حدث في كولومبيا: فوز تاريخي لليسار.. وهزيمة كبيرة لواشنطن!

كولومبيا تنتخب أول رئيس يساري

شهدت كولومبيا يوم أمس الأحد، الجولة الثانية من انتخاباتها الرئاسية، صوّت فيها حوالي 20 مليون ناخب، لاختيار أحد المرشّحَين اللذين فازا منذ ثلاثة أسابيع في الجولة الأولى والتي تضمنت حينذاك سبعة مرشحين من مختلف الاتجاهات السياسية. ولم تتبدّد الحيرة في حسم النتيجة النهائية لهذه المعركة الحامية، حتى الانتهاء من فرز 98% من الأصوات، عندما تخطى المرشح اليساري غوستافو بيترو عتبة الـ 50% وبقي منافسه المليونير رودلفو إيرنانديز في نسبة 47% ونيف، وبهذا طوى بيترو صفحة الهيمنة اليمينية على رئاسة كولومبيا، ونال لقب “أول رئيس يساري” فيها.

قد يعتقد البعض أن عنوان “فوز تاريخي لأول رئيس يساري في كولومبيا”، الذي تصدّر وسائل الإعلام العالمية يوم أمس، يقوم على المبالغة وربما الدعاية لشخصية غوستافو بيترو، لكنها الحقيقة المحضة، فكولومبيا تعتبر الاستثناء الجنوب أمريكي دون منازع، حيث إنها وعلى مدى القرنين الماضيين، تداولت على الرئاسة فيها أسماء تنحدر كلها من أصول 40 عائلة أرستقراطية يمينية الهوى، من العاصمة بوغوتا وعُرفت بولائها للقرار الأمريكي. وحتى عندما تجرّأ اسمان من خارج هذه الدائرة، واكتسبا دعماً شعبياً أوحى بإحداث الفرق، تمت تصفيتهما سنة 1948 و1989. إضافة إلى هذا الاستثناء السياسي، ساهم الظرف المتعلق بالنزاع المسلح الذي عاشته كولومبيا ما يقارب 60 سنة، انتهى مع معاهدة السلام المُبرمة سنة 2015 بين المتنازعين من سياسيين متطرفين مسلحين وعصابات مخدرات، في تعقيد الأجواء السياسية وجعل امكانية فوز فصيل من خارج المنظومة اليمينية أمراً صعباً جداً، نظراً لاحتكارها لزمام الأمور. وقد ساهمت هذه المعطيات في جعل كولومبيا طوال العقود الماضية، أهم حديقة خلفية للبيت الأبيض وأكثرها أمانا، تُطلّ على بلدان أمريكا الجنوبية وترصد دبيب نملها.

اشتراكية تشافيز

ولعلّ تحقيق معاهدة السلام التي اتبعتها كولومبيا طوال 15 سنة بالتنسيق مع الولايات المتحدة، كانت الإنجاز الأبرز لتكتمل من خلالها الأهداف الأمريكية في زرع 7 قواعد عسكرية على الأراضي الكولومبية، تحت عنوان محاربة الإرهاب والتهريب، لكنها في الواقع كانت خطة لكبح جماح طموح الجار الفينزويلي في تمدّد تياره في المنطقة منذ سنة 2000.

ونظرا لحرص الولايات المتحدة على بسط  نفوذها على أصحاب القرار السياسي والاقتصادي في بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية، إلى حد التدخل السافر في تعيين الرؤساء أحيانا أو عزلهم، وجدت بعض التيارات الثورية في هذه البلدان طريقها إلى سدة الحكم بالاستقواء بمشروع الزعيم الفنزويلي تشافيز في ما يسمى بـ”اشتراكية القرن الواحد والعشرين”، وعاشت التجربة عصرها الذهبي في البرازيل مع لولا دي سيلفيا وفي الأرجنتين مع كريستينا كيرشنر وفي بوليفيا مع إيفو موراليس وفي الإكوادور مع رافاييل كوريا، ناهيك عن قادة بعض بلدان أمريكا الوسطى. وبالفعل، مثلت تلك التجربة تهديدا حقيقيا للهيمنة الأمريكية على المنطقة، لاسيما أن الحكومات المذكورة فتحت أبواب التعاون لعملاقي الشرق اللذين يمثلان العدو اللدود للبيت الأبيض، وعزّزت وجودهما في خاصرة القارة الأمريكية. وكانت كل هذه التغيرات تعصف بدول المنطقة، والحال السياسي الكولومبي على ماهو عليه، يمين مستأثر بالسلطة ومتفانٍ في ولائه للقوة الأمريكية.

ورغم الانتكاسات التي نالت من تيار اليسار الاجتماعي في هذه الدول مؤخرا، الإكوادور والبرازيل مثالا، إلّا أن المستجدات الأخرى في بلدان مثل البيرو والتشيلي وكولومبيا أخيرا، وعودة لاولا دي سيلفيا المحتملة جدا في انتخابات البرازيل القادمة، سوف تؤرق المضاجع في البيت الأبيض لامحالة، كيف لا والرئيس الكولومبي الجديد كان قد وعد في حملته الانتخابية باستعادة العلاقات الدبلوماسية مع فنزويلا، وفتح الحدود بشكل يسمح بوجود متنفس لهذا البلد المحاصر منذ سنوات؟ كيف لا، والغزو الروسي لأوكرانيا أجبر الحكومة الأمريكية على النزول من عليائها والتودّد للرئيس الفنزويلي والتفاوض معه ومع أعداء الأمس من أجل النفط، وطمعًا في النيل من مستويات التعاون والثقة التي توليها بلدان المنطقة لروسيا والصين وإيران؟.

الرضا بالفتات

لا شك أن فوز غوستافو بيترو يمثل خسارة مدوية للحكومة الأمريكية، أكثر منها على التيار اليميني الكولومبي في حد ذاته، فالمعقل الكولومبي بالنسبة للولايات المتحدة يمثل موقعا استراتيجيا لا يقارن بأي موقع دولة ثانية في أمريكا الجنوبية: متاخم لفنزويلا، الكابوس المُزمن، حدود مع البرازيل والبيرو والإكوادور وبنما، وواجهتان على المحيط الهادي والبحر الكاريبي. خسارة ربما تدفع بالحكومة الأمريكية أن ترضى بفتات الأراضي الإكوادورية لحفظ ماء وجه هيمنتها في المنطقة، في ظل الولاء والطاعة العمياء التي يباهي بها رئيسها المنتخب حديثا، بفضل الدعم الأمريكي.

من المحتمل جدا أن يكون الرئيس الكولومبي الجديد غوستافو بيترو، رقما صعبا أمام مكائد اليمين الكولومبي أو الحيل الأمريكية الخبيثة، التي ستسعى الى إفشاله أو حتى عزله بالقوة، كما هو الحال القائم في البيرو مع الرئيس الهشّ بيدرو كاستيو، نظرا لأن بيترو سياسي متمرّس، عايش الغطرسة اليمينية في عقر مؤسساتها السيادية، وفرض اسمه على الساحة سواء في المجال الدبلوماسي أو في مجلس الشيوخ أو من خلال رئاسته لبلدية العاصمة بوغوتا.

المصدر : الجزيرة مباشر