دولة بلا دين ورئيس بلا مساءلة!

الرئيس التونسي قيس سعيّد

 

يتفنن الرئيس التونسي قيس سعيّد في إثارة معارك وهمية لإشغال المجتمع عن جريمته الأصلية في فرض الاستبداد على شعب ذاق طعم الحرية، وتمتع بها بعد ثورة الياسمين التي كانت شرارة الربيع العربي، ضمن عملية الإشغال هذه أعاد قيس سعيّد الجدل بشأن هوية الدولة وموضع الدين في الدستور، وهو جدل تم حسمه في الدستور التونسي 2014 بعد مناقشات حقيقية واسعة شاركت فيها كل أطراف المجتمع، ولم يكن قيس ومن على شاكلته بعيدا عنها.

تعتبر التيارات العلمانية (اللائكية) مسألة حذف الدين من الدساتير قضيتها الرئيسية، حدث هذا في تونس نفسها، وفي مصر، وفي السودان، وفي الجزائر، وغيرها، لكنها لم تنجح في إقناع شعوبها بموقفها، وقبلت في النهاية صيغا توافقية مع بقية شركاء الوطن كما حدث في تونس ومصر، والغريب أن تعود تلك القضية على يد شخص وعد الناخبين في 2019 بأنه سوف يسير على خطى عمر بن الخطاب، وزاد على ذلك بمظهر عملي بحمله صناديق المعونات الغذائية للمحتاجين خلال جائحة كورونا تشبّها بالفاروق، كما أنه كثير الاستشهاد بالنصوص الإسلامية.

تجاوز دستور بورقيبة

تسلّم قيس سعيّد من منسق هيئته الوطنية الاستشارية الصادق بلعيد مشروع الدستور الجديد الذي حذف النص الخاص بالدين في دستور 2014، والذي حاز نقاشا واسعا حتى تم التوافق عليه في حينه، وكان يمثل امتدادا لدساتير سابقة بدءا من دستور بورقيبة نفسه زعيم العلمانية العربية كلها (دستور 1959)، وتم تضمين نص جديد أن تونس أمة دينها الإسلام وليس دولة دينها الإسلام، وزعم قيس أن “الدولة ذات معنوية كالشركة أو المؤسسة، والشركة لن تمر على الصراط”.

هذه -إذَن- جمهورية قيس الجديدة التي يستعد لتدشينها (دولة بلا دين) لأنها مثل الشركة، والشركة لا دين لها، ولن تمر على الصراط، كلام (سمك- لبن- تمر هندي)، محض هلاوس غريبة، ضمن طيف واسع من الهلاوس التي أطلقها الرجل، والتي ترجمها إلى أفعال كان ذروتها الانقلاب على الدستور والبرلمان، والحياة الديمقراطية عموما في 25 يوليو/تموز الماضي، ويريد “دسترتها” في 25 يوليو المقبل بتمرير دستوره الجديد الذي لم يخضع لحوار مجتمعي حقيقي، واكتفى بمشاورات إلكترونية شارك فيها 7% فقط من التونسيين.

نظام حكم هلامي

لم يقتصر التشويه الدستوري على حذف ديانة الدولة، بل تضمن شكلا هلاميا للحكم، يقوم على فكرة اللجان المحلية التي ستكون هي صاحبة الصلاحيات الأكبر، وهو نظام مستوحى من نظام اللجان الشعبية الذي طبّقه القذافي في ليبيا على مدار عقود حكمه وأورث ليبيا الجهل والتخلف، كما أنه نظام يستحوذ فيه قيس سعيّد على سلطات مطلقة، غير أنه لا يتعرض للمساءلة تماما كما كان وضع القذافي، الذي كان يفاخر بأنه ليس رئيسا أو ملكا بل مجرد قائد ثورة، بينما كان الجميع في ليبيا وخارجها يتعاملون معه على أنه صاحب الأمر والنهي في كل كبيرة وصغيرة.

هاجس النهضة يسكن قيس سعيّد في حِلّه وترحاله، وهو يظن أن حذف النص على دين الدولة سيحرم الحركة من سلاحها القوي، وسيدمر مشروعها تدميرا، وهو بذلك كمن أراد إصابة خصمه فارتدت الرصاصة إلى صدره، لأن الدين ليس ملكا لحركة النهضة ولكنه دين الشعب التونسي، بل دين الأمة الإسلامية كلها، والدين هو العنصر الأبرز في هوية الدولة، ومحو صفة الدين عن الدولة ونسبته إلى الأمة هو تنصل من مسؤولية الدولة تجاه هذا الدين، وتركه نهبا لكل من هبّ ودبّ تحت أي ذريعة، وكذا تنصل الدولة من الالتزام بأحكامه، أو رعاية الأنشطة الدينية مثل بناء المساجد وصيانتها، وتنظيم قوافل الحج والعمرة، ورعاية التعليم الديني، ومواجهة أي اعتداء على المقدسات والثوابت الدينية إلخ.

مغازلة لغلاة العلمانية

قد يتوهم قيس سعيّد أنه بفعلته سينجح في كسب المعارضة العلمانية إلى جانبه، وقد يستطيع فعلا كسب غلاتها، لكن غالبيتها تبدو مدركة لتلك الحيلة، خاصة أنها شاركت بالفعل في حوار جدّي من قبل ترجمه دستور 2014 بما فيه النص الخاص بدين الدولة، كما يتوهم قيس أنه بفعلته قد يكسب رضا العواصم الغربية، وهو ما ظهر في توجيه “ترزي الدستور” الصادق بلعيد حديثه لمن وصفهم بـ”الديمقراطيين الفرنسيين والأوربيين”، لكن ربما غاب عن سعيّد وبلعيد أن العديد من الدول الغربية والشرقية تنص في دساتيرها على دينها الرسمي، وتتعهد بحمايته.

ومثال ذلك، المادة الثانية من الدستور اليوناني التي فصلت كثيرا في وضع الديانة والكنيسة الأرثوذكسية، والمادة 2 من دستور النرويج “الإنجيلية اللوثرية ستظل الدين الرسمي للدولة، ويلتزم السكان المعتنقون لها بتنشئة أولادهم بموجبها”، والمادة الرابعة في الدستور الدنماركي “الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الكنيسة الرسمية في الدنمارك، وعلى هذا النحو، فإنه يتعيّن دعمها من الدولة”، والمادة 26 في الدستور الأيسلندي “الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي كنيسة الدولة، وستظل هذه الكنيسة مدعومة ومحمية من الدولة”.

وفي بريطانيا، أقر البرلمان أن “كنيسة إنجلترا هي الكنيسة المعترف بها، والعاهل البريطاني -بحكم منصبه- هو الحاكم الأعلى للكنيسة”، وكجزء من مراسم التتويج يٌطالَب العاهل بأن يؤدي القسَم أمام رئيس الأساقفة “بالحفاظ على التسوية المبرمة مع كنيسة كانتربري، وأن يحفظها من دون خروق، كما يحفظ العقيدة والشعائر والنظام، وطرق إدارتها وحكمها”. ناهيك عن عديد الدول الأخرى في الغرب والشرق والشمال والجنوب التي تنص دساتيرها على دينها، وحمايتها لذاك الدين.

ما هكذا تورَد الإبل.. يا قيس!

المصدر : الجزيرة مباشر