بوصلة العلاقات التركية الأمريكية في ظل الملفات الخلافية

بايدن وأردوغان

مع تشابك وتعقد العديد من الملفات الدولية والإقليمية التي يعيشها العالم اليوم، وما يصاحبها من مواقف وتحركات تحددها المصالح الخاصة لكل دولة على حدة، يبدو أن العلاقات التركية الأمريكية مرشحة خلال الفترة المقبلة لمزيد من التوتر قد يصل إلى حد القطيعة بين الحليفين السابقين.

وهو ما يمكن توقع حدوثه بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس أردوغان مؤخرا، منتقدا فيها بشدة موقف الولايات المتحدة الرافض للعمليات العسكرية التركية في الشمال السوري، ووقوفها إلى جانب التنظيمات الانفصالية المسلحة التي تشن حرب عصابات على بلاده مهددة الأمن القومي وسلامة الوحدة الجغرافية ليس لتركيا وحدها بل لجارتها سوريا أيضا، والسعي بكل قوة من أجل تأمين سلامة عناصرها وحمايتهم من أي مساءلة قانونية.

فالدعم اللوجستي والعسكري لعناصر تلك التنظيمات، الذي يتسبب في توسيع هوة الخلاف بين أنقرة وواشنطن لم يتوقف رغم المطالب التركية المتكررة، والتحذيرات من التداعيات السلبية لذلك على مجمل العلاقات بين الدولتين.

لكن تجاهل واشنطن للمخاوف الأمنية التي تبديها أنقرة، ولتحذيراتها المستمرة وصل إلى حد لم تعد تجدي معه الأقوال، ولهذا قررت أنقرة التصدي بقوة لانضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو نكاية في واشنطن التي تؤيد هذا الانضمام بقوة، رغبة منها في توسيع نطاق الحلف، وتشكيل جبهة دولية قد تحتاج إليها إذا تصاعدت حدة الأمور في الحرب الروسية الأوكرانية.

الرفض التركي يرتكز أيضا على المسألة نفسها التي أدت إلى الخلاف بين أنقرة وإدارة بايدن، وهي دعم السويد وفنلندا لحزبي العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، واستقبالهما للعديد من عناصر الحزبين القيادية بل منح بعضهم الجنسية التي تمكنهم من الإقامة الدائمة وحرية الحركة.

عواقب دعم مخططات العناصر الانفصالية

وفي هذا الإطار خاطب الرئيس أردوغان رئيسة وزراء السويد، منتقدا خروج مناصري هذه التنظيمات مؤخرا في مسيرة طافت شوارع استوكهولم، رافعين ملصقات لزعمائهم، قائلا: “أود أن أؤكد مرة أخرى أن أولئك الذين يحمون الإرهابيين من خلال تقديم جميع أنواع الدعم للتنظيمات الإرهابية التي تشكل تهديدا لتركيا، يجب أن يتخلوا أولًا عن مواقفهم غير القانونية والعبثية والمتغطرسة التي كانوا يبدونها ضدنا منذ زمن، لقد آن الأوان لتغيير تلك السياسة، وعندما نرى حدوث هذا التغيير عبر ممارسات ملموسة، لا ينبغي أن يساور أحد أدنى شك في أننا سنقوم بما يجب علينا القيام به”.

موقف حاسم وحازم ليس فقط تجاه سياسات السويد وفنلندا، لكنه موجه لكل من يقوم بدعم هذه التنظيمات الانفصالية، ويقدم مختلف الدعم لعناصرها، بهدف إثارة القلق وتهديد الأمن القومي التركي، بمن فيهم الولايات المتحدة الأمريكية.

تداعيات التعاون الأمريكي اليوناني على العلاقات مع تركيا

ومن دعم التنظيمات الانفصالية إلى زيادة حجم التعاون الثنائي مع أثينا، الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ علاقات الولايات المتحدة مع اليونان منذ تولي إدارة الرئيس بايدن السلطة، وهو ما يمكن رصده من خلال العديد من المواقف التي تثير قلق تركيا، وتدفعها إلى البحث عن مصالحها الاستراتيجية والعسكرية بعيدا عن الدائرة الأمريكية التي ظلت أسيرة لها وتدور في فلكها عقودا طويلة.

