أسرار صمت الفاتيكان على اضطهاد الأديان في الصين!

الكاردينال الكاثوليكي جوزيف زِين

 

أحالت السلطات الصينية الكاردينال الكاثوليكي جوزيف زِين Josef Zen إلى محاكمة عاجلة، الثلاثاء الماضي، وسحبت جواز سفره، وألقت القبض على شخصيات بارزة من مؤيدي الديمقراطية في هونغ كونغ. وجهت السلطات إلى الكاردينال الاتهامات نفسها التي تلصقها الأنظمة الفاشية بخصومها ” التآمر، والتواطؤ مع عناصر أجنبية تعمل على زعزعة الاستقرار”. وصف أحد تلامذة “زين” -من الذين فروا مؤخرا مع 150 ألف ناشط إلى الخارج- الاتهام بأنه أمر طبيعي من سلطة غاشمة، فإذا كنت “ترغب في معاقبة شخص ما، يمكنك دائما العثور على عذر”.

قرار السلطات جاء بعد أيام من تولي ضابط الأمن العام (جون لي) منصب الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، الذي قاد حملة القمع ضد أنصار الديمقراطية عامي 2019 و2020، ويسعى لإزالة أي آثار متبقية للمظاهر الديمقراطية بالمدينة.

يعتبر سكان هونغ كونغ الكاردينال أيقونة وطنية، وأملا للمؤمنين، فرغم أنه تجاوز 90 عاما، يلاحقه الحزب الشيوعي الصيني، حيث يكافح بقوة إجراءات الحزب لاضطهاد المسيحيين، ويدير مؤسسات خيرية تساعد الطلاب والناشطين المدافعين عن الحرية، ومناهضة القمع. تقلّد “زِين” أبرشية هونغ كونغ عام 2002، ورفعه البابا (بنديكت الـ16) إلى درجة الكاردينال عام 2006، وتقاعد عام 2009، ويتفرغ للدفاع عن الحرية السياسية والكنيسة الكاثوليكية في الصين وهونغ كونغ.

إضراب الكاردينال

أضرب الكاردينال العجوز عن الطعام عام 2011، لمدة 3 أيام، احتجاجا على قرار للمحكمة العليا في هونغ كونغ، بزيادة سيطرة الحزب الشيوعي على التعليم، حيث تُدرس العقيدة الشيوعية وقوانين الأمن القومي، فأصبح في ظلها سكان هونغ كونغ -غير الموالين للحزب الشيوعي- من العملاء.

الشيوعيون خائفون من المسيحية في هونغ كونغ، المنتشرة بمدن الهلال الذهبي، امتدادا من هونغ كونغ إلى شنغهاي وتيانجين وبلوغها الريف، رغم أن تعدادهم لا يزيد على 50 مليون مسيحي. أنهى الرئيس الحالي شي جين بينغ مرحلة تسامح الدولة الصينية مع معتنقي الأديان، بعد أن شرع حربا أيديولوجية مع كل الأديان التي لا تلتزم بعقيدة الحزب الشيوعي، الماركسية اللينينية. صنع (شي) من مبادئ الحزب عقيدة من نوع جديد، أصبح ذكر الله -وفقا لأي ديانة سماوية أو عقيدة أرضية- خيانة وطنية، يستحق صاحبها الاعتقال في معسكرات التأهيل التي أعدها لملايين المسلمين في شينجيانع (تركستان الشرقية). يلاحق الشيوعيون البوذيين بعقيدتهم، في التبت وأنحاء البلاد، وصعّد اضطهاده للمسيحيين رغم أنه “لا يزال دون مستوى استهداف المسلمين أو البوذيين التبتيين”.

لماذا يعلقون الصليب؟

“يظل الدين أحد أكبر مصادر مقاومة الحكم الاستبدادي” كما يقول مدير معهد (نيولينز) للاستراتيجية والسياسة والكاتب في مجلة (فورين بوليسي) عظيم إبراهيم، فالإيمان لا يموت في السجون. رأينا الصينيين الهان لسنوات يوظفون الدين لخدمة أهدافهم التجارية، بحملهم الصلبان على صدورهم في الأسواق الشعبية، لجذب المشترين الأجانب بسوقي الحرير في بيجين والأمريكان في شنغهاي، في وجود ضوابط دينية ظلت جزءا من النظام الشيوعي منذ تأسيسه عام 1949. أنشأ الحزب للمسلمين جمعية إسلامية تدير تجمعاتهم وشؤونهم تحت راية واحدة، بينما قسّم الكنائس إلي جمعيات “وطنية” تُحدد على مزاج الحكومة، ولم يعترف بسلطة الفاتيكان في روما أو أي سلطة دينية بالخارج.

