ليست نهاية التاريخ بل بداية فصل جديد

فوكوياما

(1)

“الجار قبل الدار”

مثل يتردد كثيرا على مسامعنا يؤكد أهمية الجيرة، وأن لها أولوية حين تفكر في اختيار بيتك الذي تشعر فيه بالسكينة، فمهما كان المنزل الذي اخترته جميلا مثل الجنة فإنه يمكن أن يصبح جحيما بسبب جار سوء، ومهما كان بناء البيت قويا فلن يصد عنك أذى جار عدواني عنيف، لكن ماذا لو كانت الدار وطنا؟ وماذا لو كان الجار شعبا ونظام حكم ومؤسسات وسياسة واقتصاد؟

الأوطان لا نرحل عنها ولا يمكن استبدالها بسهولة ويسر، وحدود الدول لا يمكن محوها والأذى الحقيقي والخطير على الأمن القومي لأي دولة يأتي غالبا من جار يختلف مشروعه عن مشروعها، يطمع في تحريك الحدود أو بسط النفوذ والهيمنة أو سلب خيرات جاره وثرواته، والحجة دائما جاهزة وحاضرة منذ فجر التاريخ الإنساني وحتى الآن، ولغة القوة تتغلب على لغة العقل والأخلاق. فرغم التقدم العلمي الكبير الذي أحرزه الإنسان فإن نوازعه ورغباته البدائية ما زالت هي التي تحرك النفوس والجيوش.

(2)

الخوف والطمع سبب كل الحروب

الخوف والطمع، هما أكثر المشاعر الإنسانية تأثيرا على فعل ورد فعل الإنسان، وما ينطبق على الفرد ينطبق على الجماعة والمجتمعات والدول، والأمثلة لا تعد ولا تحصى على مدار التاريخ القديم والحديث. انظر حولك وتحديدا فيما يخص عالمنا العربي، وحاول أن تفسر الحرب العراقية الإيرانية، العداء السوري العراقي، والخليجي الإيراني والجزائري المغربي، التدخل التركي في سوريا، الدور الإيراني في العراق ولبنان واليمن وسوريا، وقلق الخليج من الجارة الفارسية، ويمكن أن نطبق نفس المفهوم على الحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس الأمريكي الصيني، والعداء الأمريكي الروسي إلخ…

حين تنظر إلى الحروب التي تندلع في العالم حتى الحروب الأهلية بين أبناء الوطن الواحد، ستجد الخوف والطمع هما منشأ كل هلاك ودمار. ورغم ما يردده العالم المتقدم والدول الكبرى القوية وكذلك الدول الصغرى النامية حول أهمية السلام وضرورة الحفاظ على الأمن العالمي، فإن هذه العبارات الجوفاء تذهب أدراج الرياح أمام المخاوف والأطماع.

نجح الإنسان في تطوير أدوات هلاكه الفتاكة بفضل تقدمه العلمي، ورغم هذا التقدم المذهل والمستمر ازدادت مخاوفه وأطماعه، واشتعلت رغبته في إنتاج المزيد من الأسلحة الأكثر خطورة وفتكا التي تنافس في إنتاجها وتطويرها والإعلان عنها كل دولة تريد أن تحصل على دور في مسرحية العبث الدولي.

 (3)

هيمنة الحضارة الغربية مهددة

يقف العالم في هذه اللحظة ليواجه مخاوفه على سطح صفيح ساخن، يتابع بقلق حقيقي ورهبة الحرب المندلعة في أوربا بين الرجال البيض، ويتساءل متى تنتهي؟ لا أحد لديه إجابة، ولا أحد يتوقع متى تندلع الحرب المنتظرة بين أمريكا والصين وخاصة بعد التصريحات الأمريكية التي اعتبرتها الصين معادية بالنسبة لوضع جزيرة تايوان ونظام الصين السياسي الذي تعتبره الولايات المتحدة خطرا على العالم!!

وتتبارد إلى الذهن أسئلة عديدة: هل يتحمل العالم المأزوم بعد جائحة كورونا مزيدا من الحروب بين العملاقة حيث يدعس الضعفاء وتتحول المدن العامرة إلى أنقاض؟ وهل يستطيع العالم الغربي المدلل، أن يتحمل المزيد من التقشف مع توقع انخفاض الإمدادات الغذائية والسلع؟ وماذا تفعل الدول الفقيرة وكيف ستقابل أزمة الغذاء وضيق ذات اليد؟

العالم في مفترق طرق، لا يعرف ماذا يختار وأين سكة السلامة وما هو طريق الندامة: هل مع المعسكر الغربي وحلفائه أم مع الصين وروسيا وحلفائهما؟ الرأسمالية العالمية أيضا في مأزق، فعالم الاستهلاك الفاسد والمضلل الذي بنته على مدى عقود وزخرفته بالأحلام الزائفة يكاد ينقض من جذوره أمام أسئلة وجودية أكثر إلحاحا، نمط الحياة الغربية الذي تم تصديره إلى العالم بفضل هيمنة الغرب وثقافته وقيمه على العالم في امتحان صعب، وهناك سؤال إجباري يتأرجح كبندول الساعة في رأس كل متأمل لما يجري في القرية الكونية: هل فعلا النموذج الغربي في الحياة والسياسة والاقتصاد هو الأفضل؟ أم أن هناك نماذج أخرى يمكن أن تكون أكثر نجاحا وواقعية حيث تحترم الاختلافات الثقافية والحضارية بين الدول ولا تفرض نمطا معينا من الحياة والأفكار.

التاريخ لم ينته بانتصار الحضارة الغربية كما ادعى الأكاديمي والمفكر الأمريكي “فرانسيس فوكوياما” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد أمريكا بحكم العالم، ما يحدث الآن يؤكد أن التاريخ مستعد لكتابة فصل جديد سيكون مختلفا عن كل ما سبق، والسؤال المطروح علينا نحن العرب هو: هل سنشارك في كتابة سطوره أم سنظل غائبين عن كتابة التاريخ؟

المصدر : الجزيرة مباشر