ما بعد أوكرانيا (1) مستقبل روسيا وأوربا

فيديو للرئيس الأوكراني في مهرجان كان (مايو/أيار الماضي)

 

جاءت الحرب الروسية ـ الأوكرانية لتضع مستقبل كل من روسيا وأوربا أمام العديد من الاحتمالات، سواء بشأن المسارات المستقبلية للطرفين كل على حدة، أو المسارات المستقبلية للعلاقات الثنائية بينهما، وبناء على معطيات وتطورات الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي بدأت في 24 من فبراير/شباط الماضي، يمكن استشراف بعض من هذه المسارات.

روسيا الدولة وروسيا النظام بين تعدد الأزمات واحتمالات السقوط!!

رغم الخسائر الواسعة التي لحقت -وقد تلحق- بروسيا بسبب قرار الرئيس بوتين التدخل في أوكرانيا، فإن احتمالية سقوط النظام الروسي رغم أنها قائمة، لكنها قد تكون صعبة على المدى القصير؛ لاستبعاد الإطاحة ببوتين بانقلاب في القصر، ولصعوبات إزاحة النخبة الحالية بالاحتجاجات الجماهيرية، في ظل السياسات القمعية التي تبناها بوتين داخليا وخارجيا في دعم حلفائه في بيلاروسيا وكازاخستان وسوريا.

ومن جهة أخرى، عن روسيا الدولة وليس النظام، يرى المفكر الأمريكي “جون ميرشايمر” أن روسيا قوة عظمى، وأنه على الرغم من أن روسيا منحازة الآن إلى الصين، فمن المحتمل أن تُحوّل جانب الانحياز مع الوقت وتتحالف مع الولايات المتحدة، لأن قوة الصين المتزايدة تُعد أعظم تهديد لروسيا نظرا لتقاربهما الجغرافي.

وإذا ذهبت موسكو وواشنطن إلى صياغة علاقات متقاربة، بسبب خوفهما المتبادل من الصين، فسيتم إدماج روسيا على نحو سهل في النظام المحدود الذي تقوده الولايات المتحدة. أمّا إذا استمرت موسكو في الحفاظ على علاقات ودية مع الصين بسبب خوفها من الولايات المتحدة أكثر من خوفها من الصين، فسيتم إدماج روسيا على نحو سهل في النظام المحدود الذي تقوده الصين، ولكن يبقى احتمال آخر يتمثل في أن روسيا لن تصطف مع أحد الطرفين وتبقى على الهامش، وتعمل على الاستفادة من تنافسهما معا في اكتساب نقاط تعزز من قدراتها التنافسية والتفاوضية معهما معا، سعيا نحو استكمال بنيتها القطبية.

ومن جانبه، يرى المفكر الأمريكي “روبرت كاجان” أنه عندما يكمل الروس عمليتهم، سيكونون قادرين على نشر قوات برية وجوية وصاروخية في قواعد غربي أوكرانيا، وكذلك في بيلاروسيا التي أصبحت فعليا وكيلا لروسيا، وبالتالي سيتم تجميع القوات الروسية على الحدود الشرقية لبولندا التي يبلغ طولها 650 ميلا، وكذلك على الحدود الشرقية لسلوفاكيا والمجر والحدود الشمالية لرومانيا، ومن المحتمل أن يتم وضع مولدوفا تحت السيطرة الروسية أيضا. وسيكون التهديد الأكثر إلحاحا على دول البلطيق، إذ تقع روسيا بالفعل على حدود إستونيا ولاتفيا مباشرة وتلامس ليتوانيا عبر بيلاروسيا ومن خلال موقعها الأمامي في منطقة كالينينجراد.

ويضيف كاجان: إن الاستراتيجية الجديدة لروسيا هي فك ارتباط دول البلطيق بحلف شمال الأطلسي (ناتو) من خلال إثبات أن الحلف لا يمكنه بعد الآن أن يأمل تقديم الحماية لتلك البُلدان، ومع وجود بولندا والمجر و5 أعضاء آخرين في الناتو يتشاركون الحدود مع روسيا الجديدة الموسعة، فإن قدرة الولايات المتحدة والناتو على الدفاع عن الجناح الشرقي للحلف سوف تتضاءل بشكل خطير، وهذا الوضع الجديد قد يفرض تعديلا كبيرا في معنى وهدف الناتو.

