ذبح فتاة المنصورة.. أين الخلل؟

فتاة المنصورة

مشهد مُروع، مُرعب، بشع.. يدمي القلب والوجدان شهدته أمس الاثنين، مدينة المنصورة المصرية ( 135 كيلو مترا من العاصمة القاهرة).. شاب جامعي (20 سنة) يذبح زميلته الجامعية “نيرة أشرف” بسلاح أبيض.. غافلها وانهال عليها غدرا بطعنات غائرة في أماكن متفرقة من جسدها، ولاحقها حين خارت قواها بفعل طعناته، ولم يتورع عن نحرها ذبحا من رقبتها بقطع طوله 12سم وعمق ثلاثة سنتيمترات، لتسقط صريعة غارقة في دمائها، قبل أن يُمسك به الأهالي ويسلمونه للشرطة.

حيازة السكين.. وخطوبة مرفوضة.. ومطاردة بمنشورات فيس بوك

عقلا ومنطقا، هذا المشهد الكارثي المفزع، ليس وليد اللحظة أو المشادة الكلامية بينهما التي سبقته، في الحافلة التي كانت تُقلهما من بلدتهما (المحلة الكبرى- محافظة الغربية)، إلى المنصورة، إذ كان الشاب القاتل يحاول فرض نفسه على الضحية، وهو ما رفضته، بمساعدة الركاب.. إذ إن حيازته للسكين، تعني عزمه على إنهاء حياتها، أو أن فكرة “القتل” ملكت عليه تفكيره، واستعد لها، إلى أن حانت الفرصة.. لكن.. كيف كان الطالب القاتل سيمرق ومعه السكين إلى الحرم الجامعي لو لم يتمكن من قتل الفتاة.. يبدو أنه كان واثقا من دخوله للامتحان وخروجه بالسكين دون انكشاف أمره؟
في التفاصيل التي رشحت، أن الجاني، كان يُحب القتيلة ويرغب في  الزواج بها، ولم تقبل به خطيبا لها، وأنه كان يطاردها بمنشورات على صفحة فيس بوك خاصته متغزلا فيها، وأنها أغلقت في وجهه صفحاتها للتواصل الاجتماعي، وأن جلسة عرفية جمعت بين الأسرتين أسفرت عن قيامه بحذف منشوراته.

تزايد جرائم القتل ذبحا.. وأسباب ودوافع غريبة

هذا المشهد المُفزِع، الذي لم يعد غريبا، ويوشك أن يكون معتادا، حدث أمام بوابة جامعة المنصورة فيما كان الجاني الذابح والضحية المذبوحة في طريقهما لأداء امتحان نهاية العام بالفرقة الثالثة بكلية الآداب، ليغتال أحلام الفتاة في الدراسة والحياة بالعموم، وكذلك الشاب الجاني الذي قتلها وقتل نفسه برعونته والهمجية الساكنة في عقله ونفسه، فـ “مصيره” غالبا سيكون الإعدام شنقا، إن ثبت عليه التربص وسبق الإصرار والترصد.
هذه الطريقة البشعة للقتل ذبحا، تزايدت عبر جرائم عديدة مشهودة خلال الآونة الأخيرة، منها جريمة ذبح شاب مدمن مخدرات لآخر، علنا على مرأى من الكثيرين، وسط مدينة الإسماعيلية (130 كيلو مترا في الشمال الشرقي للقاهرة)، مع قطع رأس الذبيح، والتجول بها في شوارع المدينة. كما ذُبح آخر بمنطقة شبرا الخيمة القاهرية على خلفية مشاجرة بين أطفال.
وذُبح كاهن الإسكندرية منذ أسابيع، على يد رجل مُسن مسكون بالتعصب والتطرف. وقامت أم مؤخرا بذبح أطفالها الثلاثة ومحاولة الانتحار بقرية ميت تمامة القريبة من المنصورة، وغيرها من جرائم القتل بوسائل مختلفة، ولأسباب ودوافع غريبة.