فلقد أثار حفيظة تركيا هذا الترحيب الحار الذي استقبل به رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، وإعلانه خلالها معارضته الصريحة لصفقة الطائرات أف -16 الأمريكية مع تركيا المعروضة أمام الكونغرس، محذرا من خطورة مد أنقرة بهذا النوع من الطائرات المتطورة، في نفس الوقت الذي تستعد فيه واشنطن لمنح أثينا صفقة طائرات أف -35 التي تم استبعاد تركيا منها على خلفية قيامها بشراء صفقة الصواريخ الروسية  أس -400.

هذا إضافة إلى منح اليونان العديد من صفقات السلاح لدعم قواتها البحرية والجوية، وهي صفقات تثير داخل تركيا العديد من علامات الاستفهام في ظل اقتصاد يوناني يعاني أزمة طاحنة، ويعتمد في تصريف أموره على معونات دول الاتحاد الأوربي، وعلى ديون المؤسسات المالية العالمية، حتى إن هناك من يشكك في قيام اليونان بدفع ثمن هذه الصفقات. ويبدو أن هذا العون الأمريكي يأتي في مقابل السماح بتمركز القوات والمعدات العسكرية الأمريكية على امتداد الأراضي اليونانية التي تحولت في مجملها إلى قاعدة عسكرية أمريكية.

صمت مريب تجاه تسليح اليونان للجزر القريبة من الحدود التركية

وتستغرب تركيا صمت واشنطن المريب تجاه قيام أثينا بتسليح عدد من الجزر القريبة من الحدود البحرية التركية في بحر إيجه، رغم خطورة هذا التصرف على أمن وسلامة حرية الملاحة في إيجه؛ إذ قد يدفع ذلك أنقرة لاحقا إلى المطالبة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والتباحث حول السيادة على هذه الجزر القريبة من الحدود التركية، في ظل اقتراب مضي مئة عام على معاهدة مونترو التي يرفض بنودها الرئيس أردوغان ويطالب بضرورة تعديلها. وهو ما يشير -في ظل التحركات اليونانية- إلى إمكانية حدوث مواجهة دبلوماسية قد تتحول إلى تهديدات بمواجهة عسكرية ولو محدودة بين الدولتين، الأمر الذي يمكن أن يخلق منطقة توتر جديدة سيكون لها العديد من التداعيات على التحالفات الدولية السياسية والعسكرية.

انتهاكات اليونان لحقوق طالبي اللجوء والتجاهل الأمريكي

صمت واشنطن شمل أيضا الانتهاكات التي تقوم بها اليونان في حق طالبي اللجوء لإجبارهم على العودة إلى الأراضي التركية بإطلاق الرصاص الحي عليهم، ومحاولات تخريب قواربهم لعرقلة وصولهم إلى الشواطئ اليونانية، وفي هذا الصدد أعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أن الحكومة اليونانية قامت حتى الآن بإعادة 45 ألف طالب لجوء إلى الأراضي التركية بالقوة، وهي الممارسات التي أودت بحياة المئات من الأطفال والنساء.

الأمر الذي أجبر البرلمان الأوربي أخيرا -بعد أن طفح الكيل- على دعوة مفوضية الاتحاد الأوربي لتحمل مسؤولياتها تجاه تلك التصرفات، واتخاذ قرارات حاسمة بشأنها، بما يكفل وضع حد لها حفاظًا على أرواح هؤلاء الفارين من جحيم الحروب وانتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهونها في دولهم، ورغم ذلك لم تحرك الولايات المتحدة المدافعة عن حقوق الإنسان ساكنا تجاه تصرفات حليفتها الجديدة.

تأثير خضوع القرار الأمريكي للوبيات المصالح

إخفاق واشنطن في الموازنة بين علاقاتها مع أنقرة وعلاقاتها مع كل من أثينا والتنظيمات التي تصنف على أنها إرهابية، وسعيها إلى التعامل مع القضايا الدولية وفق وجهة نظر اللوبيات المختلفة التي أصبحت تقود السياسة الخارجية الأمريكية وتؤثر بقوة في قراراتها، وهو ما بدا واضحا في قرار اعتراف الرئيس بايدن بما يسمى مذابح الأرمن على أيدي الأتراك العثمانيين، كل ذلك دفع الرئيس أردوغان إلى اتخاذ طريق يخالف في مجمله توجهات السياسة الأمريكية، ويحقق مصالح بلاده الوطنية، ويضمن لها أمنها القومي، ووحدة أراضيها، فالمؤمن كما يقول المثل لا يلدغ من جحر مرتين.

المصدر : الجزيرة مباشر