ما لا تعرفه عن “إربد” عاصمة الثقافة!

مدينة إربد

“إربد”، “الأقحوانة”، “أرابيلا “، “عروس الشمال”

أسماء متعددة لمدينة أردنية تعتبر من أوائل مدن الشام للقادمين من الجنوب من الحجاز أو من فلسطين. مدينة إربد هي عاصمة محافظة إربد الأردنية وهي مدينة لها وجود عميق في التاريخ، ربما بسبب الموقع الحساس في جنوب سهول حوران المنبسطة ذات التربة الخصبة الحمراء الصالحة لأفضل الزراعات الاستراتيجية كالقمح والشعير، بالإضافة لكون أحداث جسام مرت بهذه المدينة حيث وادي اليرموك الشهير ومنطقة أم قيس وطبقة فحل المناطق التي تقف شاهدة على حركة التاريخ.

منذ العهود الغابرة ومنذ أن كانت مدينة إربد قرية صغيرة بيوتها مبنية من الطين وعدد سكانها قليل كانت ولا تزال محلًّا وممرًّا للكثير من الأحداث المهمة المؤثّرة في بناء ثقافة السكان وتنوع هذه الثقافة، مما جعلها “عاصمة الثقافة العربية” لعام 2022 بعد أن تم اختيارها من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) لتحمل لواء الثقافة في المنطقة العربية هذا العام بفضل دورها التاريخي والثقافي والحضاري. وبذلك يحظى الأردن بلقبين هذا العام بعد أن أعلنت وزارة السياحة والآثار فوز مدينة مأدبا الغنية بالمعالم الأثرية والتاريخية والدينية بلقب عاصمة السياحة العربية بعد تحقيقها للمعايير والشروط المرجعية التي أعدتها المنظمة العربية للسياحة.

إربد التاريخية

تقع إربد في شمال المملكة الأردنية الهاشمية على التلال الشمالية من جبال جلعاد، وتبعُد مسافة 100 كلم عن العاصمة عمّان. الطريق السريع من عمّان إلى إربد طريق حيوي يشهد كثافة شديدة في السير، وهو طريق جيّد ومُضاء ليلاً.

أما من حيث تاريخ هذه المدينة فقد دلت الدراسات بحسب قسم الآثار في جامعة اليرموك التي هي من معالم محافظة أربد على وجود مجموعة من الآثار تعود إلى العصر البرونزي (3000 سنة قبل الميلاد) ووجود مستوطنات بشرية قديمة في العصر الهلنستي الذي تميز بوجود الثقافتين اليونانية الغربية والثقافة الشرقية في المدينة.

ومن أهم المدن القديمة في محافظة إربد مدينة طبقة فحل، التي كانت تعرف قديمًا باسم “بيلا” نسبة إلى المدينة التي ولد بها الإسكندر. وهي إحدى أكبر وأهم المواقع الأثرية في المنطقة. بالإضافة إلى منطقة تل الفخار الواقع في وادي الشلالة، وتل المزار الشمالي ومدينة جدارا التي يُطلق عليها حاليًّا اسم أم قيس وقد عادت مؤخرًا لتفتح للزوار بعد أن كانت منطقة حدودية عسكرية، ومنطقة تل الشونة الشمالية حيث توجد مياه الحمة الأردنية والينابيع الساخنة التي يستجم بها السياح.

وتُعد فترة الرومان من الفترات المهمة التي مرت على مدينة إربد؛ فقد قام الرومان ببناء أنفاق لنقل المياه في أبيلا، وطبقة فحل، وأم قيس وغيرها، بالإضافة إلى إقامة المعابد والمدرجات والأعمدة الرومانية.

وفي العصر البيزنطي، قاموا ببناء العديد من الكنائس التي تميّزت بأرضيّاتها الفسيفسائية. ثم جاء العصر الإسلامي، وهو من أهم الحقب التاريخية لهذه المدينة؛ إذ تُعد معركة اليرموك بقيادة خالد بن الوليد الحدث الفاصل الذي أنهى الإمبراطورية البيزنطية في المنطقة وأدخل الإسلام إلى البلاد، وقد كانت مدينة إربد منطقة خلفية لدعم جيش الفاتحين يوم اليرموك.

وقد تمّ ضمّ إربد إلى الحكم الإسلامي سلميًّا، وأدّت المدينة دورًا مهمًّا في هذا العصر لموقعها المميز، فقد استُخدمت نقطة لتحديد اتجاهات الجيوش الإسلامية إلى الشام، والعراق، وفلسطين، لأنها تعتبر ملتقًى مهمًّا لطرق المواصلات التجارية بين عكا ودمشق ومصر ومحطات اتصال بريدية ومركزًا للحمام الزاجل المستخدم للاتصالات قديمًا خاصة في العصر المملوكي.

ثم كان التطور المهم الذي حصل لعروس الشمال بعد قيام المملكة الأردنية الهاشمية عام 1921.

ومن المعالم المهمة لمدينة إربد وما حولها المزار الشمالي في الجهة الجنوبية الغربية منها وينسب إلى النبي داود عليه السلام.

متاحف إربد

تضم مدينة إربد مجموعة من المتاحف المهمة التي يقصِدُها الزوّار للتعرّف على تاريخ المدينة، منها متحف دار السرايا الذي يقع داخل قلعة بناها العثمانيون من الصخور البازلتية الزرقاء في منتصف القرن التاسع، ويوجد بها العديد من القطع الأثرية القديمة التي تكشف تاريخ المدينة، وبيت عرار وهو بيت قديم مبني على شكل البيوت الدمشقية القديمة يحوي مجموعة من المخطوطات الشعرية الرائعة، والصور التي تعود للشاعر مصطفى وهبي التل الملقب بعرار، وهذا البيت تستضاف فيه المناسبات الثقافية.

وهناك متحف التاريخ الطبيعي الأردني وتوجد فيه مجموعة متنوعة من الحيوانات والطيور والحشرات المحنطة والنباتات التي تشتهر بها الأردن، ومتحف التراث الأردني الذي تحكي معروضاته مراحل التطور الحضاري والتاريخي والثقافي عبر العصور المختلفة، بالإضافة إلى معروضات حديثة تفسر طبيعة الحياة الريفية والبدوية في المنطقة.

وفي الستينيات من القرن الماضي افتُتح متحف آثار إربد في الحي الجنوبي من المدينة ليتسع لأكبر قدر ممكن من المقتنيات الأثرية التي عُثر عليها في المدينة.

ومنذ وقت ليس بالبعيد أقامت بلدية الشعلة التي تقع على ضفاف نهر اليرموك نصبًا تذكاريًّا لمعركة اليرموك على مساحة خمسين مترا مربعا من الرخام تحكي الأحداث اليومية لخمسة أيام من سير المعركة، بالإضافة لمنتزه رائع مشرف على الوادي يؤمه الزوار من أنحاء المحافظات الأردنية في أيام العطل والسياح القادمين من خارج المملكة.

لقد كانت مدينة إربد من المدن التي كان لي نصيب من زيارتها أثناء زيارتي للمملكة الأردنية الهاشمية، وما زالت مطبوعة في ذاكرتي، أذكر إربد كلما تراءت لي تلك الأقحوانة الصفراء الجميلة المطرزة بالوريقات البيضاء التي تحيط بها لتكسوها مزيدًا من الجمال.

أرنو إليها بعيون مصرية سحرت بها وتتوق لتكرار رؤيتها وزيارتها مرة أخرى.

المصدر : الجزيرة مباشر