القيادة والخيال الاجتماعي.. كيف يمكن إعداد قادة المستقبل؟

معرض الخيال والواقع في البرازيل

 

تحتاج الدول إلى نوعية جديدة من القادة يقومون بتوظيف ثروتها البشرية لتحقيق أهداف طويلة المدى، لذلك يمكن أن يسهم مفهوم الخيال الاجتماعي في تطوير علم القيادة، وزيادة قدرات الأفراد على ربط التحديات الشخصية التي يواجهونها بالقضايا الاجتماعية.

ويُعد رايت ميلز هو رائد مفهوم الخيال الاجتماعي، فهو يعرّفه بأنه الوعي بالعلاقة بين تجارب الإنسان الشخصية، وتاريخ المجتمع وتطوره، كما أنه يساعد الفرد على التفاعل مع الآخرين والتأثير فيهم.

العلاقة بين الفرد والمجتمع

وكما أن الخيال الاجتماعي يسهم في تطوير علاقة الفرد بالمجتمع، فإنه يساعد الفرد على رؤية المستقبل، وكيف يتوقع التطورات التي تحدث في المجتمع ويتكيف معها، ويستخدمها لتحقيق أهدافه.

لذلك تطور المفهوم ليشمل استخدام الخيال في فهم العلاقة بين قوى المجتمع، والحياة الشخصية للأفراد، وتطوير قدرات الإنسان العقلية ليفكر في العالم بأساليب جديدة.

ويشجع هذا المفهوم الأفراد على التفكير في حياتهم ومشكلاتهم الشخصية ليس على المستوى الفردي، ولكن في سياق اجتماعي وتاريخي.

وهذا السياق الاجتماعي يشمل الثقافة التي يرى الإنسان ذاته في ضوئها، ويقوم على أساسها بتطوير دوره ووظيفته الاجتماعية.

كما يشير رايت ميلز إلى جانب مهم، هو أن الخيال الاجتماعي يسهم في تغيير العالم عن طريق تشجيع الأفراد على المشاركة في مقاومة الظلم الاجتماعي، لذلك يبحث الفرد عن حلول لمشكلاته الشخصية في إطار كفاح مجتمعه لتحقيق العدل.

الخيال الاجتماعي والقيادة

بدأ اهتمامي بمفهوم الخيال الاجتماعي، وأنا أعمل لتطوير علم القيادة، فهذا المفهوم يمكن أن يسهم في زيادة قدرة المجتمعات على اختيار القادة من الذين يرون أنفسهم في ضوء تاريخ مجتمعاتهم وكفاح شعوبهم.

وفي الوقت نفسه، فإن تطوير الفرد لخياله الاجتماعي يسهم في زيادة قدراته على أن يصبح قائدا لأنه يفكر خارج حدود نفسه ومشكلاته الشخصية.

فعندما يعرف الفرد أن أفكاره يشكلها المجتمع الذي يعيش فيه، يدرك مسؤوليته عن هذا المجتمع، وأنه لا يمكن أن ينفصل عنه، فسعادته لا يمكن أن تتحقق في مجتمع يعاني البؤس والشقاء والظلم.

لذلك، فإن الفرد لكي يصبح قائدا يجب أن ينطلق ليفكر ويستخدم خياله في البحث عن حلول لمشكلات مجتمعه، والمشاركة في مناقشة حرة لهذه المشكلات في مجال عام مفتوح يتم فيه التعبير عن الآراء المختلفة.

هذه المناقشة الحرة هي التي تطلق خيال الأفراد لإنتاج أفكار جديدة تسهم في  تطوير المجتمع.

وسّع آفاق تفكيرك

لكي تصبح قائدا يجب أن توسّع آفاق تفكيرك، ومفهوم الخيال الاجتماعي يساعدك على تحقيق ذلك، فيجب أن تدرك أنك مسؤول عن المجتمع الذي تستمد منه الثقافة والقيم، وأن تجربتك الشخصية هي جزء من التجربة التاريخية لهذا المجتمع.

كما أن مفهوم الخيال الاجتماعي يساعدك على التفكير بشكل أعمق يتجاوز حدود تجربتك الشخصية، فتربط هذه التجربة بكفاح مجتمعك، وبذلك تستطيع أن تتخذ قراراتك في ضوء فهم هذا الكفاح، والإصرار على استمراريته حتي تحقيق الأهداف.

والمجتمع يمكن أن يلاحظ قدراتك على تحقيق أهدافه، فيختارك للقيادة عندما تتاح له الفرصة للاختيار الحر دون إكراه أو اجبار.

الخيال الاجتماعي والخدمة العامة

إن الذي يمتلك خيالا اجتماعيا يستطيع أن يقوم بدور مهم في الخدمة العامة، وأن يصبح قائدا خادما لشعبه، إذ يتمكن من الحصول على قدر من السعادة في حل مشكلات الآخرين، ومساعدتهم على تجاوز الأزمات التي يتعرضون لها.

لكن ما الذي يجعل شخصا يضحي بوقته وماله وجهده ليقوم بخدمة مجتمعه، ومساعدة الآخرين؟!

إن الخيال الاجتماعي لهذا الشخص دفعه إلى ربط تجربته الإنسانية بحياة أسرته ومجتمعه، والتفاعل مع الآخرين.. وهذه الرؤية تؤثر على اتجاهات الأفراد والجماعات، فتؤدي إلى زيادة القدرة على المشاركة والتعاون.