عملت المساجد تحت سلطة الدولة، ولم يجد المسلمون غضاضة في ذلك، لقناعتهم بأن “دورهم الحفاظ على الوطن والسلم الاجتماعي، وتعليم الناس أمور دينهم وتحسين أخلاقهم”، إلى أن جاء (شي) فجعل ممن يتمسكون بهويتهم الدينية إرهابيين “يدمرون وحدة الدولة ويؤججون الروح الانفصالية”، وهو ادعاء يخالف الواقع تماما.

إنهم يدمرون الكنائس!

انقسمت الكنائس على ذاتها، فمنها من واصل العمل سرّا، وآخرون ارتضوا بأن يعملوا تحت سلطة الدولة في ما سُمى “الكنائس الوطنية”، التي يُعيَّن بها الأساقفة والكرادلة بقرار من الحزب الشيوعي. وانتقل العديد من الكنائس إلى العمل العام مطلع 1981، ولمدة ثلاثة عقود، إلى أن جاء “المرشد الأعلى شي” فعملت بحذر، حتى بدأت القيود تزداد حدة على الممارسات المسيحية داخل الصين وهونغ كونغ. أغلق الحزب الشيوعي بعض الكنائس الرسمية، والمئات من الكنائس غير الرسمية. اعتقلت السلطات -وفقا لتقارير ميدانية- ما بين 5000 و10 آلاف من أتباع الكنيسة، وحُكم على بعض رجال الدين البروتستانت البارزين بالسجن لمدد طويلة، ولجأ “نحو ثلثي البروتستانت الصينيين إلى الكنائس السرية، في محاولة لتجنب مضايقات الشرطة”.

لا يمارس الكاثوليكي الطقوس الدينية في الكنائس السرية، لاعتبارات لاهوتية، لذلك تحمّل الكاردينال “زِين” مسؤولية الدفاع عن عقيدته، فكان “أحد كبار رجال الدين الكاثوليك الذي تحدوا سلطات الحزب الشيوعي، وأكثرهم صراحة في الدفاع عن الدين والديمقراطية في آسيا”. القمع يزداد ضد الكنيسة، ويعامَل رجال الدين الذين يرفضون الأوامر من بيجين بالسجن والتعذيب والإقامة في معسكرات لغسيل الدماغ، للتأهيل النفسي والوطني كالمسلمين في شينجيانغ. المدهش أن الفاتيكان أصدر بيانا الأسبوع الماضي، عبّر فيه عن ” قلقه” بعد أن علم بخبر اعتقال الكاردينال، منوها إلى أنه “يتابع الأمر بقلق وعن كثب”.

الصفقة السرية

كشفت تصريحات وزير خارجية الفاتيكان -بقوله إنه “لا يريد أن يؤدي اعتقال زِين إلى تأثير سلبي على الصفقة المتوقع تجديدها الخريف المقبل”- عن تفاصيل تلك الصفقة التي وُقّعت سرّا عام 2018، بين الفاتيكان والحزب الشيوعي. تقضي الصفقة بتقاسم بابا روما سلطة تعيين الكرادلة في كنائس الصين مع قادة الحزب الشيوعي. يخطط الفاتيكان لسحب سفارته من تايبيه، تمهيدا لقطع العلاقات مع جمهورية تايوان، ليعترف بجمهورية الصين الشعبية، والحزب الشيوعي ممثلا وحيدا للدولة، وهو أمر يرفضه الباباوات منذ 70 عاما.

التزم الفاتيكان الصمت على اضطهاد الشيوعيين للمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى، ويشعر أنصاره في هونغ كونغ وغيرها، بأن الراعي الرسولي باعهم، في إطار حملة مستمرة للقضاء على أي مظاهر دينية أو ديمقراطية، في دولة ما كانت تنجح في قمعها، دون موافقة أو سكوت من ممثلي الأديان والمجتمع الدولي.

المصدر : الجزيرة مباشر