مفارقات دراسة القاتل لعلم الاجتماع.. والخلل الأخلاقي

من المفارقات في حادث ذبح فتاة جامعة المنصورة.. أن الشاب القاتل يدرس كما الفتاة “علم الاجتماع”، وهو العلم المعني أصلا مع علوم الإجرام والنفس والتربية والدين بدراسة مثل هذه الظواهر، وتحليلها، بغية سبر أغوارها، وصولا إلى الوقوف على أسبابها بدقة، ومن ثم تحديد سُبل العلاج للحيلولة دون تكرارها.. أي كان مُفترضا أن دراسته هذه تمنعه من التفكير بالقتل أساسا، أو من فكرة الانتقام.
إن تزايد معدلات حوادث القتل، والتحول نحو الذبح كوسيلة، يقرع أجراس الخطر، بأن خللا قيميا وأخلاقيا وتربويا شديدا يمسك بخناق المجتمع، ويقوده أفراد منه إلى نوع من “الفوضى”، التي هي سعي الفرد لاستخلاص “ما يراه” حقا له، بيده بعيدا عن القانون.. لا سيما، أننا بصدد جرائم قتل مُستجَدة ناجمة عن “دوافع” لا تستدعي بالمرة كل هذا العنف أو القتل من الأساس بهذا الأسلوب الداعشي. هذا الخلل يتطلب انتفاضة من الأجهزة المختصة والمؤسسات البحثية والعلمية المعنية، للوقوف على الأسباب وإيجاد الحلول، وهي بالتأكيد ليست حلولا أمنية، ولا تغليظا للعقوبات، بل حلولا تربوية وثقافية وإعلامية واجتماعية ودينية، تتشارك فيها المؤسسات المختصة بهذه المجالات دراسةً وتنفيذا، وفق خطة مرسومة بدقة.

الأعمال الفنية والبلطجة والمخدرات.. واعتلاء التافهين للساحات

لا أزعم أنني أملك تفسيرا لما حدث أمس بالمنصورة، فإذا كان القاتل يحب الفتاة فعلا، ولو إلى درجة الجنون، فما كان ليفكر، أو يستجمع الإرادة لقتلها، حتى لو رفضته وفضلت غيره، فلا يمكن للحُب ان يقود المُحب إلى قتل محبوبته، وتاريخ العشق يخبرنا بصعوبة واستحالة ذلك. إن العنف الساري والمستشري في المجتمع بخطوات متسارعة جاء نتاجا لأعمال فنية هابطة ساهمت في الترويج للبلطجة والفساد والمخدرات ومخاطبة الغرائز.. بخلاف غياب القدوة، واعتلاء التافهين للساحات والمنصات، والفقر المنتشر باضطراد، وما يتبعه من تراجع أُسري تربوي وقيمي، وإحباطات وصراعات.. فضلا عن غياب الدور التربوي والتثقيفي للمدارس والجامعات ومؤسسات الثقافة والإعلام.

 فيديو الذبح وإماتة القلب واعتياد المشاهد والتقليد

زمن مضى إلى ما قبل نحو 20 عاما، كنا نتابع المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، المُنشأ منذ عام 1955م، والمختص بدراسة مثل هذه الظواهر ومؤشراتها وتحديد بواعثها، استنادا إلى بيانات إحصائية سنوية كانت تُصدرها وزارة الداخلية، ترصد فيها الجرائم كما ونوعا.. توقفت “الداخلية” عن نشر بياناتها هذه رغم أهميتها لتنبيه المجتمع والمؤسسات البحثية للتغيرات التي تجري في هذا السياق ومن ثم الدراسة والتوصل لحلول.. كما توارى دور المركز إعلاميا.
بقي، أن انتشار فيديو لذبح للفتاة المسكينة، كما النار في الهشيم، مثلما انتشرت مقاطع مشابهة من قبل، وتورط بعض المنصات الصحفية في النشر لحصد المشاهدات، هو من العوامل السلبية المساعدة على إشاعة العنف كالفن الهابط، بل وإماتة القلب.. إذ إن مثل هذه الفيديوهات بما تحويه من عنف تنقل الجريمة نفسها من كونها منبوذة وشاذة إلى العادي والمعتاد، بما يدفع البعض للتقليد والتكرار لها عند اللزوم، وهي مشكلة مرتبطة بوهن أخلاقي ومهني ونقص الوعي، والقابلية للانقياد لدى المُنساقين وراء “الشير” أو المشاركة لهذه المقاطع، إعلاءً لقيمة الربح والتكسب والظهور أيا كانت النتائج والأضرار على المجتمع والغير.

نسأل الله السلامة لمصر والصبر لأسرة الفتاة.

المصدر : الجزيرة مباشر