فالرئيس بوتين يريد إعادة تأسيس مجال نفوذ روسيا التقليدي في شرق ووسط أوربا، ويسعى حاليا -على الأقل- إلى تشكيل الناتو من مستويين، حيث لا تنتشر قوات التحالف على أراضي حلف وارسو السابقة؛ أي جميع دول شرق أوربا التي على حدود روسيا، ويسعى أيضا إلى إنشاء “بنية” أمنية أوربية جديدة مع وجود القوات الروسية على طول الحدود الشرقية للناتو. وفي السياق ذاته، فإن انتصار روسيا على أوكرانيا وعدم مجابهة الولايات المتحدة والغرب عموما روسيا عسكريا، من شأنه أن يشجع الصين على اجتياح تايوان والسيطرة عليها لتهيمن في شرق آسيا وغرب المحيط الهادي.

هنا سيكون من المهم التفكير في سيناريو نظام عالمي تسيطر فيه روسيا بشكل فعال على جزء كبير من أوربا الشرقية، وتسيطر الصين على جزء كبير من شرق آسيا وغرب المحيط الهادي. وسيتعين على الأمريكيين وحلفائهم الديمقراطيين في أوربا وآسيا أن يقرروا، مرة أخرى، ما إذا كان هذا العالم مقبولا، لأن هذا يعني نهاية النظام العالمي الحالي و”بداية حقبة من الفوضى والصراع العالميين؛ حيث تتكيف كل منطقة في العالم بشكل غير مستقر مع التكوين الجديد للقوة”.

روسيا ومجلس الأمن.. من يفرض الفيتو ومن يفرض البقاء؟

من ناحية رابعة، وفي ما يتعلق بمسارات مستقبل الدور الروسي، تبرز قضية موقع روسيا في مجلس الأمن، بعد أن هدّد الغرب بتجريدها من عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وعلى الرغم من أنه نظريا هناك بنود في الفصل الثاني لميثاق الأمم المتحدة (المادة 5 والمادة 6) بشأن عضوية الدول الأعضاء وشروطها التي تشير إلى إمكانية حرمان دولة ما من حقوقها، بما فيها التصويت في الجمعية العامة؛ فإن ذلك يتطلب قرارا من مجلس الأمن، وبالتالي يمكن لروسيا استخدام “الفيتو” في هذه الحال.

وحتى لو لم تتمكن روسيا من استخدامه فمن المستبعد أن تتخلى الصين عن حليفتها. والمواد المتعلقة بذلك تنص على أنه يجوز للجمعية العامة أن توقف أي عضو اتخذ مجلس الأمن بحقه إجراء احتياطيا أو منعا عن مباشرة حقوق العضوية ومزاياها، ويكون ذلك بناءً على توصية مجلس الأمن، ولمجلس الأمن أن يُعيد لهذا العضو تلك الحقوق والمزايا. والمادة السادسة تشير إلى أنه “إذا أمعن عضو من أعضاء الأمم المتحدة في انتهاك مبادئ الميثاق؛ جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناءً على توصية مجلس الأمن”.

وإذا كان طرد روسيا أو تجميد عضويتها بمجلس الأمن أو حقها في التصويت يواجه صعوبات حقيقية، فإن هناك مسارات بديلة لا تعني بالضرورة تجميد عضويتها، منها إمكانية الطلب من روسيا الامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن لأنه متعلق بعدوانها. وفي هذا السياق، تنص المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه “تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة بموافقة أصوات تسعة من أعضائه، تكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بشرط أنه في القرارات المتخذة تطبيقا لأحكام الفصل السادس والفقرة 3 من المادة 52 يمتنع من كان طرفا في النزاع عن التصويت.

أوربا ما بعد أوكرانيا.. نحو مزيد من التبعية و”الأمننة”

بالنسبة لمستقبل أوربا، يرى ميرشايمر أنه من المرجّح أن تصير أغلب البُلدان في أوربا، لا سيما القوى الأساسية، جزءا من النظام المحدود بقيادة الولايات المتحدة، رغم أنه من غير المرجّح أن تمارس دورا عسكريا جدّيا في احتواء الصين. فليس لها القدرة على تصدير قوة عسكرية جوهرية تجاه شرق آسيا، كما أن الصين لا تُمثّل تهديدا مباشرا لأوربا، ولأن الأمر يبدو أكثر منطقية بالنسبة لأوربا في ترحيل المسؤولية إلى الولايات المتحدة وحلفائها الآسيويين. إلا أن صناع السياسة الأمريكية سيريدون الأوربيين داخل نظامهم المحدود لأسباب اقتصادية وأمنية واستراتيجية.

