500 مليون كاميرا لمراقبة شعب الصين!

الكاميرات تراقب الجميع

 

عندما وطأت قدماي الصين للمرة الأولى، نهاية مارس/آذار 2003، كانت العاصمة بيجين على أعتاب مرحلة تغيير شاملة، لم تشهد مثلها من قبل. وصلنا إلى مطار بيجين المبني على طراز روسي قديم، استقبلنا على باب الطائرة، مسؤولون من وزارة الخارجية، وجمعية الصداقة الصينية العربية. بعد خطوات، نزلنا إلى الطابق الأسفل، وجدنا سيارة، خرجنا من المطار خلال دقائق. رأينا المطار العتيق يكاد يكون خاليا من البشر، وبضع طائرات. أشار المُرافق على مرمى البصر إلى بناء ضخم، سيُفتح قبيل انعقاد دورة بيجين الأولمبية 2008. في الطريق رأينا حركة واسعة من الإنشاءات، لبناء طرق دائرية ومسارات لمترو الأنفاق.

عقب وصولنا إلى الفندق، على مشارف شارع (وانغ فوجيه) التجاري الشهير في قلب بيجين، رأيت حركة إزالة كبيرة لبيوت قديمة، دفعتني بمجرد وضع الحقائب إلى النزول للتعرف على حكايتها. ما إن بلغت الباب، حتى وجدت طابورا من سيارات النقل ترفع مخلفات، وأخرى تشارك في هدم منازل جميلة، فتعجبت مما يحدث، بمجرد رفع كاميرا بحوزتي، فإذا برجل يضع علما أحمر على رقبته، يشيح لي بالابتعاد فورا، ويمنعني من التصوير.

للوهلة الأولى، اعتقدت أنه يخشى سقوط مخلفات المباني فوق رأسي، ولكنه أخذ بيدي مهرولا تجاه الفندق، وتحدّث مع أحدهم، ثم تركني وخرج مسرعا!

في رحاب بيجين العتيقة

لم أفهم ما حدث إلا في اليوم التالي، حينما أتاني شاب مغربي، يعمل في الفندق الذي تديره شركة فرنسية، أحضرته لتدريب الصينيين على أصول التعامل مع السائحين. أطلعني الشاب على التعليمات الأمنية المشددة، بعدم التصوير لأي “أماكن غير مصرح بها”. شرح كمّ المشاكل التي تواجهها الحكومة مع ساكني البيوت المنكوبة، الذين يرفضون الخروج منها، بينما السلطة تزيلها، لتقيم عمارات ومراكز تجارية شاهقة، في إطار تحديث قسري للعاصمة بأثرها.

عقب حوار مطول، أتت (تي تي) شقيقة جارتنا الصينية، التي استقرت في القاهرة، بعد زواجها من مهندس مصري، وأصبحت لزواجها من أجنبي، غريبة في عيون الصينين. فالصين في نظر أهلها، مركز العالم، وما خارجها” شياطين” من بلدان أخرى. ظلت (تي تي) تتلفت طوال اللقاء يمنة ويسارا، وبدا عليها القلق، حينما رأت أحد الأشخاص يتجه ناحيتنا، ونطق جملتين ورجع بسرعة، فطلبت مني أن نخرج من الفندق على عجل. سألتها أن نؤجر دراجة (ريكشا) لنشاهد معالم بيجين.

أطلعتني (تي تي) على المدينة العتيقة، التي لم أرها بعد ذلك أبدا، خلال 26 زيارة متكررة للعاصمة، وأخبرتني بما لم أحط بها علما. قالت إن “الصين التي أُعجِبت بها عن بُعد، غير التي تراها، فهي دولة، كل شيء فيها تحت المراقبة، فهناك رجال الشرطة وعملاؤهم وأعضاء الحزب الشيوعي، في كل مكان، وهذه المباني عليها كاميرات، على كل ناصية ومدخل، والرجل الذي جاءني في الفندق، يريد أن أكتب له لماذا أقابلك، وعن أي شيء تتحدثين”!