في ضوء ذلك، يمكن أن تتضح أهمية الخيال الاجتماعي في إعداد قيادات المستقبل التي يمكن أن تسهم في حل الأزمات ومواجهة التحديات بشكل جماعي، وزيادة إمكانات الخدمة العامة، وتحقيق التكامل الاجتماعي.

إن القائد الذي يمتلك خيالا اجتماعيا يدرك أهمية علاقته بالمجتمع، وأنه جزء من جماعة يجب أن تتعاون على حل مشكلاتها ومواجهة أزماتها، والكفاح لتحقيق أهدافها.

الانفصال عن المجتمع

هناك الكثير من الحالات التي توضح أهمية الخيال الاجتماعي للقيادة، فانفصال القادة بتجاربهم الشخصية عن كفاح المجتمع ومشكلاته يؤدي إلى العديد من الكوارث.

يمكننا أن نلاحظ بوضوح الكثير من قادة الدول الذين جاؤوا من نخب اقتصادية وعسكرية، ولم يستوعبوا تاريخ دولهم وقيم مجتمعاتهم، ولم يمتلكوا خيالا اجتماعيا.

لذلك يركز خطابهم على توجيه اللوم إلى شعوبهم، ويبررون المشكلات التي تواجهها هذه الشعوب بأسباب مثل زيادة النسل، والتمسك بعادات وتقاليد وقيم لا تتناسب مع العصر.

وبدلا من أن يقوموا بتعبئة الجماهير لمواجهة الأزمات، فإنهم يقومون بإلهاء شعوبهم بأحداث ومشكلات مصنوعة لنشر الخوف والرعب، ومنع الناس من المشاركة في الكفاح لتحقيق التغيير وبناء المستقبل.

كما أن القادة الذين لا يمتلكون خيالا اجتماعيا يقومون بإغلاق المجال العام، ومنع المناقشة الحرة حتي لا يبرز خلال تلك المناقشة قادة جدد يقدمون مشروعات اجتماعية وسياسية وحضارية لبناء مستقبل دولهم فتلتف الجماهير حولهم.

لذلك يقوم القادة الذين يفتقدون الخيال الاجتماعي بتجفيف منابع القيادة والسياسة، ويقللون قدرة مجتمعاتهم على البحث عن حلول جديدة لمشكلاتها.

الخيال الاجتماعي وقيادة التغيير

ولكي تتمكن المجتمعات من التوصل إلى حلول لمشكلاتها يجب أن تعمل لتغيير نظمها، وتتفق على مجموعة من المبادئ التي تؤدي إلى بناء نظام سياسي يقوم على اختيار المجتمع للمشروع الحضاري الذي يريده الشعب، ويرى أنه يمكن أن يبني على أساسه مستقبله.

لكن القيادات التي تفتقد الخيال الاجتماعي تعمل على تحقيق الاستقرار ومنع التغيير، وبذلك تتزايد حدة المشكلات حتى تصبح الثورات هي الحل الوحيد أمام شعوب تعاني الفقر والظلم.

لذلك، فإن الخيال الاجتماعي ضرورة للقادة الذين يستهدفون التغيير الذي يحقق للمجتمع آماله في حياة أفضل، فهم يرون أن تجاربهم الشخصية تؤهلهم للاندماج في المجتمع وقيادته، وأنهم قادرون على إنتاج أفكار ومشروعات ويخططون لمواجهة التحديات وحل الأزمات والمشكلات.

ومن أهم الحلول التي يمكن أن يقدمها القائد الذي يمتلك الخيال الاجتماعي ويعمل لتحقيق التغيير هو توظيف الثروة البشرية، وإطلاق طاقات الإنسان في التفكير خارج إطار مشكلاته الشخصية، والتعاون لتحقيق أهداف عظمى للمجتمع مثل تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الشامل، وبناء القوة السياسية والاقتصادية والثقافية.

قادة يحلمون!

إن المجتمعات تحتاج إلى قادة يحلمون ويطلقون العنان لخيالهم الاجتماعي، ويقومون بإدارة مناقشة حرة يشارك فيها كل أصحاب المشروعات الحضارية.

ففي هذه المناقشة الحرة يمكن إنتاج الكثير من الأفكار والمشروعات، ويتم تعبئة الشعب لبناء مستقبله.

ولا يمكن أن يقتنع شعب بقائد يركز على إشباع رغباته، ويتعامل باستعلاء واستكبار مع شعبه، ويفصل نفسه عن كفاح أمته.

إن الخيال الاجتماعي يسهم في إعداد قيادات المستقبل التي تعمل لتحقيق التغيير القائم على تحقيق الاستقلال الشامل، والتحرر من التبعية، والبحث عن حلول جديدة، وتقديم مشروعات حضارية.

والشعوب تشتد حاجتها إلى هذه القيادات التي تفكر وتنطلق بمجتمعاتها نحو المستقبل، بتوظيف طاقاتها، وزيادة قدراتها على الإبداع والابتكار وقراءة التاريخ واستيعاب دروسه لتحقيق الانتصارات والإنجازات الحضارية.

المصدر : الجزيرة مباشر