حيث تحرص الولايات المتحدة على منع الدول الأوربية من بيع التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج إلى الصين، والمساعدة في فرض ضغوط اقتصادية عليها حينما يتطلب الأمر ذلك. في المقابل، ستبقى القوات العسكرية الأمريكية في أوربا، محافظةً على الناتو حيّا ومستمرةً في العمل باعتبارها صانع السلام في المنطقة.

إن الحرب في أوكرانيا تُظهر أن تحمُّل أوربا مسؤولية أكبر عن أمنها ليس أمرا مرغوبا فيه فحسب، بل ممكن أيضا. لقد كانت الحرب بمثابة جرس إنذار للأوربيين الذين اعتقدوا أن نشوب حرب كبيرة في قارتهم أصبح مستحيلا بسبب القواعد ضد الغزو والمؤسسات الدولية والاعتماد الاقتصادي المتبادل والضمانات الأمنية الأمريكية، إن تصرفات روسيا هي تذكير بأن القوة التي لا تُقهر لا تزال شديدة الأهمية، وأن دور أوربا الذي تنسبه لنفسها باعتبارها “قوة مدنية” ليس كافيا. واستجابت الحكومات الأوربية بقوة، مما يدحض التنبؤات بأن التنافر الاستراتيجي داخل أوربا قد يمنع القارة من الاستجابة على نحو فعّال للتهديد المشترك.

إن أوربا يمكنها التعامل مع التهديد الروسي المستقبلي بمفردها، ولدى أعضاء الناتو الأوربيين إمكانات قوة كامنة تفوق التهديد الذي يواجه شرقهم، ولديهم ما يقرب من أربعة أضعاف عدد سكان روسيا وأكثر من 10 أضعاف ناتجها المحلي الإجمالي. وحتى قبل الحرب، كان الأعضاء الأوربيون في الناتو ينفقون بين ثلاثة وأربعة أضعاف ما تنفقه روسيا على الدفاع كل عام. ومع الكشف عن قدرات روسيا الحقيقية، يجب أن تزداد الثقة في قدرة أوربا على الدفاع عن نفسها زيادة كبيرة.

لذلك تُعد الحرب في أوكرانيا لحظة مثالية للتحرك نحو تقسيم جديد للعمل بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين، لحظة تكرِّس فيها الولايات المتحدة اهتمامها لآسيا بينما يتحمل الشركاء الأوربيون المسؤولية الأساسية للدفاع عن أنفسهم، لذا يجب على الولايات المتحدة التخلي عن معارضتها الطويلة الأمد للاستقلال الأوربي، ومساعدة شركائها على تحديث قواتهم. وأن يكون القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي القادم جنرالا أوربيا، ويجب على قادة الولايات المتحدة ألا ينظروا إلى دورهم في الناتو على أنهم أول المستجيبين، ولكن باعتبارهم خط الدفاع الأخير.

ومع وجوب تسليم مسؤولية أمن أوربا إلى الأوربيين تدريجيا، وعلى المدى الطويل، ستسعى الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوربي أيضا إلى بناء نظام أمني أوربي قد لا يستبعد روسيا، لتعزيز الاستقرار في أوربا، ولإبعاد موسكو عن الاعتماد المتزايد على الصين. وينتظر هذا التطور وجود قيادة جديدة في موسكو.

إلا أنه حتى يتحقق ذلك، وحتى يختفي بوتين من المشهد، فإن أحد السيناريوهات المطروحة، وغير المستبعدة، امتداد نطاق الصراع بمستوياته وأدواته المختلفة، بين روسيا من ناحية وأوربا من ناحية أخرى، وكما كانت أوربا المسرح الأكبر للحربين العالميتين الأولى والثانية، فليس مستبعدا كذلك أن تكون المسرح الأكبر للحرب العالمية الثالثة، بأنماط ومسارات وأدوات جديدة للحرب خلافا لما شهده العالم في الحربين السابقتين.

المصدر : الجزيرة مباشر