بممارسة الاحتيال ونزاعات قضائية، لتجار وشركات كبيرة.

تأتي المعلومات للشرطة، جبرا عند استخراج الوثائق والمعاملات الرسمية، ولكنها توسعت مؤخرا، عبر شبكة واسعة تضم 500 مليون كاميرا، وبرامج تتعرف على الوجه، وتلتقط كل معلومة أو محادثة تتم على هاتف كل شخص، بمجرد عبوره بالقرب منها، في الأماكن العامة. أجبرت الصين المواطنين على وضع تطبيقات صحية على الهواتف، ترصد موقف الفرد من التطعيم ضد كوفيد-19، وحالته الصحية العامة. استغلت السلطات التطبيق الطبي، في ملاحقة غاضبين من القيود التي تفرضها السلطات، على مناطق الحجر الصحي، بمقاطعة “خنان”، بعد أن رصدتهم ولاحقتهم قبل تكتلهم للتظاهر، في مجموعات كبيرة. أجبرت السلطات رجل الأعمال “جاك ما” صاحب إمبراطورية “علي بابا”، على دفع 15 مليار دولار، مساهمة اجتماعية توزع عن طريق الحزب الشيوعي، بعد أن رفض بداية، تسليم ما لدى شركاته للسلطات، من معلومات مالية تخص نحو مليار عميل. ومنعت الحكومة شركة DU DU لنقل الأفراد، من تسجيل أسهمها في بورصة نيويورك، خشية تسرب معلومات عن نصف مليار عميل لها، إلى أجهزة مخابرات أو ملاك الأسهم الأجانب.

حماية الفساد

أصدرت الصين قانونا، العام الماضي، يحمي المعلومات الشخصية، ويضع قواعد لجمعها واستخدامها، ومع ذلك لم تحم أسرار المواطنين المنشورة على الملأ. تكتفي السلطات بملاحقة من يكتب عن الفضيحة، وتزيل ما كُتب حولها على الإنترنت بالداخل، وترفض التعليق على الكارثة.

عادة لا يحاسب الحزب المسؤولين، وخاصة رجال الشرطة، ذراع النظام لإخضاع الشعب للقبضة الأمنية، فالنظام الذي أصبح قدوة للدول الاستبدادية، لا يسمح لأحد بالحديث عن الفساد، إلا إذا تعارضت المصالح بين قياداته، حينئذ تصبح محاربة الفساد سلاحا، لتطهير الخصوم، ودخول مرحلة سياسية جديدة.

المصدر : الجزيرة مباشر