شباب الصين بين “الأنتخة” والهروب إلى الخارج

 

هل لديك شك في أن وباء كورونا غيّر نظرة الناس إلى الحياة؟ إذا لم تصل إلى اليقين في هذا الأمر، فما عليك إلا النظر بشدة إلى ما يحدث في الصين من تغييرات جوهرية، في بلد يخضع لميراث اجتماعي شديد التعقيد، ما زال مستمرا منذ عام 140 قبل الميلاد.

منذ 3 سنوات تكافح الصين الوباء، الذي ظهر للمرة الأولى في منطقة “ووهان”، التي تحولت من مزارع للشاي إلى أيقونة للتطور العمراني والتكنولوجي. وظّفت السلطات كل أساليبها الطبية والقمعية في السيطرة على حركة البشر والبضائع، فلم تفلح في القضاء على الوباء بمنطق” صفر كوفيد”، الذي يصمم الرئيس شي جين بينغ على تحقيقه في أنحاء الصين. آخر ما كان يتوقعه المرشد الأعلى (شي) من شعب اعتاد الولاء التام للسلطة، بل وتبرير قراراتها، أن يبدأ الناس في التململ، والتعبير عن رفضهم لسبل مواجهة الحكومة للوباء، وما ارتكبه قادة الدولة من كوارث في إدارة الأزمة، وما رأوه من فساد في إنفاق أموال المكافحة للمرض.

أدى الإغلاق المتكرر لشنغهاي مدينة المال، ومهبط الثورات الحديثة في الصين، وملتقى المثقفين والأجانب، إلى بحث المواطنين عن حل جذري لمشاكلهم، بعد ارتفاع إيجارات المساكن، وندرة فرص العمل، وملاحقة الحزب الشيوعي للنخبة والشباب.

رنولوجيا الاستلقاء والعزلة

اتجه البعض إلى الهرب من الواقع حولهم، بما يُعرف بـ”الاستلقاء” أمام شاشات الإنترنت، لمشاهدة البرامج التافهة، في ما نعرفه بـ”الأنتخة”، يعزلون أنفسهم عما يدور حولهم من مشاكل، لأن الدولة في نظرهم، لا تريد الإنصات إلى معاناتهم، والمجتمع -وبخاصة كبار السن والمسؤولون- يطالبونهم بتنفيذ كل ما يراه الحزب الشيوعي.

لدى الأجيال القديمة إيمان راسخ بأن “الممارسات الأمنية ولو كانت قمعية، تعكس المخاوف الوطنية للدولة”. يعتقد المجتمع في مبادئ، تشكلت مع تكوين دولة الصين، خلال الفترة من 140 إلى 87 قبل الميلاد، تستند إلى أن نظام الحكم “يضع الكل تحت جنته” في ما يُعرف بـ”تيان شيا”. يصبح الإمبراطور “ابن السماء” أي ظل الله في الأرض، وأن المجتمع يدار بنظام هرمي وأبوي يحافظ عليه نخبة من قادة العشائر والأسر، تستمد أخلاقياتها من الكونفوشيوسية.

أدت عمليات الإغلاق المتكرر لشنغهاي لمدة شهرين، ولعشرات المدن الكبرى، إلى انتشار مصطلح “رنولوجي” Runology أو Runxue “رنكسو” باللغة الصينية. فالشباب هناك -مثل غيرهم هنا وفي أنحاء العالم- يتلاعبون باللغة للهروب من رقابة المجتمع والسلطة، لذلك اخترعوا هذه الكلمات، من خلال إعادة تركيب بعض أشكال اللغة الصينية، وتداولها باللغة الإنجليزية، لتدل على “الهروب أو الهجرة” إلى الخارج. أضاف البعض لفظا آخر، لتصبح كلمة ثالثة، وهي “دراسة الهرب” إلى الخارج. انتشر المصطلح -كما ترصده مراكز بحثية تهتم بالشأن الصيني- بداية يونيو/حزيران الجاري، ويجرى تداوله بسرعة غريبة بين المحاصرين في منازلهم، ممن لا يجدون الغذاء أو الرعاية الصحية، بينما يخضعون لتعليمات حجر صحي صارمة، دون أن تسفر عن شيء يُذكر.