كانت السلطات تشق الشوارع، وتهدم بيجين التاريخية، بمعدلات قياسية يوميا، في إطار خطة كان الرئيس الحالي (شي جين بينغ) يشرف على تنفيذها، بصفته رئيس اللجنة التنفيذية لتجهيز الدولة لاستقبال أولمبياد 2008، بثوب حداثي مهيب. تصادمت السلطات مع الناس، واعترضت اليونسكو على إزالة مدينة تراثية رفيعة، تعود إلى عصر النهضة الامبراطوري، بهذه الوحشية، فحمدت الله أني أملك صورا وذكريات بها، وتتضح الرؤى أمامي كلما عدت، حول أساليب الرقابة القمعية في كل مكان.

دخلت الصين منظمة التجارة العالمية، وانفتحت على العالم، وأثناء الزيارة، انتشر مرض (سارس)، مع ذلك رأيت بيجين تجني ثمار الإصلاح الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تنمو دولة المراقبة. قادة الحزب الشيوعي لديهم إجماع على أن “الأمن الصيني في حاجة مستمرة إلى التحكم المركزي، لتحقيق السيطرة على البشر، والذي من خلاله، يمكن للدولة أن تحقق السيطرة وتنمو إقليميا، وأن تصبح قوة عظمى في النظام العالمي”. تغالي الصين في توصيف الهوية الأمنية التي تعدّها ضرورة، لمنع “حدوث الاضطرابات السياسية والاجتماعية”، وصلت إلى مرحلة الهوس بوضع الشعب تحت الرقابة الدائمة.

رقابة على الهواء

تمتلك الحكومة 500 مليون كاميرا لمراقبة الناس عبر أجهزة الشرطة في 25 مقاطعة، من بين 31 مقاطعة، تعادل نصف ما يمتلكه العالم حاليا، وفقا لتقارير صدرت الأسبوع الماضي. تمتد الكاميرات في المراكز التجارية والترفيهية والسكنية، وداخل الفنادق التي تلتزم إداراتها بوضعها وفقا لطلبات أجهزة الأمن. هدف الشرطة، وضع نظام يتعرف على هوية الأشخاص وأنشطتهم، وسياراتهم وحاجاتهم الشخصية، ومن خلال بصمة العين والحمض النووي، والتطبيقات التي يضعها على هاتفه النقال، وشبكات (Wi-Fi) اللاقطة في الشوارع، تتبع خطواته لحظيا، وتتنبأ بتصرفاته، وتعرف شبكة علاقاته، داخل الأسرة والمجتمع. توفر الشرطة البيانات للجهات الإدارية في أنحاء البلاد، مع برامج لتحليل المعلومات، يمكنها تحليل إفرازات العَرق والجنس، بمجرد مروره أمام الكاميرات، التي تعلق في أكثر المناطق إقبالا من المرصودين، بالأسواق والمطاعم والمطارات ومحطات القطار والمترو والسيارات.

وفقا للتقارير المصورة التي نشرها موقع (China File) وصحيفة نيويورك تايمز، بعد عام من العمل على تحليل 100 ألف وثيقة حكومية -حصل عليها ناشطون صينيون يتتبعون المناقصات التي تنشرها وزارة الأمن العام، لطلب مورّدين يتولون تركيب أجهزة الرقابة، ولديهم خبرة في تحليل البيانات- فإن الصين تملك أكبر مركز في العالم للحمض النووي، يحتوي على تفاصيل دقيقة بمليارات الصور والبيانات عن الصينيين والأجانب في البلاد.

أكدت الوثائق أن أول قاعدة أنشئت عام 2017، للتعرف على الشخص من بصمة العين، وتحليل محادثات الهواتف، تمت لمتابعة 30 مليون شخص بمناطق المسلمين الإيغور. المدهش في الأمر، أن الصين تتعاون في تكنولوجيا التجسس مع إسرائيل، وتصدّر نماذج الرقابة القمعية إلى أنظمة الاستبداد المشابهة لها.

المصدر : الجزيرة مباشر