صراع الهوية

قصص الرعب التي بثها سكان المدينة عبر الإنترنت، وكثرة حالات الانتحار بين الشباب، جعلت “الإغلاق رمزا لخيبة الأمل من سياسات الحكومة”. واكب ذلك إصدار الرئيس شي جين بينغ قوانين تمنع وجود مراكز التعليم الخاص، وفروع الجامعات الأجنبية، وتطبيق سياسة واسعة تُعرف بـ”تصيين الثقافة” والعودة إلى الهوية الوطنية، التي يُلاحق بها النخبة لا سيما المتأثرة بالتعليم الغربي، ويُمنع التواصل مع الكنائس والمؤسسات الأجنبية. خرج نحو 120 ألف أجنبي من شنغهاي وما حولها خلال العام الماضي، بعد تطبيق هذه السياسات، ممن كانوا يستثمرون في مراكز التعليم والجامعات. وهرب 150 ألفا من هونغ كونغ، وآلاف الخريجين ظلوا في أوربا وأمريكا، وآلاف الأسر هربت إلى أمريكا الشمالية. مع الضربات التي وجّهها (شي) لشركات التكنولوجيا، أصبحت هناك ندرة في فرص العمل، وضغوط على فروع الشركات الدولية، التي بدأ بعضها يسعى إلى الخروج من الصين بصفة نهائية.

شباب غاضب

يجد الحزب الشيوعي، الذي يستند لنفس قواعد الحكم الإمبراطوري، أصواتا تسانده في أنحاء الصين عدا المدن الكبرى، خاصة شنغهاي التي غيرت التركيبة السياسية بشكل لا رجعة فيه بالصين منذ عام 1911، حينما هبت نخبتها الثقافية والعسكرية، وتحالفت مع أعضاء بالحزب الشيوعي، لإنقاذ الأمة الصينية من الاستعمار الذي مزق البلاد، بداية من النصف الثاني من القرن 19. هذه النخبة ما زال لديها إيمان بسلطة القائد، لتحقيق الاستقرار وضمان وحدة الدولة، ولكنها ترفض هيمنة الحزب الشيوعي على قرارات الحكومة وحياة الناس والاقتصاد. تشير النخبة إلى أن الإصلاح الاقتصادي في الدولة ما كان لينجح، إذا استمر الحزب الشيوعي في السيطرة على مجتمع انخفض فيه التجانس الاجتماعي، مع كثرة حركة التنقل داخل المدن وبين الأقاليم، وتفاوت الدخول وارتفاع مستوى التعليم، مع كثرة العاطلين والمهاجرين، ووجود معارضة منظمة من ناشطي النقابات العمالية، وجماعة “فالونغونغ” التي ترفض المبادئ الشيوعية، التي يعتمدها الحزب عقيدة بديلة لمجتمع ما زال يدين في أغلبية بمبادئ الكونفوشية.

لم يعد مصطلح “رنولوجي” مرادفا لمصطلح “الهجرة” فقط، بل أصبح دراسة لسبب الهروب وأين وكيفيته؟ يتبادل الشباب معلومات عن كيفية الهجرة، حتى لا ينجرف البعض كالعُميان، من دون معرفة العواقب. أظهر موقع “WeChat” أن كلمة البحث عن الهجرة إلى كندا، زادت بنسبة 440% في بداية أبريل/نيسان الماضي.

 

نظرة جديدة إلى الحياة

تشير بيانات (اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح) الحكومية إلى أن الطلاب العائدين من الخارج خلال عام 2021، بلغ تعدادهم مليون شاب، لم يجدوا عملا، في وقت يدعو فيه الرئيس إلى ضرورة الاستفادة من المبعوثين الموهوبين. عمل بعض العائدين من أقرباء أعضاء الحزب الشيوعي، بينما تسعى الأغلبية إلى العمل في “بيئة شديدة التنافسية وفرص قليلة من النجاح”.

أظهر إغلاق شنغهاي أن خضوع الناس لسياسات حكومية تعسفية، لا يتعارض مع حريتهم السياسية والجسدية فقط، بل مع نظرة الأجيال الجديدة إلى الحياة، التي غيّرتها كارثة الوباء.

المصدر : الجزيرة مباشر